Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم أرّخ غوستاف لوكليزيو لما اعتبره "زواج فيل من يمامة"

رواية أتت مفاجأةً مكسيكية من الكاتب الفرنسي متوِّجة احتفاله بـ"الآخر" وثقافاته

هناك جانبان مهمان في حياة فريدا ودييغو: السياسة والفن (موقع الرسامة)

قبل نحو عقدين من اليوم، حقّقت الممثلة المكسيكية من أصول لبنانية سلمى حايك ما اعتبرته يومها حلم حياتها، مؤكدة أنها كانت تحلم به منذ صباها المبكر. وما كانت تعنيه حايك بهذا إنما هو فيلم عن حياة الفنانة المكسيكية الكبيرة فريدا كاهلو. واللافت في هذه الحكاية أن حايك التي أنتجت الفيلم بالفعل، فارتبط باسمها، إذ أتاح لها حين مثّلته قائمة بدور الرسامة - الأيقونة في تاريخ المكسيك الحديث، تحدثت يومها أيضاً قائلة إن حلمها السينمائي التالي لحلم فريدا إنما هو إنتاج فيلم عن رواية "النبي" للبناني جبران خليل جبران، معلنةً أنها ستُهدي هذا الفيلم إلى جدها الذي كان يضع نسخة قديمة، وربما هي الأولى من ذلك الكتاب المكتوب أصلاً بالإنجليزية، إلى جانب سريره حتى أيامه الأخيرة بدلاً من الكتاب المقدس! هذا بالنسبة إلى "النبي"، أما بالنسبة إلى الفيلم عن فريدا، فقالت إنه سيكون فيلمها الخاص وهاجس حياتها. والحقيقة أن حياة حايك ارتبطت منذ ظهور الفيلم بصورة ما لفريدا، ولم تبرحها بعد ذلك أبداً على الرغم من عشرات الأدوار التي قامت بها في أفلام جعلت منها فنانة في قمّة النجومية.

حكايتان لثنائي واحد

والحال أن المرء إن تذكر فيلم "فريدا"، واسترجع في ذاكرته حكاية هذه الأخيرة مع دييغو ريفيرا، وهي الحكاية التي تشغل الجزء الأكبر من زمن الفيلم، سيتذكر أن ثمّة دائماً في تاريخ الفن الحديث حكايتين: حكاية فريدا نفسها، وحكاية دييغو. وعلى الرغم من أن حكايتهما معاً باتت معروفة منذ زمن بعيد، نعرف أن الحكايتين قلما تلتقيان، حتى وإن كانت السماء جمعت بين الزوجين مع فارق ثلاث سنوات، كانت هي الفارق بين رحيل فريدا متأثرة بكسورها وأمراضها العديدة وانكسار خاطرها، من العالم والفن كما من دييغو الذي أحبّته دائماً إلى حدّ الوَلَه، لكنه هو لم يُبادلها ذلك الحب نفسه كما تقول لنا حكايتهما المعروفة، وكما يقول لنا الفيلم طبعاً، ورحيل دييغو الذي جاء في وقت كانت تبدو فيه صحته جيدة، وغرامياته النسائية بلا نهاية. وفيما كان دييغو زير نساء، وعلى الرغم مما أشيع دائماً عن علاقة فريدا بمؤسس "الجيش الأحمر" الروسي - ثم السوفياتي - ليون تروتسكي، وحتى عن علاقتها بمؤسس السوريالية أندريه بريتون، وصولاً إلى افتتانها بهنري فورد صانع السيارات الأميركي الشهير، كانت دائماً ما تُبدي من الوفاء لزوجها وحبيبها، بأضعاف أضعاف ما يُبديه هو.

 

 

فيل في سن أبي اليمامة

مع هذا، كان فارق السن كبيراً بينهما. كان يكبرها كثيراً. وحين ارتبطت به بتلك العلاقة التي أفضت إلى زواجهما، كانت سنّه تقرب من سن أبيها الذي - وكما يروي الكاتب الفرنسي الفائز منذ حين بجائزة نوبل الأدبية، غوستاف لوكليزيو في كتابه "دييغو وفريدا"، وهو عبارة عن رواية "واقعية" تروي بطريقة مبتكرة حكاية الزوجين صدرت قبل ظهور فيلم "فريدا"، لكن الفيلم لم يستعن بها - علّق حين فوتح بخبر زواج الرسام الشهير بابنته بقوله إنه "أشبه بزواج فيل من يمامة". ولم يكن هذا التعليق بعيداً من الصحة. وكتاب "دييغو وفريدا" هو تحديداً عن ذلك الثنائي الذي كان شديد الغرابة في عالم الفن، ولكن كذلك في عالم السياسة والثورة والحب أيضاً. ولئن كان الكاتب الفرنسي قد أعلن حين شرع في صوغ هذا العمل أنه يريد أن يكتب "سيرة مزدوجة"، فإن ما جاء في نهاية الأمر على قلمه، كان أشبه برواية حب غريب من نوعه. ولنقل رواية تتحدث عما يشبه الحب من طرف واحد. ذلك أن لوكليزيو لم يحاول في كتابه، وعلى الرغم من تعاطفه الفني والسياسي مع دييغو، أن يخفي التعسف الذي كان به رسام الجداريات المكسيكي الكبير، يعامل فريدا.

زوجات الآخرين والخيانات العلنية

بل إن دييغو يبدو هنا، وفي بعض الصفحات، أشبه بذلك الوحش الضاري الذي لم يكن ليتوانى عن خيانة فريدا، أمام عينيها أحياناً، من دون أن يأبه لمشاعرها. بل، أكثر من هذا، وفي وسع المرء اليوم، إذ يشاهد مجمل لوحات هذه الأخيرة، ولا سيما منها اللوحات التي تصوّر فيها العديد من مراحل حياتها، قبل الحادثة التي أقعدتها، وبخاصة بعد الحادثة، حيث نراها بالأربطة والضمادات، كما نراها في بعض اللوحات وكأنها تسبح في عالم من الخيال الغرائبي، نلاحظ على الفور كيف يبدو دييغو، وغالباً، في حجم طفل صغير تبدو هي وكأنها أمه، يحتل مكانة أساسية في تلك اللوحات. ففي هذه اللوحات يبدو دييغو وكأنه كل حياة تلك المرأة المدهشة ومبرر وجودها وموضوع فنها. أما هي - وهذا أمر يفرد لوكليزيو صفحات عديدة لتحليله في كتابه متوقفاً عنده مراراً وتكراراً - فغائبة عن لوحاته. بالكاد يلمح المرء لها وجوداً في عالمه. مع هذا، ثمّة عشرات البورتريهات التي رسمها دييغو لعشرات النساء الحسناوات التي تقول لنا الحكاية - وهو ما يؤكد عليه لوكليزيو بدوره - أن معظمهن كنّ في مرحلة أو أخرى عشيقات له مع أن بعضهن كن زوجات أصدقائه!

بين تروتسكي وستالين

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن هذا الجانب ليس كل ما في كتاب لوكليزيو. بل هناك الجانبان الآخران المهمان في حياة فريدا ودييغو: السياسة والثورة، من ناحية، والفن من ناحية أخرى. وارتباط الجانبين بناحية ثالثة لا تقل أهمية. فنحن نعرف أن فريدا كانت منذ صباها مناضلة شيوعية صلبة، وهو ما يؤكد عليه فيلم "فريدا" بكل قوة. وهي لئن كانت قد تعرفت في صباها إلى دييغو، وأعجبت به، فما هذا إلا لأن ذاك الذي يعتبر واحداً من عمالقة الفن في المكسيك، كان رسام الثورة والنضال الشعبي الأول في بلد كانت الثورة تشكل جزءاً من تقاليده. صحيح أن فريدا، حين مارست فن الرسم بدورها، وتحت إشراف دييغو، لم تخض رسم الجداريات الذي كان في ذلك الحين تخصصاً مكسيكياً كبيراً، وكان دييغو واحداً من كبار الأساتذة فيه، بل آثرت رسم اللوحات الصغيرة. كانت تلك حدودها، ولا سيما بعد أن أصيبت بذلك الحادث الذي كسّر عظامها وشلّها عن الحركة. غير أن ذاتية رسومها وغرائبية عوالم تلك الرسوم لم تكونا بعيدتين عن اختياراتها السياسية حتى ولئن كانت ستعرف بشيء من العداء لستالين تلا تعرّفها إلى تروتسكي لدى وصول هذا الأخير إلى المكسيك واغتيال رجال ستالين له هناك. ويبدو أن فريدا كانت تعرف شيئاً أو أشياءَ عن ذلك الاغتيال، بل ترى فيه بعض أصابع دييغو وزميله ورفيقه سكييروس، اللذين كانا ستالينيَيْ الهوى ويكنّ كل منهما عداء معلناً لتروتسكي الذي كان انشقاقه قد أوصله إلى المكسيك، فلاحقه عملاء ستالين إلى هناك، حيث تمكنوا منه بعد مطاردات ومخادعات وتسلل إلى داخل بيته على الرغم من تحصين التروتسكيين المكسيكيين له.

هدية لـ"الآخر" من كاتب نبيل

المهم أن لوكليزيو روى كل هذا في تلك الرواية البديعة التي أوصل فيها اهتمامه بحياة المكسيك وتاريخها إلى ذروة من ناحية الاهتمام بالآخر وثقافاته - الآخر المكسيكي الأميركي اللاتيني هنا، والآخر المسلم والعربي والأمازيغي في روايات كبيرة أخرى له مثل "صحراء" التي كانت في مقدمة الروايات التي ذُكرت في حيثيات فوزه بجائزة نوبل، كما الآخر الأسمر ابن أفريقيا في أعمال مميزة له يدور بعضها في جزيرة موريسيوس التي كانت مسقط رأسه على الرغم من أن أهله من مواطني منطقة بريتاني في الغرب الفرنسي، وهو سيترعرع في مدينة نيس جنوبي فرنسا نفسها. وكان هذا الاهتمام، ولا يزال، فعل وجود لوكليزيو ومدار شغفه ما جعله واحداً من أنبل الشخصيات وأنقاها في زمن الثقافة الفرنسية الراهن.

المزيد من ثقافة