Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الغذاء العالمي": الحوثيون يتلاعبون بالمساعدات في اليمن ويمنعون وصولها

مدير البرنامج الأممي يهدد بتعليقها حال استمرار إعاقة عمله... ومجلس الأمن يدين

يتهم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الحوثيين بإعاقة وصول المساعدات إلى مستحقيها (رويترز)

"اليوم لا بدّ أن أبلغكم أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يتم منعه من إيصال المساعدات الغذائية إلى الأشخاص الأشدّ جوعاً في اليمن، حيث يتم التلاعب بالمساعدات الغذائية في المناطق التي تخضع لسيطرة (الحوثيين) على حساب الأطفال والنساء والرجال الذين هم في أمسّ الحاجة إليها"، هكذا أعلن ديفيد بيزلي، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، محدّدا الطرف المعوّق لوصول المساعدات بالاسم، في اعتراف نادر، و"إن كان متأخراً"، وفق تعبير مراقبين.

بيزلي، وخلال جلسة عاصفة بمجلس الأمن الدولي، أمس الاثنين، حذّر من احتمال البدء في التعليق التدريجي هذا الأسبوع للمساعدات الغذائية في أحد أشدّ دول العالم حاجة لها (اليمن)، بسبب تحويل المساعدات لأغراض غير مخصصة لها وغياب استقلالية العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، موجّها رسالة للحوثي، قائلا "اتركونا فقط نقوم بعملنا".

شهادة عاصفة

في الوقت الذي لم تكن فيه اتهامات الميليشيات الحوثية بإعاقة وصول المساعدات إلى مستحقيها أو استغلالها لتحقيق أهداف سياسية بجديدة، إلا أن تصريحات بيزلي، والتي أعقبها بيان إدانة من مجلس الأمن لموقف الحوثيين من مسألة المساعدات الدولية، "وضعت النقاط على الحروف"، بحسب تعبير الباحث المتخصص في الشأن اليمني، هاني سليمان، موضحا أن "الاتهامات لم تكن بجديدة لميليشيا الحوثي المسيطرة على العاصمة صنعاء منذ أكثر من 4 سنوات، إلا أنها جاءت في توقيت مهم تمرّ به الأزمة اليمنية بحالة تخبّط في الأوساط الغربية وسط مساعي أطراف بعينها لتجميل موقف الحوثيين".

وقال بيزلي إن "الوضع الإنساني في اليمن مؤسف. وعلى الرغم من المعاناة الهائلة التي يعانيها 20 مليون يمني، نواجه مقاومة عنيفة للقيام بوظيفتنا، وهي محاولة مساعدة الناس في البقاء على قيد الحياة".

وأبلغ بيزلي المجتمعين في مجلس الأمن حول اليمن أنّ "مساعداتنا الغذائية يتم التلاعب بها ونمنع من ضبط الأمر". وأضاف "كل ما نطلبه هو السماح لنا بالقيام بما نفعله في أرجاء العالم. الأطفال يموتون الآن بسبب ذلك".

وكشف بيزلي أن برنامج الأغذية العالمي لم يكن قادرا على تنفيذ الاتفاقيات مع الحوثيين بشأن تسجيل الأشخاص المحتاجين وتدشين نظام للقياسات الحيوية، باستخدام مسح القزحية أو رفع بصمات الأصابع أو التعرف على الوجه، لدعم عملية تسليم المساعدات، مشددا "نحن الآن نساعد في إطعام ما يربو على عشرة ملايين شخص شهريا، لكن بصفتي رئيس برنامج الأغذية العالمي لا يمكنني أن أؤكد لكم أن كل المساعدات ستذهب لمن هم في مسيس الحاجة إليها".

وتساءل أمام مجلس الأمن المكوّن من 15 دولة، قائلا "لماذا؟ لأنه لم يُسمح لنا بالعمل على نحو مستقل ولأن المساعدات تحولت للربح وأغراض أخرى".

وقال بيزلي إن تحويل المساعدات لأغراض أخرى ليس قاصرا على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون لكن "عندما نواجه تحديات في مناطق تسيطر عليها الحكومة فإننا نحصل على تعاون للتصدي لهذه المشاكل".

وكان بيزلي هدّد الحوثيين في مطلع مايو (أيار) الماضي بأن المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين سيتم تعليقها إذا لم يوقفوا تغيير وجهة الشحنات. حيث اتهم البرنامج في السابق قادة حوثيين بـ"عرقلة" أو "عدم التعاون"، في شكل يمنع وصول قوافل المساعدات أو التحكم في اختيار متلقي المساعدات.

مجلس الأمن يدين

وعلى إثر شهادة بيزلي، وتنديد مارك لوكوك معاون الأمين العام المعني بالشؤون الإنسانية، بعدم تقدم الوضع في شكل عام في اليمن، وكذلك إدانة مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث، عدم إحراز تقدم في تبادل السجناء المتفق عليه بين الأطراف المتحاربة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في السويد، أدان مجلس الأمن الدولي هو الآخر بـ"أشدّ العبارات" استيلاء الحوثيين على مساعدات إنسانية مرسلة إلى اليمن.

وقال بيان للمجلس إنّ "أعضاء مجلس الأمن أدانوا اختلاس الحوثيين للمساعدات الإنسانية والإعانات"، كما عبّر عن ذلك المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، وأكّدوا مجدّداً دعوتهم إلى التدفّق السريع والآمن والخالي من العوائق للمؤن التجارية والمساعدات والطواقم الإنسانية إلى اليمن وسائر مناطقه.

الحوثيون وتاريخ من المتاجرة بالمساعدات

في الوقت الذي لم تتمكن فيه "إندبندنت عربية" من التواصل مع أحد قيادات الحوثيين للردّ على اتهامات مدير برنامج الأغذية العالمية وإدانة مجلس الأمن، نقلت قناة "المسيرة"، التابعة للميليشيات الحوثية في اليمن، عن محمد علي الحوثي، رئيس ما يعرف باللجنة الثورية العليا للحوثيين، اتهاماته للبرنامج العالمي بـ"إرسال أغذية منتهية الصلاحية إلى اليمن"، مطالباً "بتوزيع أموال نقدية بدلا من الأغذية الفاسدة"، على حدّ وصفه.

وبينما جاء ردّ الحوثيين على هذا النحو، إلا أن المتتبع للمواقف السابقة للمتمردين الحوثيين بشأن المساعدات، يكتشف سريعا أن اتهام مدير برنامج الأغذية العالمية لم يكن الأول من نوعه، إذ سبقه العديد من التحقيقات والتقارير ذات الصلة والتي كشفت إعاقة الحوثيين للمساعدات الإنسانية، أو محاولة استغلالها سياسيا، وهو ما قال عنه الباحث السياسي، هاني سليمان "يحاولون من سنوات إخضاع المساعدات الإنسانية لأجندتهم السياسية وكسب أرضية زائفة على حساب المحتاجين في اليمن".

وبحسب مارك لوكوك، منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة في كلمته الأخيرة أمام مجلس الأمن، فإن ميليشيا الحوثي عمدت إلى إعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في اليمن، مشيراً إلى أن عمليات التجنيد التي يقوم بها الحوثيون للأطفال في اليمن ازدادت بنسبة 25% خلال العام الماضي.

ودفعت الاعتداءات المتكررة والمتصاعدة من قبل الميليشيات الحوثية على قوافل المساعدات الإنسانية، برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى إصدار بيان رسمي بتاريخ 2  يناير (كانون الثاني) الماضي، طالب فيه بوقف سرقة وتلاعب الحوثيين بهذه المساعدات، لا سيما في الحديدة وصنعاء وعدد آخر من المناطق الخاضعة لسلطتهم.

وتحدث البيان عن رصد بالصور والأدلة لنقل الحوثيين شاحنات المواد الغذائية بشكل غير شرعي من مراكز توزيع الأغذية المخصصة لذلك، وتزويرهم لسجلات التوزيع ومنح المساعدات لغير مستحقيها، وبيع بعضها في أسواق صنعاء لتحقيق مكاسب مادية.

بدورها، ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، على لسان أحد كبار مسؤولي برنامج الإغاثة الأممي في اليمن "أن برنامج الأغذية العالمي رصد 7 مراكز لتوزيع الأغذية تابعة لإدارة الحوثيين في صنعاء تشترك في عمليات اختلاس المساعدات الغذائية". وأشار المسؤول الأممي إلى إزالة نحو 1200 طن متري من الغذاء بصورة غير مشروعة من المخازن وتوزيعها أو بيعها لأشخاص لا يحق لهم استلام السلع، وذلك فقط خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين.

وفي الشهر ذاته، نشرت وكالة "أ.ب." نتائج تحقيق صحفي أجرته في اليمن، خلص إلى أن المساعدات الدولية المقدمة للبلاد تكفي لاحتواء أزمة المجاعة، لكن معظمها يتعرض للنهب.

وبحسب "أ.ب."، فإن الميليشيات الحوثية متورطة في سرقة شحنات المساعدات الإغاثية من أفواه الجائعين في اليمن، والاتجار بها في السوق السوداء المفتوحة في مناطق سيطرتهم ومنها صنعاء. وخلص التحقيق إلى أن الحوثيين يسيطرون على تدفق المساعدات في مناطقهم، مما يشكل ضغوطا على عمال الإغاثة وبالتالي دفع الرشى مقابل السماح بمرور المساعدات.

من جانبها، وثّقت إحصاءات اللجنة العليا للإغاثة في اليمن احتجاز 88 سفينة إغاثية وتجارية ونفطية من قبل الحوثيين خلال الفترة من 2015 حتى 2018، ونهب واحتجاز 697 شاحنة إغاثية وتفجيرهم لـ 4 شاحنات منها، إضافة إلى 16 واقعة اعتداء على منظمات تابعة للأمم المتحدة والعاملين بها تنوعت بين القتل والخطف وإغلاق المكاتب بالقوة.

وفي 20 مايو (أيار) الماضي، كشفت شبكة "سي.إن.إن." الأميركية، في تحقيق لها أن كثيراً من العائلات في عشرات المناطق اليمنية لم تصل إليها تلك المساعدات التي تسجّلها ميليشيا الحوثي على الورق. ووفقاً للتقرير، تشتبه الأمم المتحدة في تحويل الميليشيات الإمدادات الغذائية إليها بعيداً عن الأطفال والمحتاجين من المدنيين.

ويضيف التقرير أنه "في العام الماضي اشتكى برنامج الأغذية العالمي علناً من أنه تم تحويل نحو 1200 طن من الغذاء، حيث قامت ميليشيا الحوثي بسرقة تلك الأطعمة من عائلات في العاصمة صنعاء خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين".

ونقل التقرير عن برنامج الأغذية العالمي، قوله إن "قوائم التوزيع كانت لها بصمات أصابع، يفترض أنها من أشخاص يؤكدون استلام الغذاء، لكن نحو 60٪ من المستفيدين الذين يبلغ عددهم بالآلاف في سبع مناطق بالعاصمة الخاضعة لسيطرة المتمردين لم يتلقوا أي مساعدات"، مؤكداً أنه "تم الاحتيال".

يذكر أن السعودية والإمارات والأمم المتحدة والولايات المتحدة أنفقت في العام 2018 أكثر من 4 مليارات دولار كمساعدات في اليمن، ومع ذلك فإن 16 مليون يمني لا يحصلون على ما يكفي من الطعام، وفق تقديرات أممية.

ويشهد اليمن منذ 2014 حربا بين الحوثيين والقوّات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وفي مارس (آذار) 2015، قادت السعودية تحالفا عسكريا عربياً بطلب من الحكومة اليمنية لاستعادة الشرعية في البلاد.

وفي الوقت الذي أدى فيه النزاع إلى مقتل آلاف الأشخاص، تقدّر الأمم المتحدة أن هناك ما يقرب من 3.3 مليون نازح، فيما يحتاج 24.1 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي السكان، إلى مساعدة عاجلة، بحسب المنظمة الأممية التي تصف الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها الأسوأ في العالم حالياً.

المزيد من العالم العربي