Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدينة الرصافة محطة الحروب والغزوات عبر العصور

سميت قديماً "راسابا" و"سيرجيوبوليس" في العهد البيزنطي

آثار الرصافة في البادية الشمالية الشرقية من سوريا (Syria photo guide)

 

تقع آثار الرصافة في البادية الشمالية الشرقية من سوريا في مرج واسع على مسافة 26 كيلومتراً من مجرى الفرات الأوسط، وحوالى 30 كلم من الطريق المعبد المقابل للرقة. وهي واحدة من أهم الآثارات التي ما زالت قائمة من العصر المسيحي البيزنطي، إذ تشير الأبحاث إلى أن الإنسان توطن في هذا المكان منذ العصور الشرقية القديمة، فهو يتوسط الطريق الذي يمرّ من الفرات إلى تدمر. وخلال الفترة الهلنستية الرومانية، كانت الرصافة محطة بين تدمر والمنطقة الواقعة بين الرقة وسد الفرات، كما كان يمر فيها خط الحدود الذي أسسه الإمبراطور ديوقليسيان.

سيرجيوبوليس

سُمّيت قديماً بـ"راسابا"، ثم أصبحت "رصافة"، ثم انقلب الاسم في العهد البيزنطي إلى "سيرجيوبوليس "Sergiopolis، أي مدينة القديس سيرجيوس. ودرج على لسان العرب الرُصافة بضمّ الراء، لكن قبل منتصف القرن الخامس للميلاد، أصبحت الرصافة مركزاً للأسقفية. وفي ظل الإمبراطور البيزنطي أناستاسيوس، تحوّل اسم الرصافة إلى اسم سركيس (سيرجيوبوليس باليونانية)، وكانت غالبية السكان في الرصافة وما حولها من العرب. ثم وفي ظل الإمبراطور جستينيان، شهدت المدينة توسعاً كبيراً، إلى أن أصبح اسم رصافة يتحدى الاسم اليوناني "سيرجيوبوليس".

مدينة هشام

وعام 540، شن الساسانيون الحرب عليها، وعام 616، اجتاحت جيوش كسرى الثاني الرصافة وألحقت بها الدمار. وفي القرن الثامن للميلاد، ضربها زلزال عنيف جعل عمائرها خراباً، لكن الخليفة هشام بن عبد الملك سكنها في العصر الإسلامي وأصلح مبانيها، وأشاد فيها مرافق عدة وقصوراً عربية من اللبن، وزيّنها بزخارف جدارية ملونة وشمسيات مخرمة من الجص المصبوب ذات الزجاج الملون على النوافذ والأبواب، وضاعف من البنيان، فتوسعت المدينة في عهده خارج نطاق الأسوار، حتى أصبحت تُدعى مدينة هشام.

وظلت الرصافة مزدهرة إلى أن جاءت غزوات المغول في القرن الثالث عشر للميلاد، فساد الدمار والخراب في كل مكان ولم تسلم الرصافة من تلك الحادثة، ليخيّم الصمت على المدينة ويطويها النسيان حتى القرن السابع عشر.

نموذج للعمارة العسكرية

بُنيت الرصافة على مرتفع اصطناعي وأحيطت بأسوار مستطيلة الشكل ومنيعة في صفين. تصنف أسوارها كواحدة من أضخم نماذج العمارة العسكرية التي لا تزال ماثلة للعيان من الفترة البيزنطية بحال جيدة، تحيط الأسوار ببقعة مستطيلة الشكل تقريباً، والمستطيل موجه نحو الجهات الرئيسة، أي أن أضلاعه تتجه بالتوالي نحو الشرق والغرب والجنوب والشمال. وكانت للسور في الداخل ممرات وأنفاق في طابقين متتالين، صممت لغايات دفاعية بغرض زيادة التحصين والمنعة، وأقيمت الأبراج المختلفة في زواياها وعلى أضلاعها، وأحيط السور بخندق عميق يُملأ بالماء، ولا تزال بقايا هذا الخندق ظاهرة للعيان، إضافة إلى خزانات مياه ضخمة تحت الأرض، كما تتوضع في داخلها الثكنات والأبراج الدفاعية بشكل منتظم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

للمدينة أربع بوابات منحوتة، واحدة في منتصف كل ضلع من الأضلاع، أجملها البوابة المطلة على الشمال التي تجمع بين الفخامة والأناقة. ويفسر الاهتمام الخاص بها لكونها كانت تقود المغادر للمدينة في اتجاه الفرات، وهي مزدانة بالزخارف المنحوتة. تتألف واجهتها من انسياب ثلاثة أقواس فوق أعمدة تعلوها تيجان كورنثية الطراز، ويحيط بالباب المتوسط إطار على شكل قولبة جميلة عرضه 60 سم وتتوسط ساكفه قطعة منحوتة على شكل زهرة بارزة.

وعمائر الرصافة جميعها مشيدة بحجارة من الجص الطبيعي، ناصعة البياض تتلألأ في ضوء القمر ليلاً، وتعكس أشعة الشمس نهاراً. كانت الحجارة تأتي إليها من مقالع حجرية تقع إلى الشمال من المدينة، وتذكر بعض المراجع أن الحجر كان يشبه الرخام لكنه ضعيف ومتشقق، فهو متبلر (متبلور) لكنه غير ناضج وفيه جيوب وسريع الانحلال بمياه الأمطار.

كاتدرائية سيرجيوس

ومن أهم الأطلال داخل المدينة، الكاتدرائية الكبرى التي سُمّيت على اسم القديس سيرجيوس ويقال إنها تضم رفاته، وقد ظهرت فيها كتابة تأسيسية على الفسيفساء تذكر أن البناء شُيّد عام 556 بعد الميلاد، وهي تتموضع في الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة، مؤلفة من ثلاث أروقة وردهة في الأمام، وفي ضلعها الشرقي حنية نصف مستديرة مخصصة لقدس الأقداس، وفي وسطها ترتفع منصة حجرية يطلق عليها اسم "البيما" وهي مخصصة للكهنة في الوعظ وترديد التراتيل.

كان الرواق الأوسط مغطى بسقف زجاجي، أما الرواقان الجانبيان والردهة الأمامية، فيغطيها سقف مائل، يخترق الكنيسة صفان من الأقواس المحمولة على أعمدة وتيجان، وهما يقسمان داخل الكنيسة إلى ثلاثة أروقة أو أقسام. يلج النور إلى باطن الكنيسة عبر نوافذ لها أقواس نصف مستديرة، تخترق الأجزاء العلوية لجداري الرواق الأوسط، علماً أن الرواق الأوسط يتعالى في ارتفاعه على مستوى الرواقين الجانبيين.

وقريباً من كنيسة سيرجيوس، تظهر أطلال كنيسة ثانية تعرف اصطلاحاً باسم "الكنيسة" فقط، ويعتقد أنها تعود إلى منتصف القرن السادس بعد الميلاد، وربما تعود إلى هذا التاريخ ذاته أطلال "كنيسة الشهداء" المتميزة بزخارفها المنحوتة بشكل مفرط والمتموضعة قريباً من بوابة الشمال.

رجاء مستجاب

اكتسبت الرصافة أهمية خاصة وجذبت الاهتمام إثر حادثة وقعت أيام الإمبراطور ديوقليسيان، إذ يُحكى أن السلطات الرومانية نفذت حكم الإعدام عام 305 للميلاد بالضابط السوري "سركيس" أو سيرجيوس، بسبب تمسكه بالدين المسيحي.

وتذكر الروايات أن سركيس رفض تقديم الأضاحي للإله جوبيتر (ملك الآلهة في الأساطير الرومانية القديمة)، فكان جزاؤه العذاب والموت في ذلك المكان. ومنذئذ، ذاع صيت هذا الضابط وصار الناس يحجّون إلى قبره في موقع الرصافة، كما يشاع أن الحجاج لاحظوا استجابة القديس للرجاء، فصار الناس يتهافتون إلى زيارة قبره من كل مكان.

وعُثر في الرصافة على مجموعة مهمة من القطع الفنية الكنسية، أهمها أوانٍ ذهبية تتألف من كؤوس وحواجل للزيت، وتذكارات للتبرك ورسوم جدارية في الدياميس (غرف مظلمة تحت الأرض)، التي تعود بمعظمها إلى القرنين الثاني والثالث ميلادي.

المزيد من سياحة و سفر