القلق يخيم على قطاع الأعمال في هونغ كونغ مع تواصل الاحتجاجات

المستعمرة البريطانية السابقة تتمسك بميزة استقلالها القضائي عن الصين

في غضون 4 أشهر، نجحت كاري لام، رئيسة الإدارة التنفيذية في هونغ كونغ، المدعومة من بكين، في تحقيق إجماع ضدّها من خلال طرحها مشروع قانون تسليم المطلوبين إلى الصين. وكان احتجاج الأحد الماضي هو الأكبر من نوعه، بحشد قدّره المنظمون بنحو مليوني شخص في المدينة التي يقطنها 7 ملايين شخص. وعلى الرغم من أن "لام" علّقت المشروع، بقي المحتجون في الشوارع وطالبوها بالاستقالة. وفيما انضمت إلى حركة الاحتجاج قوى فاعلة كالمحامين والنقابات، أعرب مجتمع الأعمال، الذي يتردّد عادة في معارضة بكين بسبب علاقاته الاقتصادية معها، عن قلقه بصورة معلنة.

أهم المزايا

وقد تخوّف مديرو الشركات في هونغ كونغ، سواء كانوا محليين أو أجانب، من التأثير السلبي للقانون على الأعمال، لناحية تراجع جاذبية المدينة للشركات متعددة الجنسية. وتخوفوا من أن يدمر نصه إحدى أهم المزايا التنافسية الرئيسة، وهي استقلال نظامها القضائي. وقد عكست غرفة التجارة الأميركية في المدينة ذلك، عندما طالبت السلطات الصينية بسحب هذا القانون أو تأجيله "كيلا تفقد المقاطعة الثقة التجارية التي باتت على المحكّ، ولتبقى مركزاً تجارياً دولياً رائدا". ولا ينحصر السخط على الشركات متعددة الجنسية فحسب، بل توقفت أكثر من 100 شركة تجارية محلية عن العمل تضامناً مع المتظاهرين.

وقال أحد التجّار إن "كثيراً من الناس يستثمرون عندنا، ونحن محكومون بسيادة القانون، ولدينا سجل جيد فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وأخشى من أنه في حال إقرار قانون تسليم المطلوبين، فإن المستثمرين سيغادرون".

شبح القانون

الباحث الاقتصادي محمد رمضان رأى أن مخاوف الشركات المحلية والأجنبية في هونغ كونغ مبررة. وقال لـ"إندبندنت عربية" إن "إرجاء القانون من قبل السلطات غير كافٍ، فبمجرد أن يكون القانون موجوداً فهذا مخيف بحدّ ذاته، لأنه يمكن وضعه قيد التنفيذ في أي لحظة"، وأضاف أن "سكان المدينة لا يثقون في نزاهة النظام القضائي الصيني أو عدالته". وتساءل عمّا إذا المركز المالي للمدينة ما زال مهماً للصين، ويوضح أن "بكين استفادت سابقاً منه فيما يتعلق بأخذ التكنولوجيا المتطورة، لكن فيما بعد أصبحت الفائدة أقل والمضار أكبر، ولا سيما في الجانب السياسي والهامش الكبير للحريات والقوانين المختلفة. وفي رأيي أن الصين لن تتخلى عن دمج هونغ كونغ وتجعلها كباقي المدن الأخرى لديها".

وتوقع رمضان، في ظل الحرب التجارية بين بكين والولايات المتحدة وسعي الرئيس الصيني إلى إحياء مبادرته "الحزام والطريق"، أن "لا يضغط في الوقت الراهن كثيراً على هونغ كونغ، لكن ذلك لا يمنع أن يكون هناك ضغط كبير وقوي في المستقبل. فسكان المقاطعة يعتبرون أن إرجاء القانون ليس حلاً، وهم مقتنعون بأن بكين تنتظر اللحظة التي تنقضّ فيها عليهم".   

اضطراب مالي

وتسبّبت المخاوف من فقدان ثقة المستثمرين والتباطؤ في النشاط التجاري، في انخفاض بورصة هونغ كونغ بنسبة 2٪ أيام  الإضراب، ولا سيما الأربعاء والأحد الماضيين. وفي وقت نُظمت تظاهرات بالقرب من ناطحات المركز المالي، التي تضمّ بعض أكبر الشركات العالمية، أوقفت بنوك عدة العمل في مكاتبها هناك. وانضم إلى الإضراب أصحاب متاجر ومدرّسون وممرّضون وعاملون اجتماعيون. ودعا "اتّحاد سائقي الحافلات" أعضاءه إلى إدارة عجلة القيادة ببطء شديد في شوارع المدينة للتأثير على حركة المرور. وقال أحد قادة اتحاد النقابات العمالية إنه شجّع أعضاءه البالغ عددهم 190 ألفاً على مساندة الحركات الاحتجاجية والإضراب. لكن صوت الأبرشية الكاثوليكية في المدينة كان الأقوى، حيث دعت السلطات "على عجل" إلى عدم اعتماد القانون، طالبةً من جميع المسيحيين أن يصلوا للمدينة. وشكّل ذلك ضربة لـ"كاري لام"، الكاثوليكية الملتزمة التي وجدت نفسها معزولة ضمن طائفتها.

أغنى المناطق

وتُعدّ هونغ كونغ من أغنى مناطق العالم، وفق "صندوق النقد الدولي"، وتحلّ في المرتبة الحادية عشرة بعد سويسرا مباشرة. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 61.015 دولار في العام 2017. وقُدر نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في العام 2018 بنسبة 3.8٪، ومعدل البطالة بنسبة 2.6٪. وهذه السنة، تصدّرت المرتبة الأولى في المؤشر العالمي للحرية الاقتصادية، وهو تصنيف وضعته "مؤسسة التراث"، التي تأخذ في الاعتبار حرية المؤسسة والتجارة وثقل الضرائب في البلدان المعنية. ويتيح لها موقعها الجغرافي ووضعها الخاص الاستفادة اقتصادياً من الصين، بحيث تصدّر إليها أكثر من 55% من منتجاتها. وفي الاتجاه الآخر، تُقدر نسبة الواردات من الصين بنحو 44.8٪ من إجمالي واردات هونغ كونع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير الباحث الاقتصادي محمد رمضان إلى أنه "إذا كان هناك إرادة صينية في تهميش هونغ كونغ أو التقليل من مكانتها المالية، فلا بدّ من التصادم معها". واعتبر أن "انعكاس الأزمة على الصادرات والواردات بين الجانبين، سيضرّ بهونغ كونغ أكثر من بكين التي تتمتع باقتصاد عملاق. وهذا ما بدا واضحاً من خلال تصرفات الحكومة الصينية التي تعتبر أولويتها الآن إخضاع المدينة وجعلها متجانسة مع قوانينها بغية ضمها في النهاية. بمعنى أنها مستعدة للتضحية بالمركز المالي لهونغ كونغ".

دولة ونظامان

وكانت هونغ كونغ مسرحاً لاضطرابات سياسية مكثفة خلال العقد الماضي، ويُعزى ذلك جزئياً إلى القلق الذي أحدثه تدخل الصين في شؤونها الداخلية. ففي العام 2014، شلّ مئات آلاف المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية المدينة لأكثر من شهرين، مطالبين بانتخاب رئيس الحكومة المحلية بالاقتراع العام، من دون حصولهم على أي تنازلات من بكين. وأطلق على الحركة اسم "مظلات التمرّد"، في إشارة إلى المظلات التي استخدمها المتظاهرون لحماية أنفسهم من غاز الشرطة.

وكانت المقاطعة قد انتقلت منذ العام 1997، بعد نحو قرن ونصف من الحكم البريطاني، إلى وضع "المنطقة الإدارية الخاصة" تحت السيادة الصينية. وأعطيت شبه حكم ذاتي وحافظت على عملتها الخاصة، وتتمتع بحريات لا وجود لها في الصين، أقله من الناحية النظرية حتى السنة 2047. ومع ذلك، ليس لديها الاستقلال في قضايا الدفاع والدبلوماسية. وهذه الحالة "المختلطة" هي نتيجة اتفاقية العام 1984 بين المملكة المتحدة التي وضعتها مارغريت تاتشر ودينغ تشياو بينغ، على قاعدة "دولة واحدة بنظامين".

كثافة سكانية

هونغ كونغ هي عبارة عن أرخبيل يتكون من أكثر من 200 جزيرة. وتُعد من أكثر المناطق ذات الكثافة السكانية في العالم (6830 نسمة في الكيلومتر المربع). ويتراكم أكثر من 7.3 مليون نسمة في مساحة 1092 كيلومتراً مربعا، علماً بأن خُمس المناطق فيها فقط قابل للبناء. ومنذ أن أعادتها بريطانيا إلى الصين في العام 1997، انتقل ما يقدر بمليون شخص من جمهورية الصين الشعبية إليها، وباتوا يمثلون سُبع مجموع السكان. إضافة إلى ذلك، ما زال يوجد في المدينة نحو 34 ألف مواطن بريطاني.

المزيد من اقتصاد