أنا ووالدي وكرة القدم: كيف أصبح الملعب فضاءً عاطفيا لنا

بسبب الحالة المؤسفة للذكورية، وفّرت الرياضة واحدة من الفضاءات القليلة التي يمكننا التواصل من خلالها. فمثل كثيرين آخرين، عندما خانتنا الكلمات كانت هناك كرة القدم لرأب الصدع بيننا

صورة تجمع روبرت كازاندجيان عندما كان طفلا مع والده (روبرت كازاندجيان)

قبل أن يسرق الخرف ذكريات والدي، كان يروي عني حكايات طويلة، من قبيل كيف كان يؤرجح قدمي اليسرى لركل الكرة بمجرد أن أصبحت قادرا على الوقوف، أو كيف تطور تبادل الكرات معه بمقدمة القدم على عشب حديقتنا غير المرتب، إلى تدوير الكرات مع الأصدقاء في الحديقة.

تقدمت من هناك للانضمام إلى إحدى الفرق، مقتنعا تماما بموهبتي المبكرة؛ كان مُقدرا لي أن أكون الملك (إيريك) كانتونا المقبل الذي يركل على طريقة "الكونغفو". (يشار إلى أن نجم مانشستر يونايتد السابق كانتونا عام 1995 وجه ركلة لأحد المشجعين على طريقة لاعبي "الكونغ فو"، بعدما شتمه)

كان والدي يرافقني إلى مبارياتي في رحلات مكوكية عبر شمال لندن كل صباح في نهاية الأسبوع لمرات غير معدودات، متحدّيا الرياح العاصفة وهطول الأمطار البريطانية الغزيرة للقيام بدوريات على خط التماس مثل حرس الحدود.

كان صراخه القوي الذي يمزج بين النقد والثناء يقرع في أذنَيَّ بينما كنت أبذل قصارى جهدي من أجل الفريق، والأهم لإثارة إعجابه بالانضمام إلى حشد آخر من الأولاد والتحليق حول الملعب مثل دبور غاضب.

لم يكن الرجل المسن فريدًا من ناحية وجوده في الملعب، حيث أن مبارياتنا كانت تعج بالآباء الذين أفرطوا في تعليق آمالهم على أبنائهم، وبضع أمهات متفرقات يبذلن قصارى جهدهن لتشجيعنا نحو النصر بصيحاتهن "العب الكرة السهلة" وتقديم إرشادات تكتيكية غير مفهومة وتوجيه الشتائم إلى الحكم.

مع بلوغي سن 16، أدركت أن كشافة المواهب للأندية الاحترافية لم يتعلرفوا على العظمة عندما حدّقت في وجوههم، لذا بدأت بلعب كرة القدم مع الكبار في فريق الدوري المحلي الذي يُنظم يوم الأحد مع مجموعة من الشباب المتشابهين في التفكير.

لقد بقيت محاصرا في عذاب المرحلة بين الطفولة والنضج، اتخذ الخيارات المحفوفة بالمخاطر التي يتخذها عادة أبناء الطبقة العاملة، وألعب دور الرجل السيء للغاية. كان آخر شيء أرغب فيه هو حضور أبي المفاجئ إحدى مبارياتي.

لكنه كان يحضُر كل صباح يوم أحد دون انقطاع رغم أني أخبرته ألا يكلّف نفسه عناء المجيء. حتى عندما أكون خارج البيت طوال الليل، أتسكع على الطرقات بلا وعي تحت تأثير المخدرات ثم أنسى أن أرسل له رسالة نصية لأخبره أين كنا سنلعب، لكنه كان يحضر. لقد كان يجول على جميع الأماكن التي نتطلق فيها المباريات، ثم يخرج من سيارته عندما يرانا بألواننا ونحن نُجري حركات إحمائية.

 

واليوم يظل والدي العجوز واقفا وحيدا في تأييده لي، وقد انصرف الآباء الأخرون بإيماءاتهم التي تشبه إيماءات كلوب وتشدقاتهم المقرونة بالبذاءة. كان هناك وحيدا.

أغاضني وجوده هناك في البداية، لكنني سرعان ما قبلت أن الفتيان ثمنوا حقيقة وجوده هناك. كانت طاقته الإيجابية معدية، وإذا اتجهت الأمور نحو الهزيمة، كان يقدم خطابات تحفيزية عظيمة في وقت الاستراحة.

كان يمنحنا الثقة في النفس عندما قد لا نثق في أنفسنا بما فيه الكفاية سواء في الرياضة أو في الحياة.

كان التوجيه الذي يمنحني والدي إياه يتجاوز رقعة كرة القدم. فعندما يواجه مهاجمنا حارس مرمى الخصم، تلوح مخاطر تحول مباراة حامية الوطيس إلى شجار شامل يمكن أن تكون عواقبه كارثية في النهاية.

كان والدي يتدخل ويضع ذراع الحماية حوله ويقضي بضع دقائق يتحدث إلى مهاجمنا الذي يعتذر بعد ذلك للرجل الذي لكمه. فالشيء الذي كان من الممكن أن يسوء تحسن فجأة.

لم أجد نفسي أبدا مجبرا على مشاهدة أبي في عمله يدرس الرياضيات أو التربية البدنية في المدرسة الثانوية، لكنني بدأت أدرك ذلك الذي جعله ينال احترام الفتيان اليافعين الذين كان يعمل معهم.

عقب انتهاء المباريات التي ألعبها، كنا نجلس على الأريكة لمشاهدة سوبر سانداي وتحليل مباريات الكرة التي جرت في ذلك الصباح. كنت دائما مندهشا من ذلك القدر الهائل من التعليقات التي كان يقولها والدي عن زملائي في الفريق.

في البداية، كان ذلك يخدش كبريائي قليلا. "لماذا لا تنتبه لي؟" بعد ذلك فهمتالقصة؛ لم يكن هناك لمجرد  مشاهدة ابنه يلعب، كان هناك من أجلنا جميعا. كنا جميعا شبابا عنيدين لمستويات متعددة. كنا محتاجين إليه وكان هو يعرف ذلك. 

فكلما أطمَأن على زملائي القدامى في الفريق على الأنترنت، أو عندما نلتقي صدفة في الشارع، كان أول شيء يسألون عنه هو كيف حال أبي.

فبسبب مرضه، تكون ذكرياته في أحسن أحوالها عن تلك الفترة من حياتنا ضبابية وفي بعض الأحيان منعدمة تماما.

ولكن إذا طرحتُ عليه الأسئلة الصحيحة، يمكنه مع ذلك تذكر بعض اللحظات الخاصة مثل نيل وهو يركض على طول الملعب قبل أن يسجل هدفا تحت العارضة مباشرة، أو تسجيل أي- جاي (A-Jay) ضربة جزاء في الدقيقة الأخيرة في نصف نهائي الكأس ضد خصمنا العتيد، والمجموعة المجنونة التي تتبعه. وكان غالبا ما يقول عن الفتيان الذين تشرفت باللعب معهم: "كلهم أبنائي".

كانت كرة القدم للكثير من أمثالنا جسرا قيما بيني وبين والدي العجوز. كان ذلك الجسر يوفر واحدا من تلك الفضاءات القليلة التي كان بإمكاننا أن نتواصل من خلالها عاطفيا.

أعتقد أن هذا يخبرنا عن الحالة الذكورية المؤسفة أكثر من علاقتنا.  أظن أن وجوده هناك، أسبوعا بعد أسبوع، فصلا بعد فصل، كان طريقته ليقول لي أنه كان يحبني. وعندما أكتب له هذه القصة اليوم، بعد السطر الأخير، سأقول له أنني أحبه كذلك.

© The Independent

المزيد من آراء