Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أحوج "كان" الأعرق عالميا إلى مزيد من التكنولوجيا

جوائز لا يرضى عنها النقد وأفلام افتتاح غير مقنعة وإصرار على تجاهل "نتفليكس"

زحمة الصحافيين مشكلة في "كان" (الخدمة الإعلامية)

تحديات كثيرة يواجهها مهرجان "كان" السينمائي في ضوء الراهن والتحولات التي يشهدها، وفي ظل الجديد الذي يخاصم القديم. صحيح أن المهرجان الفرنسي المنعقد في شهر مايو (أيار) من كل عام، والمستمر منذ عام 1946، لا يزال معبد الفن السابع، ولكن البقاء في الطليعة والحفاظ على هذا الموقع يحتاجان إلى عمل متواصل وجهود مستمرة، وأيضاً إلى  مزيد من التفاعل مع الواقع الذي يشهد تطوراً غير مسبوق في عصر التكنولوجيا. غداة اختتام الدورة الخامسة والسبعين وتوزيع الجوائز التي لم يرض عنها كثير من النقاد، لا بد من الإشارة إلى بعض المسائل مما بات يثير التململ أو القلق، وربما حان الوقت للحديث عنها، علماً أننا نفهم جيداً أن الكلام سهل عندما لا يكون الإنسان داخل إدارة أعظم حدث سينمائي في العالم، مع ما يعني ذلك من صعوبات لا يتخيلها العقل في التنسيق بين ما هو مالي وتجاري وتسويقي من جانب، وما هو فني وجمالي وثقافي من جانب آخر.

معضلة فيلم الافتتاح

أول الانتقادات الموجهة إلى "كان"، التي هي دائماً في محلها: فيلم الافتتاح. الدورة المنتهية للتو افتُتحت بعمل (اقطعوا! لميشال أزانافيسيوس) وأقل ما يقال فيه إنه بائس سينمائياً، وإن كان من إنجاز سينمائي محترم سبق أن أتحفنا بـ”الفنان”، وفاز عنه يومها بالـ"أوسكار". لكن جديده مقزز، فارغ، تعيس. عمل لا يليق باسم مهرجان كان وتاريخه المجيد. فيلم الافتتاح واجهة المهرجان، ومع ذلك نفهم أن يتم اختيار أعمال جماهيرية لأسماء مكرسة ومواضيع تهم أكبر عدد، لكن هذا لا يعني أنه يجب النبش في سلة المهملات. في أي حال، هذه ليست المرة الأولى يفتتح فيها "كان" بفيلم دون المستوى. قبل 16 عاماً، جرى الافتتاح بـ"شيفرة دا فينتشي" الذي أثار زوبعة من الانتقادات لمستواه السيئ فنياً. ومذ ذاك من سيئ إلى أسوأ، مع أفلام مثل "غريس دو موناكو"، أو "غاتسبي العظيم"، أو "الرأس مرفوعاً". حتى جيم جارموش عرض واحداً من أسوأ أعماله، "الميت لا يموت"، في افتتاح "كان" قبل ثلاث سنوات. بأفلام لا تشرف الفن السابع، يفتتح "كان" منذ بضع سنوات، خلافاً لتاريخه العريق الذي شهد افتتاحيات مع أفلام كبيرة مثل "أحلام" لكوروساوا أو "هير" لميلوش فورمان أو "أماركورد" لفيلليني. 

إلى متى "لا لنتفليكس"؟

مقاطعة "نتفليكس" لا تزال تلقي بظلالها على كان، وإن على نحو أقل من السابق. القانون الداخلي للمهرجان يفرض على أفلام المسابقة أن تعرض في الصالات. وهذا منطقي، لأنه لا يمكن لفيلم نال أهم جائزة سينمائية في العالم أو مرشح لها أن يعرض فقط على منصة إلكترونية للبث التدفقي. فهذا شيء مضحك ولا يقبله عقل. وكما نعلم، فإن فرنسا من خلال قوانينها الصارمة وما يسمى"كرونولوجيا الميديا"، وحرصها الشديد على الدفاع عن المشاهدة الجماعية، هي آخر حصن منيع أمام الغزو المنصاتي للسينما. لماذا "الآخر"؟ لأن مهرجان البندقية تجاوز المشكلة ولا يعير أهمية كبيرة لها، على الرغم من بعض الأصوات المعترضة، لا بل نال "روما" لألفونسو كوران الممول من "نتفليكس" "الأسد الذهبي" قبل 4 أعوام. لكن السؤال: ماذا لو زاد الاعتماد على هذه المنصات؟ وماذا إذا انتقلت السينما كلها إلى المنصات؟ سينمائيون كبار مثل سكورسيزي لجأوا إلى "نتفليكس" وأخواتها لتمويل أعمالهم التي رفضتها الاستوديوات الكبيرة. هل يمكن لـ"كان" أن يغمض عينيه تجاه هذا الواقع الجديد الذي سيسحب البساط من تحت أقدام الصالات عاجلاً أم آجلاً؟

سينما فرنسية أو بأموال فرنسية

يأخذ بعضهم على المهرجان ضم كثير من الأفلام الفرنسية أو الممولة جزئياً بأموال فرنسية إلى البرنامج، وهذا صحيح، لكن ينسى المنتقدون أن الفرنسيين هم أرباب سينما المؤلف، وعدد لا يحصى من أفلام دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، هو نتيجة الإنتاج المشترك مع فرنسا. إذاً، القول إن المهرجان يغرق تحت وطأة أفلام شركات الإنتاج الفرنسية، وهو (المهرجان) ما عاد دولياً بل  أصبح محلياً، هو قول نصف الحقيقة والنظر بعين واحدة. تكمن المشكلة في اختيار أفلام سيئة، فقط لأنها فرنسية، ولكن هذا يحتاج إلى دليل لا نملكه. هل هناك فعلاً في إدارة أعظم حدث سينمائي في العالم مَن قد يختار فيلماً فرنسياً ضعيفاً لأسباب شوفينية؟ في المقابل، ماذا عن سطوة شركات التوزيع الفرنسية؟ إلى أي مدى لديها تأثير في تشكيل برنامج "كان"؟ أسئلة لا أحد يمكنه الرد عليها بجواب حاسم، وكل ما قد يقال في هذا الشأن عبارة عن تحليلات واستنتاجات.  

حجز التذاكر  

نأتي إلى مسألة حجز التذاكر التي أغضبت كثيرين من المشاركين في مهرجان "كان" هذا العام. سابقاً، لم نكن نحتاج إلى حجز مسبق، كل ما كان علينا أن نفعله هو التوجه إلى الفيلم فندخله بالبادج. صار الحجز إلزامياً منذ العام الماضي. إلا أن الصفحة التي كنا نحجز عليها، كانت تعاني من خلل تقني ولم تكن تعمل بشكل طبيعي في الأيام الأولى. ناهيك أن الحجز وإن بلا مشكلات، يعيق عمل الصحافيين، إذ يطلب منهم أن يعلموا أي أفلام سيشاهدونها قبل أربعة أيام من دون أي اعتبار للتغييرات التي قد تطرأ على جدول أعمالهم. هذا علاوة على أنه من المفروض النهوض في الساعة السابعة صباحاً (موعد افتتاح شباك التذاكر الإلكتروني) كي يتسنى لنا الحجز، وإلا تنفد البطاقات في غضون دقائق. هذا إضافة إلى تفاصيل كثيرة اختبرناها وتشير إلى أن النظام السابق المعمول به الذي كان يضمن كرسياً لمَن يسبق غيره في القدوم، كان الأفضل والأكثر فعاليةً. أخيراً، فإن هذا النظام الذي ابتُكر العام الماضي، للحد من الزحمة والاختلاط على أبواب الصالات، في زمن تفشي وباء كورونا، ما عاد له مبرر، خصوصاً أنه أثبت أنه لا يخفف من نسبة الانتظار في الطوابير، بالتالي الاحتكاك والتدافع.  

نهاية عهد تييري فريمو؟ 

هناك بعض التململ من بعض الأوساط من المدير الفني والمفوض العام تييري فريمو وخياراته، والنحو الذي يدير به كل شيء داخل المهرجان، وقد بدأ يتزايد في السنوات القليلة الماضية. الرجل (60 سنة) في منصبه منذ نحو عقدين، وبعضهم يرى أنه آن الآوان لاستبداله. فبعض الفوضى (لكن في نطاق محدود طبعاً) الذي شهده المهرجان هذا العام، قد يتم توظيفه للمطالبة برحيله، علماً أن رئيسة جديدة هي إيريس كنوبلوك انتُخبت قبل الدورة الأخيرة وستتولى الرئاسة بدءاً من العام المقبل. في المقابل، علينا أن نسأل ماذا قد يتغير عند رحيل شخص مثله، ما عدا بعض المسائل الإدارية التي لا قيمة لها؟ فالأشياء كلها صارت معلبة، والتغيير ما عاد يتوقف على الأفراد. 

لجان تحكيم بلا نقاد

لجان التحكيم في "كان" تتضمن أسماء ليس كلها من أهل الخبرة والذوق الرفيع في مجال السينما. تستعين الإدارة ببعض النجوم والمشاهير للترويج، وهذا ينعكس سلباً في الجوائز أحياناً. فنرى أفلاماً لا تستحق أن تنال أرفع الجوائز وقد تم الرفع من شأنها. إلى اليوم، لم يأتِ "كان" بنقاد سينما إلى لجنة التحكيم إلا في ما ندر، مع العلم أن هؤلاء هم أكثر مَن يفقهون بالسينما، وعلى الرغم من ذلك يصر المهرجان على الوجوه المعروفة لاستقطاب اهتمام الإعلام والجمهور. متى تدرك الإدارة أخيراً، بعد سنوات من الإجحاف، أن على اللجنة أن تضم نقاداً كرسوا حياتهم في سبيل السينما، أقله لخلق بعض التوازنات؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أغلب الظن أن السينما، فناً أو صالة، تخسر المكان الذي كانت تشغله سابقاً، شأنها شأن المهرجانات التي صنعت أسماء كبيرة باتت جزءاً من ذاكرتنا الجماعية. مع تطور أساليب العرض والطرق التي يصل فيها الفيلم إلى الجمهور، سيتغير معه كثير من التقاليد والأعراف التي كانت سائدة في عالم المهرجانات. ولن نكون شديدي التشاؤم كحال البعض الذي يتنبأ بانقراض المهرجانات، ذلك أن البشر في حاجة ماسة إلى أن يلتقوا بعضاً ببعض، داخل صروح ثقافية تذكرهم بماضيهم وتضعهم في قلب الحدث وتحول المشاهدة العادية إلى احتفالية. لكن في المقابل، وكما كتب دي لامبيدوزا جملته الشهيرة، "على كل شيء أن يتغير كي لا يتغير شيء".

 

المزيد من سينما