Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي مسارات مطروحة للعلاقات العربية - الأميركية؟

يجب أن تكون هناك وقفة عربية مع إدارة بايدن تعتمد مبدأ الواقعية المباشرة والمصالح المتبادلة بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ ف ب)

على الرغم من زيارات بعض المسؤولين الأميركيين، التي كان على رأسها مستشار الأمن القومي جاك سوليفان، ومن قبل عدد من الوفود الأميركية التابعة للكونغرس، فإن العلاقات بين العواصم العربية الكبرى وواشنطن لا تزال بين شد وجذب، لا علاقة له فقط بحالة عدم الاستقرار في مسارات العلاقات، ودخول البعد الاستراتيجي في اتجاهات العلاقات، بخاصة مع الحديث عن دور بعض الدول المرتقب مثل القاهرة والرياض وعمان في جملة من الملفات الثنائية والمتعددة الأطراف، وهو ما يحتاج إلى مراجعة حقيقية لما ستمضي في إطاره العلاقات بين البلدين، بخاصة مع استمرار الاضطراب في الإقليم بأكمله.

اجتماع بايدن

إن إعلان الإدارة الأميركية بأن الرئيس الأميركي سيزور إسرائيل، وسيلتقي بعض القادة العرب سيطرح مقاربة خاصة في موقع الاجتماع وبرنامج طرحه، وما الذي تريده الإدارة الأميركية من بعض الدول العربية، ومن مصر تحديداً، في ظل حالة الخلاف الكبير حول بعض التفاصيل التي يمكن أن تفسرها حالة التباين في العلاقات، بخاصة العسكرية، وهو ما سيرتب رؤية لمصر في المشاركة في مثل هذه القمة، التي قد تكون في العقبة أو النقب أو شرم الشيخ، حيث تريد القاهرة أن تكون على أراضيها، وفي ظل رؤية واضحة تؤكد عمق العلاقات بين واشنطن والقاهرة، على الرغم من أن الرئيس جو بايدن لم يلتق بعد نظيره المصري عبد الفتاح السيسي.

وتواصلت اللقاءات المصرية الأميركية في القاهرة وواشنطن، فعلى سبيل المثال شاركت وزيرة التعاون الدكتورة رانيا المشاط، في احتفالية مئوية تدشين العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة، التي استضافها السفير معتز زهران، سفير مصر لدى الولايات المتحدة، في واشنطن، على هامش فعاليات اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، كما عقد وزير الخارجية المصري سامح شكري حواراً استراتيجياً في واشنطن حول القضايا المشتركة، وبلغ إجمالي الاستثمارات الأميركية في مصر التراكمية 24 مليار دولار بحلول العام الحالي، في مجال الطاقة والبتروكيماويات والبنية الأساسية والسياحة والزراعة والصناعة، كما بلغت استثمارات أميركا في مصر 9 مليارات دولار.

وتجدر الإشارة إلى أهمية اتفاقية تشجيع التجارة والاستثمار في مصر "تايب"، المنفذة مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي تعمل على تحفيز مشاركة القطاع الخاص في التنمية من خلال برامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، وغيرها من البرامج.

تتحرك مصر ودول عربية وازنة، منها السعودية والإمارات، انطلاقاً من مؤشرات راهنة ومحتملة بأن الرئيس جو بايدن قد لا يُنتخب لولاية ثانية لظروف العمر وصحته، ولاعتبارات تتعلق بأدائه السياسي، وهو ما سيدفع دولاً كبرى إقليمية لإعادة ترتيب حساباتها مع هذا الرئيس الذي ما زال يضع الشرق الأوسط في مرتبة متدنية، ولا يهتم بالمنطقة إلا من منظور إسرائيلي وأمن إسرائيل أولاً، وهو ما قد يكون له حسابات مهمة لدولة كبيرة إقليمياً، مثل السعودية، ومحاولة نقل رسائل بليغة لهذه الإدارة، الأمر الذي يعني أن بعض الدول العربية، إضافة إلى السعودية ومصر والإمارات، لها حساباتها الأخرى، التي قد لا تتفهمها إدارة بايدن، التي تتعامل من دون مقاربة واحدة أو موضوعية مع دول المنطقة، وفي ظل انحياز كامل لأمن إسرائيل، وهو ما يوتر أجواء العلاقات العربية الأميركية بصورة كبيرة، ومرشح لمزيد من التجاذب في الفترة المقبلة. بصرف النظر عن عقد قمة مع الرئيس بايدن في المنطقة أو زياراته إلى الرياض لحسم ملفات محددة.

موقف مرتبك

في ظل التحولات الراهنة عربياً والتطورات المفصلية المتوقعة في بنية النظام الدولي، فإن الإدارة الأميركية تعمل في اتجاه التأثير والضغط على الدول العربية لإعادة تعريف الشراكة العربية الأميركية، وهو ما سيتطلب من الإدارة الأميركية إعادة تعريف المصالح الكبرى للولايات المتحدة وكيفية الانتقال في العلاقات من مرحلة إلى أخرى، وهو أيضاً ما سيكون مدخلاً لنمط جديد في العلاقات الثنائية بين الإدارة الأميركية، وكل دولة على حدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا، مكمن الخطورة في هذا التوقيت، فليست المسألة فقط متعلقة بعقد قمة إقليمية مرتبطة بمناخ التطبيع الجاري عربياً وإسرائيلياً، إنما الأمر مرتبط بما يلي من تطورات تمس جوهر العلاقات العربية الأميركية وفشل الإدارة الأميركية في التأثير في المواقف العربية، بعد أن فقدت بعض الدول العربية ثقتها بالإدارة الأميركية الحالية بعد عجزها عن تقديم المنشود، ولو بصورة أولية، فلم تنقل الإدارة الأميركية سفارتها في القدس الشرقية، ولم توقف عنف الإرهاب الإسرائيلي في الضفة، ولم تدعم الموقف الخليجي تجاه ممارسات الميليشيات الحوثية، كما أنها اكتفت بالنظر من أعلى للمتطلبات الأمنية العربية في الخليج وخارجها، واكتفت بالمتابعة والمراقبة ليس أكثر، ولتبقي الاتصالات واللقاءات العربية الأميركية في إطارها، التي كان آخرها إتمام زيارات متعجلة إلى المنطقة، ومنها إلى مصر والسعودية تباعاً.

ترتيبات أمنية

وفقاً لحسابات أمنية بحتة ورجوعاً إلى بعض الأفكار التي سوقت لها الإدارة الأميركية في فترات معينة كان الطرح بالعمل وفق مقاربة ما يعرف بحلف "الناتو العربي"، ثم تجمع "ميسا" وكان وما زال الحديث عن ترتيبات أمنية واستراتيجية تعمل في الإقليم انطلاقاً من حسابات أميركية بحتة لا تزال محل نقاش عربي كبير في ظل ترتيبات ثنائية ومتعددة، وإقرار بدور إقليمي أمني لبعض الدول العربية، وهو ما طرح في توقيتات معينة، ومن ثم فإن الحديث الأميركي سيجري وفق رؤية أميركية محددة، ربما محل تحفظ محدد، وسيطرح ذلك في الفترة المقبلة، وبدليل ما تردد بشأن إعادة انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط وخارجها، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأميركية لا تزال تبحث وتتحرى موقفها من وجودها العسكري والاستراتيجي في المنطقة.

كما استمرت الولايات المتحدة الأميركية تناكف الدول العربية، منها مصر، بتأكيد مواقفها السياسية والاقتصادية في ضوء الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث جرى رفع 11 منظمة إرهابية وجماعة مسلحة وميليشات من قوائم الإرهاب. منها الحرس الثوري الإيراني، لكن الكارثة كانت رفع أميركا الجماعة الإسلامية في مصر من قوائم الإرهاب وتصنيفها كمنظمة مجتمع مدني.

اهتزاز الثقة

تشعر الدول العربية بأن الولايات المتحدة تتخلى عن دورها التقليدي كضامن لأمن الشرق الأوسط، وتقلل اهتمامها بتقييد نشاط الجهات المزعزعة للاستقرار، مثل إيران، طالما لا تتجاوز الخطوط الحمراء للمصالح الأميركية في المنطقة، لصالح إعادة توجيه سياستها الخارجية نحو التنافس مع الصين وروسيا.

ولعل رد الفعل الأميركي المتأخر على هجمات الطائرات من دون طيار والصواريخ الباليستية المتكررة ضد المدن والمنشآت النفطية الإماراتية والسعودية كاشف عن تغير الرؤية الأميركية بشأن طبيعة المهددات الإقليمية، ومستويات الانخراط المطلوبة لمجابهتها، كما أنه رسم التصورات الشرق أوسطية لحدود الشراكة والتعاون المستقبلي مع الولايات المتحدة، وقيادات الدول الرئيسة في المنطقة للشعور بالانكشاف الاستراتيجي وفقدان الثقة في الشراكة الأمنية الأميركية، وتعزيز توجه الاعتماد على الذات، وتبني مسارات مستقلة بعيداً من الولايات المتحدة.

في إطار ما يجري من تحولات سياسية واستراتيجية في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة ستستمر في بناء شراكة عربية أميركية من جانب ومصرية أميركية من جانب آخر، وبدليل أن القاهرة استمرت في بناء شراكتها السياسية والاستراتيجية مع واشنطن سواء في مجال التعاون الاستراتيجي، منها مناورات النجم الساطع، التي ضمت أخيراً 21 دولة في المناورات الأخيرة، ومتابعة ما يجري في تطوير منظومة اتفاقية "الكويز" التي تضم مصر وإسرائيل والولايات المتحدة.

وفي المقابل فإن الإدارة الأميركية تسعى لدور مصري حقيقي مباشر في قطاع غزة، لتأمين استقرار التهدئة بين إسرائيل وحركة "حماس"، وهو ما يمكن أن يطور من الوجود المصري في أي ترتيبات أمنية في الشرق الأوسط، وليس في قطاع غزة.

الخلاصة الأخيرة

إذاً، هل يمكن أن تضع الإدارة الأميركية بوضعها الراهن أية ترتيبات أمنية جديدة تقبل بها الدول العربية المعنية؟ خصوصاً أن الدوائر الأميركية ترى أن الشرق الأوسط سيظل مصدراً للقلق والخطر، وأن على الولايات المتحدة الحذر مما سيجري سواء بالبحث عن مقاربة جديدة في التعامل تخوفاً مما هو مقبل، ومن سيناريو الاتجاه شرقاً والانتقال بالعلاقات إلى مساحات أخرى، بخاصة أن استمرار التهديدات الأمنية للسياسات الأميركية قائم ومستمر في ظل دخول الطرف الروسي على الخط لمحاولة التقارب، واستثمار ما يجري في نمط العلاقات الدول العربية وواشنطن، بعد أن جرى إغلاق القواعد الأميركية، ونقل الطائرات، وإعادة نشر القوات، وتقليل الوجود العسكري الشامل في المنطقة، وذلك بينما تواصل إيران تعزيز برامجها النووية، وأنظمة الصواريخ الباليستية، وتستخدم شبكة وكلائها لمهاجمة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

لذا، فإنه مع انخفاض الموارد المتاحة للقادة الأميركيين في المنطقة، يجب اتخاذ مزيد من التدابير لمواجهة التهديدات العسكرية. فهل ستكون هناك وقفة عربية مع إدارة الرئيس جو بايدن تعتمد مبدأ الواقعية المباشرة والمصالح المتبادلة بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة مع إدارة غير ملمة بكل ما يجري في الإقليم من تطورات مفصلية؟

المزيد من تحلیل