Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حراك لا يهدأ وجدل لإصلاح منظومة التعليم في السعودية

أكاديميون يرون تطورات متجددة في الخطط والسياسات والاستراتيجيات لكن ما هي ضمانات نجاح التغيير؟

برامج التعليم يفترض ألا تحددها مؤسسات التعليم وإنما حاجات السوق (واس)

 


يشهد قطاع التعليم في السعودية حراكاً على أبعاد متنوعة ترتبط بسياساته وأنظمته واستراتيجياته ومناهجه، لمواكبة الحراك الكبير الذي تشهده البلاد في السنوات الأخيرة بمراجعة وتطوير العديد من الأنظمة، الداعمة لأهداف ومبادرات رؤيتها.

صناع القرار التعليمي اليوم يبذلون جهداً في وضع سياسات تعليمية على أسس عملية واضحة الأبعاد محددة المعالم، برهن عليها اعتماد مسودة نظام موحد للتعليم العام وإضافة مواد دراسية جديدة للمرة الأولى في تاريخ السعودية مثل "الموسيقى، والفلسفة" وإعادة تأهيل الكادر التعليمي تربوياً ومهنياً، وكذلك طُرحت مسارات جديدة لطلاب الثانوية وأٌضيف فصل جديد لنظام الفصول التعليمية لمواكبة أفضل التجارب العالمية.

وذكر وزير التعليم السعودي أن هذه التطورات ما هي إلا "المرحلة الأولى في رحلة عملية التطوير"، التي كان بين معالمها الترخيص لمدارس عالمية مثل البريطانية، ما كانت تجد بيئة ملائمة في البلاد، لأسباب ثقافية تتوجس من الآخر، في نظر العديد من المراقبين.

استقرار تشريعي للتعليم

وقد طرحت الوزارة في 16 مايو (أيار) استطلاعاً حول مشروع نظام موحد للتعليم العام جاء في عشرة فصول و82 مادة ليكون المرجعية التنظيمية لقطاع التعليم العام، ونقطة تحول في مسار القطاع الذي عانى خلال الفترات الماضية من حالة عدم استقرار تشريعي على مستوى الاستراتيجيات والقوانين والأنظمة والتعليمات وحتى القرارات، ويعتبر بعد إقراره أول نظام خاص للتعليم، فخلال السنوات الماضية لا يوجد سوى لوائح متفرقة هنا وهناك وقرارات صادرة من مجلس الوزراء.

وطرحت الوزارة المشروع للمهتمين للاستطلاع والنقد، وتم التأكيد في بنوده على أحقية ومجانية التعليم ويكون من سن الـ6 وحتى عُمر الـ15 إلزامياً، إذ جاءت مواد النظام موضحة وحامية لحقوق المعلم والطالب وواجبات كل منهما.

واستحدثت السعودية هذا النمط من التعاطي مع الأنظمة والقرارات في سياق نهج الإصلاحات الذي تتخذه منذ سنوات، فقبل إقرار العديد من الأنظمة يتم نشر مسودتها شبه النهائية على الجمهور، لأخذ ملاحظاتهم في الاعتبار، إلى جانب نقاشات مجلس الشورى لها.

واستبشر القطاع التعليمي بطرح نظام يحمي حقوق الجميع، وعد عماد الزهراني الدكتور في أصول التربية توحيد الوزارة للنظام "خطوة ايجابية خاصة إذا علمنا أن نظام التعليم في السعودية تحكمه وثيقة عمرها تقريباً 52 سنة مع ما مر به التعليم من تطورات". وأشار إلى أن النظام يعتبر "بوصلة للكيان التعليمي فإذا كانت مفقودة فقد التعليم الوجهة الصحيحة له"، وطالب المعلمين والتربويين والمشرفين المهتمين بتطوير التعليم المشاركة في الاستطلاع.

ولفت إلى المادة الثامنة من النظام التي نصت على إنشاء صندوق باسم "صندوق أوقاف التعليم العام"، يخصص له ما يرد إليه من عوائد الأوقاف لمصلحة التعليم العام ويصرف منه في الوجوه التي تخدم التعليم العام "مما سيسهم في تطوير العملية التعليمية وتحسينها دية سواء في دعم الأبحاث والمدارس، فالكثير من المدارس السعودية تفتقد العديد من التجهيزات سواء المعامل والمختبرات"، معتبراً أن هناك عدداً من رجال الأعمال والمؤسسات تريد أن تدعم، لكن ربما القنوات النظامية والقانونية لا تسمح بدعم المدارس الحكومية، إلا أن الصندوق سيحل المشكلة ويحدث نقلة كبيرة على الأرجح".

3 فصول تربك الجامعات

وأعلنت وزارة التعليم السعودية أن العام الدراسي المقبل سيبدأ في 28 أغسطس (آب) مع استمرار قرار الفصل الدراسي الثالث الذي طبق للمرة الأولى هذا العام  بهدف زيادة عدد الأيام الدراسية وعادة ما يقود أي قرار لإصلاح التعليم في السعودية المجتمع إلى جدل واسع، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو قطاع استراتيجي يمس شريحة كبيرة من المجتمع.

وكان السؤال الأكثر طرحاً هل نجحت تجربة الوزارة في تطبيق الفصول الثلاثة؟ وما الهدف منها؟ وكيف تستمر في التطبيق من دون تقييم النظام الذي طبق للمرة الأولى هذا العام؟  تضاربت الآراء بين من رفضه ويراه عبئاً إضافياً على الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور بينما أيده آخرون ويرون أن النظام نجح بدل الإجازات الطويلة.

وكان هدف الوزارة المعلن من إقرار الفصول الثلاثة كما ذكر وزير التعليم الحد من الإجازة الصيفية، التي قال إنها "طويلة ومملة للمعلم والطالب"، في إشارة إلى تقليصها في حق الطلاب، أما المعلمون فقال إنه سيتم تقديم دورات صيفية لهم.

لكن اللافت إقرار تطبيق الفصول الدراسية الثلاثة للتعليم الجامعي على الرغم من إعلان استقلاليته عن التعليم العام مسبقاً، بما يمكن مؤسساته من بناء لوائحها الأكاديمية والمالية والإدارية، ولقي القرار انتقاداً من أكاديميين ومهتمين، فذكر الأكاديمي محمد الخازم أن التغيير في نظام الجامعات ليس مجرد قرار إداري بل يحتاج إلى تغيير في "مكونات جميع مناهج ومقررات التخصصات الجامعية مما سيحدث إرباكاً وتكلفة وجهداً مرهقاً غير مبرر، وذلك بإعادة تصميم المناهج والمقررات"، مؤكداً أن "تغيير الخطط الدراسية يتطلب وقتاً وتوزيعها على ثلاثة فصول مربك وتنظيم الساعات والقاعات الدراسية أكثر إرباكاً".

ووجه مشاري الغنيم الكاتب في صحيفة "الجزيرة" السعودية سؤالاً إلى التعليم عما إذا كنا بعد القرار نحن بصدد جامعات مستقلة أم تخضع لنظام موحد؟ مضيفاً أنه "لا أحد يعترض على أي فكرة يمكن أن تسهم في تطوير التعليم، لكن عندما يكون هذا التطوير مجرد تغييرات شكلية لا تحقق تطوراً فعلياً في المنتج التعليمي فهذا يثير كثيراً من الأسئلة ويدعونا إلى مراجعة أي قرار يربك العملية التعليمية من دون أي عوائد إيجابية واضحة".

وأبدى الغنيم خشيته بعد كل ما نعته بـ "الارباك"، من الاكتشاف متأخرين أن "القرار لم يكن صائباً ونعود من جديد إلى سابق عهدنا، إلا أنني لاحظت أن قرارات التغيير الكبيرة المرتبطة بالتعليم تُعتمد من دون شرح متأنٍ لمبررات اعتمادها".

التعليم وحاجات السوق

ولأن برامج التعليم يفترض ألا تحددها مؤسسات التعليم وإنما حاجات السوق سعت الوزارة في تجويد مخرجات تتواءم مع متطلبات سوق العمل للمساهمة في الحد من البطالة بين الخريجين، فرسمت التعليم مسيرة إصلاح للمخرجات، واستحدثت خطة مشروع "تطوير مسارات الثانوية العامة والأكاديميات المتخصصة" القائم على اختبار مقياس الميول المهنية للطلاب من أجل مساعدتهم على التخطيط المبكّر للمستقبل واستثمار إمكاناتهم المعرفية وقدراتهم، في توجه اعتبره بعض المختصين في مجال تطوير التعليم "رائد سيؤدي إلى ردم الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل وسيبدأ تطبيقه اعتباراً من العام الدراسي المقبل وتتضمن المسارات "الشرعي، وإدارة الأعمال، والعام، وعلوم الحاسب والهندسة، والصحة والحياة".

وانتقد الأمير فيصل بن عبدالله المشاري آل سعود المدير التنفيذي للمركز الوطني للقياس سابقاً نظام مسارات الثانوية لما فيها من تشعب يربك الطلاب وطرح سؤالاً حول مصير الطالب "إن لم يوفق في القبول بكلية الطب وهو في المسار الصحي؟" على سبيل المثال، معتقداً أن "وجود المقررات الحرة والمهارية في مسار واحد هو الأنجح".

الموسيقى تحرك المياه الراكدة

وأدخلت الوزارة تعديلات أكثر جرأة خلال السنتين الماضيتين على المناهج التعليمية وبخاصة الدراسات الإسلامية والاجتماعية كما أعلنت عن إضافة مواد جديدة العام المقبل كـ"التفكير الناقد، والدفاع عن النفس، والمهارات الرقمية، وكذلك بدء تدريس اللغة الإنجليزية من الصف الأول ابتدائي"، ولم تشر الوزارة إلى أي تفاصيل عن خطط المناهج الجديدة وآلية تطبيقها في المدارس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدأت الفنون في السعودية تحصد مكانتها كعلوم حقيقية بعد إقرارها مناهج تعليمية في المدارس، ففي خطوة تعد علامة فارقة جاء التعاون مع وزارة الثقافة في إدراج الفنون في مناهج التعليم العام، مثيراً للاهتمام.

وبعد إعلان السعودية عن إضافة مادة الموسيقى في المدارس صار المجتمع التعليمي في ترقب حول آلية تطبيقها، وأخيراً اتضحت ملامح المشروع بعد أن اكتمل المنهج الدراسي من قبل "هيئة الموسيقى"، التي قامت بإعداد المحتوى، إلا أن التعليم وفق بعض التقديرات قد تختار إبقاء المادة ضمن الأنشطة "اللاصفية"، ووضعت دروساً على منصة "مدرستي" الافتراضية في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، وتحتوي في بعض دروسها تعريفاً عاماً بالموسيقى في شرح تفصيلي للمفاهيم الفنية إلى جانب نبذة عن بعض الشخصيات الموسيقية.

لكن هذه الخطوة الجديدة عندما بدأت الوزارة تطبيقها هذا الأسبوع، تمهيداً للعام الدراسي المقبل أثارت جدلاً اجتماعياً بين مؤيد ومعارض، تطور إلى "هاشتاغ" متوقع في مجتمع لا يزال متأثراً بعقود من تحريم سماع الموسيقى المجرد فضلاً عن تقريرها في المناهج.

وكان رئيس هيئة الموسيقى السعودية، سلطان البازعي التي بدأت في إعداد الدروس لتجسيد التعاون الذي أعلن قبل نحو عام بين وزارتي الثقافة والتعليم؛ قد كشف من قبل عن توجه الوزارتين إلى إدراج مادة الفنون إجمالاً في مناهج التعليم العام في السعودية بما فيها الموسيقى والدراما والمسرح والفنون البصرية وصناعة الأفلام.

وأضاف البازعي أن "الخطوة المقبلة تتعلق بإدراج الموسيقى في مناهج الصفوف الأولية، حتى يتعلم الطلاب من البداية الموسيقى"، وهذا ما بدأ تطبيقه بالفعل كمواد تسجيلية، لم تتضح آلية تدريسها، ونصيبها من حصص الأسبوع الدراسي حتى الآن.

أما أول درس جرى تسجيله، فكان من تقديم الفنان السعودي عايض يوسف، إذ تناقل السعوديون مقطعاً مرئياً من المنهج الذي أُنتج بتعاون الوزارتين، إذ جاء الدرس بعنوان "المدرج الموسيقي" المعروف فنياً بـ "مفتاح صول"، الذي بدأ الفنان يشرح وظائفه وما يعنيه.

وغرد الفنان على حسابة في "تويتر"، قائلاً "سعدت كثيراً بأنني سأكون جزءاً من هذا البرنامج الموسيقي الثقافي، وأشكر ثقة هيئة الموسيقى على تكليفي بتقديم هذا البرنامج، وأتمنى التوفيق لجميع الطلاب".

وعلى الرغم من السجال الذي صاحب التوجه بإقرار المادة منذ البداية، إلا أن المرحلة التي مضت شهدت حراكاً ونشاطاً ثقافياً وموسيقياً، وجد تفاعلاً كبيراً من المجتمع خصوصاً من الشبان الذين اكتظت بهم مسارح الحفلات على الرغم من كونها مدفوعة وليست مجانية، مما يحاج به المؤيدون لتوجه تدريس الموسيقى بأن الجو العام في البلاد يرحب بالفكرة، حتى وإن ظلت أطراف أخرى ترفضه.

المزيد من تقارير