Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزياء الحركات الاحتجاجية في العالم لا تبطل بتقادم الزمن

أقنعة وملابس وأكسسوارات تلخص مطالب الجماهير بلا كلمات "وفانديتا" و"دالي" الأكثر شهرة

"قناع فانديتا" انتشر في عدد من ميادين الثورات العربية خلال 2011  (أ ف ب)

من "قناع فانديتا" إلى "السترات الصفراء" ثم "بدلة سبايدر مان" و"الأميرة النوبية" وصولاً إلى "قناع دالي"، هذه بعض ملابس ورموز الاحتجاجات الشعبية التي حققت انتشاراً بين متظاهري العالم، إذ كان العدد الأكبر منها عالمياً وطاف الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، فيما بعضها ظل مرتبطاً بالبيئة التي خرج منها.

أزياء الاحتجاجات تبدو كنوع خاص من "الموضة"، صيحات لا يحددها المصممون المحترفون ولا تليق كثيراً بالعارضات المثاليات في أسابيع الموضة الفاخرة، بل تخرج تلقائياً من قلب الحدث بعفوية وذكاء، لتعبر عن موقف ورأي بقوة وفي بعض الأحيان بصدامية.

قصة الاحتجاجات ومن ثم أيقوناتها الموحدة تشكل برمتها أمراً مقلقاً لرجال السياسة وأصحاب القرار، ولكنها علامة ثقافية صحية للغاية على تطور المجتمعات وارتفاع سقف الحريات بها.

عاصمة الموضة والثورات

واللافت أنه من أبرز الدول التي ربطت بين الأزياء والحركات الشعبية، "فرنسا" عاصمة الموضة التي يفتخر أبناؤها وسياسيوها بحرصهم على نظامها الحر مهما كانت الخسائر، وقد حمل القرن الـ18 بداية خيط الحرية والثورة على الفساد والفشل الاقتصادي من خلال الثورة الفرنسية (1789 – 1799) التي دأب قادتها على التمييز بين المنتمين إليهم وبين من يحاربون توجهاتهم من خلال الملابس، وانتشرت بينهم عبارة "بلا سراويل قصيرة" فتلك السراويل كان يرتديها الأرستقراطيون والأثرياء الذين كانوا بمثابة الأعداء بالنسبة إلى الثوار مرتدي السراويل الطويلة، وكانت رمزاً لكدهم في العمل، ويجب هنا الإشارة إلى "سيرة البنطلون" خلال الاحتجاجات الفرنسية الذي تحدثت عنه الكاتبة كريستين بارد في كتابها "تاريخ سياسي للبنطلون"، والذي يستعرض كيف ناضلت النساء على مدار عقود لارتدائه، مؤكدة أنه كان ينظر له كقطعة ملابس تقلل من هيبة الدولة الفرنسية إذا ما ارتدتها النساء، اللاتي بدورهن دخلن معارك عدة للسماح لهن بدخول الاجتماعات الرسمية المهمة وهن يعتمدن صيحة البنطلون، فحتى سبعينيات القرن الماضي كان ينظر له على أنه أسلوب غير مقبول ولا يعبر عن الاحترام والتقدير، بخاصة بالنسبة إلى من يتولين مناصب مهمة، ولكن حدثت محاولات كثيرة حتى أن الراحل جاك شيراك حينما كان رئيساً للوزراء استهجن تصرف إحدى الوزيرات عام 1976 بارتدائها تلك القطعة في اجتماعي رسمي، وهي واقعة بجانب وقائع أخرى سردتها الكاتبة في مؤلفها.

رمزية الملابس في التظاهرات

والاحتجاجات تعتبر أمراً أساساً في الثقافة الفرنسية، وهو أمر تابعه الجميع مع توسع تظاهرات مرتدي السترات الصفراء التي انتشرت منتصف العام 2018 للاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود وكلف المعيشة والمطالبة بتقليل الضرائب، وهي الملابس ذاتها التي استلهمها محتجون في دول أخرى بينها بلجيكا، وفي ما بعد انطلقت في تونس حركة "السترات الحمراء" اعتراضاً على غلاء المعيشة، ولكن اختيار نظيرتها الصفراء الصاخبة اللافتة للنظر لترافق المتظاهرين الفرنسيين جاء أولاً لتمييز فئة المحتجين الذين بدأت بهم الحركة، وهم سائقو التاكسي الذين يلزمهم القانون بإبقاء هذه السترة في مركباتهم، والأمر تطور حتى وصل للمطالبة بإسقاط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقد أربكت الحركة أجندة الحكومة الفرنسية وجعلتها بالفعل ترضخ لبعض المطالب لامتصاص الغضب، لكن السترات لم تستمر صفراء بل تعددت ألوانها في ما بعد، واختلفت دلالتها طبقاً لمضمون الحدث، فقد ظهرت في فرنسا احتجاجات ذوي السترات الخضراء المحذرين من أخطار تلوث الهواء، وسط مطالبات باستعمال وقود صديق للبيئة، بينها أيضاً السترات السوداء التي ارتداها الرافضون لسياسة الدولة الفرنسية في التعامل مع المهاجرين غير الرسميين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لغة يفهمها الجميع

وعلى بساطة الأزياء المرتبطة والمعبرة عن أفكار احتجاجية معينة، فإنها تبدو ملخصة للغاية لتوجه مرتديها من دون كلمات رنانة، وهي طريقة اصطلاحية للتعبير عن المطالب حتى لو صمتاً، بالتالي هي بمثابة لغة يفهمها الجميع بسهولة.

 ويرى أستاذ علم الاجتماعي السياسي سعيد صادق أن "استخدام الرموز في التعبير عن الاعتراضات أمر قديم قدم السياسة نفسها ومر بتطورات كثيرة، فالاستعانة بالصور والألوان والرموز لشرح موقف أو رأي ما وسيلة تجدي نفعاً، بالنسبة إلى المؤسسات السياسية النظامية أو الجماهير أو الداعيين إلى الإضرابات"، ويؤكد أن "الأحزاب تختار تلك الطرق لضمان إيصال رسالتها لجميع الشرائح، ضارباً المثل بشعار الحمار للحزب الديمقراطي والفيل للحزب الجمهوري بالولايات المتحدة الأميركية، إذ كانت الرموز من دون ألوان أولاً، ومنذ الثمانينيات بدأ تلوينها وتدريجياً استعمال كل الوسائل المتطورة للفت النظر".

وأوضح أستاذ علم الاجتماعي السياسي "أن التكنولوجيا أخيراً باتت تخدم مسألة استخدام الرموز والأزياء في أي توجهات اعتراضية"، لافتاً إلى أنه "خلال ثوان يمكن لأي شخص تسجيل موقفه المناصر أو الرافض بصورة أو رمز أو أيقونة عبر حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ يشدد على أن الـ (سوشيال ميديا) أعطت زخماً لتلك الأيقونات وزادتها ثراء". وتابع، "نشاهد الرئيس الأوكراني فولديمير زيلينسكي مرتديا الـ (تي شيرت) الأخضر الذي بات معروفاً به ليعبر عن موقف بلاده في مقاومة الغزو الروسي، في إطار حربه النفسية والإعلامية ضد الخصم، كما أن كثيرين يرتدون ملابس عيلها وجه تشي غيفارا للتعبير عن توجهم السياسي، وآخرون يوجهون رسائل سياسية معينة من خلال الأزياء العسكرية مثلاً، وكلها أمور بمثابة العنوان للشخصية أو التوجه الفكري".

العلامات هنا يمكن تقسيمها إلى عدة أنواع بحسب ما يشرح الدكتور إبراهيم حجاج، أستاذ النقد والدراما بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، بينها "العلامة الرمزية التي تشير إلى علاقة تعاقدية أو اصطلاحية بين الدال والمدلول، مثل الإشارة بإصبعي السبابة والوسطى التي ترمز إلى الانتصار، وفق منهج الفيلسوف الأميركي تشارلز بيرس".

"قناع دالي" يغزو العالم 

تبدو العلامة الرمزية هي الأقرب لأيقونات وملابس الثورات التي بحسب ما نلاحظ تطور نفسها بنفسها وتتخذ أبعاداً جديدة بخاصة في ظل ثورة الاتصالات، إذ تنتقل من مجتمع إلى آخر بسهولة، فقناع دالي الذي عرف الشهرة على نطاق واسع خلال السنوات الأخيرة حينما استخدمته عصابة البروفيسور في المسلسل الإسباني "لاكاسا دي بابل" الذي بثته "نتفليكس"، وكان له أكثر من هدف في دارما العمل، بينها كراهية البطل للثقافة الرأسمالية وهو التوجه نفسه السياسي للرسام الإسباني الشهي سلفادور دالي الذي يعبر القناع عن ملامح وجهه وشاربه المميز، إذ كان الهدف هو مقاومة تلك الأفكار، وأيضاً كي لا تنكشف هوية أفراد العصابة، وكذلك أن يحدث تمويه بينهم وبين المحتجزين، وهو أمر انعكس على السترات الحمراء الموحدة في المسلسل كذلك، وقد تم استخدام القناع في تظاهرات انطلقت في بلدان عدة بينها العراق ولبنان وتشيلي وبورتريكو لرفض أوضاع سياسية ومجتمعية واقتصادية معنية.

"فانديتا" يقود الثورات

 كما ظهر "قناع فانديتا" في احتفالات الذكرى الأولى لثورة الـ 25 من يناير (كانون الثاني) في مصر 2012، وهو القناع الذي عرف بأنه رمز ثوري ضد الأوضاع الظالمة والقمع، كما جاء في فيلم "V for Vendetta"، إذ ثار البطل ضد الاستبداد وكان يرتدي القناع الذي يحمي الثوار من كشف هويتهم خوفاً من التعرض للتنكيل، وكان يمكن أن يمر الرمز حينها مرور الكرام، ولكن مع ظهور بعض الدعاية الهجومية حينها ووصف الداعين إلى ارتدائه بمثيري الشغب، تمسك النشطاء المحتفلون بذكرى الثورية المصرية بهذا الرمز حينها بصورة أكبر، ثم ظهرت عبر "فيسبوك" حملات كوميدية تسخر من اتهام مرتدي هذا القناع بدعاة الفوضى مثل "إحنا أسفين يا فانديتا".

والفيلم الذي عرض عام 2006 يستوحى فكرته من شخصية جاي فوكس الذي عرف في إنجلترا بداية القرن الـ 17، إذ كان يرغب في معاونة أصدقائه لتفجير مبنى البرلمان الإنجليزي إبان حكم الملك جيمس الأول في الخامس نوفمبر(تشرين الثاني) 1606، ولكن تم الكشف عن هويته وفقد حياته بعد أن قبض عليه، وكانت تلك الشخصية هي الملهمة لوجه "فانديتا" وتعني المقاومة أو الثأر، وظهرت الشخصية في قصص الـ "كوميكس" التي تحمل طابعاً سياسياً خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكانت تنتقد بطريقة لاذعة سياسة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر حينها، فإخفاء هوية الثوار وانتماءاتهم أمر يثير الجدل دوماً، وكان مؤسس "ويكيليكس" جوليان أسانغ ظهر في لندن مرتدياً القناع ومعلناً تضامنه مع نشطاء الاحتجاجات وحقهم في إخفاء هويتهم.

ثقافة عالمية وأخرى ابنة مجتمعها

صيف العام 2020 قتل رجل على يد شرطي بمدينة مينيا بوليس الأميركية، والرجل هو جورج فلويد الذي كانت كلماته الأخيرة "لا أستطيع أن أتنفس" ملهمة لمئات الآلاف بل وملايين ممن خرجوا في تظاهرات بأنحاء الولايات المتحدة للتنديد بقمع الشرطة وسوء معاملتها لذوي البشرة السمراء، وكانت العبارة تزين الأقنعة وتعبر عن رأي المتظاهرين حتى من دون هتافات، وتطور الأمر إلى حركات احتجاجية في أنحاء عدة بعنوان "حياة السود مهمة"، رفضاً لتصرف رجل الأمن مع مواطن كان يصرخ تحت قدميه بوضوح بأنه لا يمكنه التقاط أنفاسه، ولكن الشرطي لم يكترث وظل يضغط على عنقه.

"الثقافة العالمية" هي أيضاً التي أوحت لشاب سوداني شارك في التظاهرات الرافضة لتوجهات السلطة العسكرية هناك بأن يرتدي زي "سبايدر مان" بلونيه الأحمر والأزرق، إذ تحول الشاب مجهول الهوية إلى أيقونة ثورية، مشيراً في حديث له آنذاك "بأنه اختار هذه البدلة ليخفي هويته ولأن يكون حارساً على أفكار صديقه الذي مات على يد قوات الأمن إبان التظاهرات الرافضة لحكم عمر البشير، إذ يكرم ذكرى صديقه بهذا الزي ويؤكد عبره أنه يحمي إرثه ويكمل طريقه".

وتصدرت صور وفيديوهات "سبيدي" منصات وسائل الإعلام، ولكنه رفض الإفصاح عن شخصيته مؤكداً أنه سيستمر في المقاومة مع زملائه لاسترداد الثورة ومقاومة المعادين لها، لكن أكثر أيقونات الاحتجاجات السودانية اتساقاً مع الثقافة والبيئة هناك هي "كنداكة"، الأميرة النوبية بزيها التقليدي الأبيض وقرطها الذي يشبه قرص الشمس، وهي الملابس التي ارتدتها المهندسة آلاء صالح أثناء إلقاء قصيدة حماسية في أبريل (نيسان) 2019 وسط جموع الثوار، وبدت صورتها التي صنعت منها بوسترات ورسوماً وأيقونات، رمزاً أصيلاً لمشاركة النساء في هذا الحراك.

ويشدد صادق على أهمية ودلالات هذه الأيقونات في أي حراك قائلاً "إن الشعارات السياسية المعقدة لا يفهمها الجميع ولا يتسنى لمعظم الناس متابعتها والتفكير فيها وفك شيفرة رسالتها، ولكن يمكن لإشارة واحدة أو قطعة ملابس أن تقول كثيراً، وبالتالي تأتي قيمة تلك الرموز من كونها تلفت النظر وتلخص الهدف، كما أنها تكتسب أهمية أكبر بسبب وسائل الإعلام، فالمشاركون في أي تحرك احتجاجي يخاطبون بشكل أساس (الإعلام) ويعلنون مطالبهم وموقفهم ببساطة وذكاء وبطريقة تظل عالقة في الذاكرة".

المزيد من منوعات