Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبح الشلل التام والتدهور المعيشي يهددان لبنان بعد الانتخابات

السيناريوهات التشاؤمية سبقتها وباسيل يطرح شروطاً لضمان حكومة مطواعة

إزالة أجزاء من الحاجز الخرساني الذي أقامته قوى الأمن اللبنانية عام 2020 لمنع وصول المحتجين إلى الشوارع المؤدية إلى مبنى البرلمان اللبناني (أ ف ب)

تكثر في بيروت الاستعانة بذلك المثل الشعبي اللبناني الذي يقول "انتهت السكرة وجاءت الفكرة"، للتعبير عن مآزق "اليوم التالي" بعد الانتخابات النيابية التي جرت في 16 مايو (أيار)، الذي اعتبرته معظم التحليلات والتكهنات والرغبات، سواء في الداخل أو في الدول المهتمة بالأزمة اللبنانية المتعددة الأوجه السياسية والاقتصادية والمعيشية، يوماً مفصلياً ومصيرياً سيقرر الوجهة التي ستسلكها تلك الأزمة، فالانتخابات أدت إلى فقدان "حزب الله" وحلفائه الأكثرية النيابية، لمصلحة القوى السياسية التقليدية التي يتشكل منها المسرح السياسي اللبناني منذ أكثر من 17 سنة المعارضة للحزب والتي يطلق عليها تارة اسم "القوى السيادية"، وأهم من ذلك لمصلحة ثوار "17 تشرين" نسبة إلى الانتفاضة الشعبية والشبابية ضد السلطة الحاكمة في ذلك التاريخ من عام 2019، الذين حصدوا 15 نائباً خلافاً للتوقعات، والذي يطلق عليهم اسم "القوى التغييرية".

مزيد من التدهور المعيشي

ومع أن هناك تفاصيل ووقائع كثيرة تفسر فقدان الحزب الأكثرية، إلا أن تحديات "اليوم التالي" الذي يقاس بالأشهر بل بالسنوات، لمرحلة ما بعد إنجاز الاستحقاق، بدأت تثقل على المشهد السياسي الشديد التداخل مع عوامل داخلية شتى، ومع الوضع الإقليمي الدولي الذي يحيط بالبلد الصغير. وهي تحديات تبدأ بمظاهر مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للبنانيين التي برزت قبل إعلان النتائج بفعل انفلات سعر صرف الدولار والحديث عن شح مادة الطحين لدى الأفران، وارتفاع أسعار المحروقات والصرخة في شأن فقدان أدوية أمراض مستعصية، ولا تنتهي عند ظهور استحالة التوافق بين الكتل النيابية المتعددة التي أفرزتها صناديق الاقتراع على انتخاب المرشح الوحيد لرئاسة المجلس النيابي الجديد رئيس حركة "أمل"، والقطب الثاني في "الثنائي الشيعي" نبيه بري المتربع على رئاسة السلطة التشريعية منذ عام 1992.

العرف في توزيع رئاسة السلطات الثلاث في لبنان أن يكون رئيس البرلمان شيعياً، في وقت حصد تحالف "حزب الله" و"أمل" النواب الشيعة الـ27 في البرلمان، من دون أن يتمكن أي من القوى السياسية الأخرى من تحقيق أي اختراق واحد في جدار إمساك هذا التحالف بالتمثيل الشيعي كاملاً، بحيث يستحيل ترشيح شخصية شيعية أخرى من خارج تحالف "الثنائي".

الكتل المسيحية ضد انتخاب بري

المعضلة تكمن في الإعلان المسبق، قبل الانتخابات، من قوى عديدة أنها لن تقبل بانتخاب بري مجدداً لقيادة المؤسسة التشريعية لمدة أربع سنوات أخرى، وهذا لم يقتصر على معارضي السلطة الحاكمة، بل شمل أيضاً أحد أركان هذه السلطة والتحالف الانتخابي، أي "التيار الوطني الحر" برئاسة النائب جبران باسيل، الذي ألزم نفسه على الرغم من وجود مرشحي تياره على اللوائح نفسها التي خاض الانتخابات فيها مع مرشحي حركة "أمل" برفض تصويت كتلته النيابية (ضمت 18 نائباً، وأسهم المقترعون المؤيدون لحركة أمل في إيصال عدد منهم بحكم وجود مرشحيه على اللوائح نفسها)، لبري، بفعل الخصومة المستحكمة بين باسيل ورئيس حركة "أمل".

السيناريوهات التشاؤمية سبقت الانتخابات النيابية، وتناولت استحقاق انتخاب رئيس البرلمان الذي يتوجب دستورياً في الأيام التالية لبدء ولاية البرلمان الجديد في 22 مايو، فقبل الانتخابات كان كل من باسيل الحليف لـ"حزب الله"، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع (حصلت كتلته على 20 نائباً)، ورئيس حزب "الكتائب" سامي الجميل (4 نواب)، إضافة إلى النواب "التغييريين" (14 نائباً) الذين أعلنوا أنهم يرفضون انتخاب بري مجدداً باعتباره أحد أقطاب المنظومة الحاكمة، وكذلك عدد من النواب المسيحيين والمستقلين الآخرين، وهذا يعني أن بري لن يحصل إلا على أصوات النواب المسلمين فبعض النواب السنة ومعظم النواب الدروز سيصوتون لمصلحته، لغياب أي خيار آخر، وكذلك قلة من النواب المسيحيين.

مساعي "حزب الله" ومقايضات باسيل

يسعى "حزب الله" إلى إقناع باسيل، من باب المونة عليه كونه أسهم في إنجاح عدد من نوابه في المناطق التي للحزب أصوات مرجحة فيها، بترك الحرية لتكتله النيابي في التصويت لبري لأن عدداً من أعضاء هذا التكتل لا يرى مهرباً من انتخاب الأخير، مع أن تأمين نصاب جلسة الانتخاب (الأكثري المطلقة أي 65 نائباً)، بات مضموناً، لكن بري لن يحصل على رقم عال كما جرت العادة في السنوات السابقة، وهذا يعني ألا فراغ في السلطة التشريعية، لكن ما يحصل يحمل مؤشرات إلى أن بعض السياديين والتغييريين يرفعون البطاقة الحمراء لـ"الثنائي الشيعي"، على الرغم من أن هدف الرفض لبري، بالنسبة إلى باسيل وتياره مختلفة عن أهدافهم، إذ يعمل الأخير على مقايضة رئاسة المجلس بأمور أخرى. وفي وقت يجري البحث في تولي أحد أعضاء نواب "التيار الحر" إلياس أبو صعب بأن يكون نائباً لرئيس البرلمان، فإن باسيل سعى إلى رفع سعره مقابل تسهيل انتخاب بري إذ قال بلا مواربة في كلمة له في 20 مايو، "ماذا يمنع إعطاء فرص للآخرين (من الطائفة الشيعية) برئاسة المجلس ونيابته طالما المقاومون والأوادم كثر؟ وأضاف، "إذا فكر أحد أن يقايضنا رئاسة المجلس بنيابة الرئاسة، فهو مخطئ ويسترخصنا"، فباسيل يريد من "الثنائي الشيعي" أن يؤيده في تعيين بديل لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وفي عديد من التعيينات في الإدارة قبل نهاية ولاية الرئيس ميشال عون في الخريف المقبل، للإمساك بمفاصل أساسية في الدولة في العهد الرئاسي المقبل.

وعكس كل ذلك مدى التأزم السياسي في البلد، بل إن موقف باسيل من بري هو نوع من الابتزاز لحليفه "حزب الله" كي يشاركه الضغط على بري وسائر القوى السياسية للحصول على ما يريد من تركيبة السلطة الجديدة بعد الانتخابات، التي انخفض فيها حجم تمثيله، لمصلحة رئيس "القوات" سمير جعجع، فالأمر يخضع أيضاً لمقتضيات المزايدات بين الكتلتين النيابيتين المسيحيتين الكبريين أي نواب حزب "القوات" و"التيار الحر"، وسط رفض جمهورهما استمرار بري في منصبه.

المجتمع الدولي استبق السيناريو العراقي

وشملت السيناريوهات المتشائمة، قبل الانتخابات، توقع تكرار تجربة الفراغ العام في تكوين السلطة السياسية في العراق، ففي بلاد الرافدين يعم الفراغ الدستوري بعد الانتخابات، فلا رئيس الجمهورية، ولا رئيس البرلمان ولا رئيس الحكومة، انتخبوا حتى اللحظة، ولا تأليف للحكومة، وهذا ما ينتظر لبنان حسب المواقف المعلنة.

والعواصم الغربية المعنية بمتابعة الشأن اللبناني بدأت تتحدث عن أهمية الإسراع في بدء البرلمان نشاطه، والإسراع في تشكيل الحكومة ثم انتخاب رئيس للجمهورية، قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات، مستبقة بذلك السيناريو العراقي، مثلما فعلت قبل سنتين من الانتخابات التشريعية بالإصرار على إجرائها في موعدها، في كل بيانات مجلس الأمن، إلى درجة اعتبارها شرطاً لتقديم المساعدة للبنان، وبعد الانتخابات التي أشادت بحصولها معظم العواصم الرئيسة، واشنطن، وباريس، والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والجامعة العربية، تضمنت البيانات جميعاً تشديداً على وجوب انطلاق عمل البرلمان الجديد سريعاً، وضرورة تشكيل حكومة بسرعة وانتخاب رئيس الجمهورية في الموعد الدستوري، ولخص البيان الصادر عن "مجموعة الدعم الدولية للبنان" (تضم الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية)، الصادر في 20 مايو هذا التوجه، بالدعوة إلى تدشين عمل البرلمان في سرعة من أجل "إقرار التشريعات اللازمة لتأمين الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز الحوكمة، وتنفيذ الإصلاحات"، ودعت إلى "تشكيل الحكومة سريعاً كي تستكمل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي".

فراغ كامل يمهد لمؤتمر دولي؟

وخلفية هذا "الحث" الدولي على إنجاز الاستحقاقات المقبلة، المخاوف من أن يؤدي عدم الانسجام في الآونة الأخيرة بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي صار رئيس حكومة تصريف الأعمال منذ 22 مايو وفق الدستور، وبين الرئيس عون، إذ إن بعض رموز الحلقة الضيقة في القصر الرئاسي، أخذ يتحدث عن أنه سيصعب انتخاب رئيس البرلمان، وتشكيل الحكومة الجديدة، وأن فراغاً نيابياً وحكومياً سيحصل، وقد لا يغادر الرئيس عون القصر بانتهاء ولايته في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وأن الوضع المعيشي سيتدهور أكثر في البلد، ولن تنقذه إلا مبادرة دولية إقليمية بالدعوة إلى مؤتمر دولي يحضره الأفرقاء اللبنانيون المختلفون للتوصل إلى حل سياسي يطلق إعادة تصحيح وضعه الاقتصادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم تكذب بعض المؤشرات المخاوف، وآخر جلسة لمجلس الوزراء في 19 مايو انتهت إلى خلاف وسجال بين ميقاتي ووزير الطاقة الموالي لـ"التيار الحر" في شأن تلزيم معملين لإنتاج الكهرباء، كان يراهن ميقاتي على اتخاذ قرار به، لكن الوزير سحبه من جدول الأعمال نتيجة خلاف حول عدم شمول معمل ثالث يصر عليه باسيل، وهو ما حمل ميقاتي على إبلاغ عون بالتفتيش عن غيره لرئاسة الحكومة لأنه لا يستطيع احتمال عرقلة معالجة ملف الكهرباء الأساسي في الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية، وبعض أعضاء الحلقة الضيقة للفريق الرئاسي أخذ يتحدث أيضاً عن أنه يجري البحث عن بديل لميقاتي، وأن اتصالات تجري مع إحدى الشخصيات السنية المستقلة المقيمة في الخارج.

التمهيد لبقاء عون بعد انتهاء ولايته

لكن الأخطر هو التمهيد لفراغ حكومي يقود تبرير خطوة غير دستورية تقضي ببقاء الرئيس عون في الرئاسة بعد انتهاء ولايته، إذ قال باسيل إنه يلمس نية لعدم تشكيل حكومة، بما يؤدي إلى استمرار حكومة ميقاتي في تصريف الأعمال حتى نهاية العهد وبقائها في تولي صلاحيات الرئاسة وفق ما ينص عليه الدستور في حال عدم انتخاب رئيس جديد، فهو لا يعتبرها كاملة الصلاحيات كي تتسلم زمام الرئاسة، ويستبق إمكان عدم انتخاب رئيس منذ الآن، ما يعني بقاء عون في الرئاسة بعد انتهاء ولايته، ولاقاه في هذا الموقف النائب جميل السيد الموالي لـ"حزب الله" بأن دعا رئيس الجمهورية إلى عدم تسليم سلطاته لحكومة ميقاتي الحالية، إذا لم ينتخب رئيس جديد.

هذا التصعيد في رسم سيناريوهات الفراغ وصولاً إلى الرئاسة بدا على أنه اشتراط قيام حكومة مطواعة في يد الفريق الذي فقد الأكثرية في الانتخابات، إذ إن باسيل وضع مواصفات هي بمثابة التزامات مسبقة من أي رئيس للحكومة سواء أكان ميقاتي أو بديل عنه فقال، "نريد رئيس حكومة عنده شرعيته الشعبية ومرضياً عنه من طائفته أولاً، ومن مجموع اللبنانيين ثانياً، وليس من الخارج"، وهو يعني استبعاد ميقاتي الذي تدعم فرنسا أولاً وأميركا ثانياً إعادة تكليفه برئاسة الحكومة، ثم اشترط أن "نعرف شكل الحكومة ونوعها، بغض النظر، إذا نشارك فيها أو لا. ونريد برنامجها واضحاً بالإصلاحات ومعرفة موقف رئيس الحكومة من رفع الغطاء والحماية عن رياض سلامة ومن وزير المالية".

ديفيد هيل و"الشلل" التام

السيناريوهات التشاؤمية هذه بعد الانتخابات عززها لدى بعض الأوساط السياسية التي تتحدث عنها منذ ما قبل الانتخابات، المقال الذي نشره نائب وزير الخارجية الأميركية السابق للشؤون السياسية ديفيد هيل الذي خبر لبنان سفيراً وموفداً إليه، في مقال نشره غداة إعلان نتائج الانتخابات على موقع "ويلسون سنتر" قال فيه، إن "أحد الأوهام هو أن تقليص حضور حزب الله البرلماني وتحالفاته يقلل من قوته. في الواقع، إن نفوذ حزب الله في الانتخابات والبرلمان هو مجرد نتيجة ثانوية مفيدة لهيكل سلطته الموازية خارج الدولة القائمة على الأسلحة والمقاتلين والخدمات والأموال غير المشروعة"، كما اعتبر هيل أن المكاسب التي حققتها المعارضة المسيحية المناهضة للحزب مثيرة للإعجاب لكنها لم تكن كافية لها لتوجيه المشهد السياسي.

لكن البارز في مقاله أنه توقع الشلل التام في المؤسسات اللبنانية، فأشار إلى أنه "في لحظات الخلاف الداخلي الحاد يتطلع عديد من اللبنانيين إلى الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية للتدخل. ومع ذلك، فإن اللاعبين الأجانب على الأرجح إما راضون عن الشلل اللبناني أو غير راغبين في تسويات، أو يواجهون مشكلة في ربط النقاط بين الديناميات اللبنانية ومشكلات الشرق الأوسط الأوسع. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد يسعى إلى الحوار بين اللبنانيين حول صيغ جديدة جريئة للحكم، لكن مثل هذا النهج يهدد بفتح صندوق باندورا للتوتر والصراع الطائفي جاهز للاستغلال من قبل حزب الله".

المزيد من تحلیل