Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليندا ليه صوت فيتنام الفرنكوفونية في الرواية الفرنسية

رحلت عن 58 عاما وروت ضياع هويتها وانقطاعها عن جذورها وموت المثُل

الروائية الفيتنامية الفرنسية ليندا ليه (دار بورغوا)

آلم المجتمع الأدبي الفرنسي موتُ الكاتبة الفيتنامية الأصل، والفرنسية التوطّن واللغة ليندا ليه عن عمر ناهز الثامنة والخمسين عامًا (1963-2022)، بعد معاناة طويلة مع المرض. فهذه الروائية والناقدة شغلت المعترك الأدبي الفرنسي طوال عقود، وأبدعت أعمالاً متفردة بجوها وموضوعاتها ولغتها وأسليبها السردية. وفازت بجوائزعدة نافست بها كبار الكتاب. وكانت بمثابة الصوت الفيتنامي الفرنكوفوني اللامع في الحركة الأدبية الفرنسية.

 ولدت ليندا ليه في مدينة دالات عام 1963، في فيتنام. ولمّا اشتدّ أوار الحرب بين الثوار الشيوعيين والقوات الأميركية في تلك النواحي اضطرّت عائلتها إلى النزوح نحو مدينة سايغون عام 1969، والإقامة فيها. وهناك تسنّى للطفلة ليندا أن ترسّخ صلاتها باللغة الفرنسية والأدب الفرنسي ولا سيما بأعمال الأديبنن فيكتور هيغو وأونوري دو بلزاك.

وغداة انتهاء الحرب، غادرت عائلتها فيتنام عام 1977 نهائيا، للإقامة في فرنسا مع أخواتها ووالدتها. عندئذٍ انفتح للفتاة النهمة للقراءة، بابُ الأدب الروائي على مصراعيه، فراحت تدوّن تجربة الفقد والانسلاخ عن الجذور (الفيتنامية) التي عاشتها، معطوفة على تساؤلاتها الوجودية العميقة، في سنّها الصغيرة، وتصوغها بلغة فرنسية عالية الجودة والدقّة والاختزال المشعّ بدلالاته. فكان لها، وهي لمّا تبلغ الثالثة والعشرين من عمرها، أول رواية لفتت الأنظار إليها بعنوان "مصّاص دماء رقيق جدَا" عام 1986 صدرت عن دار "لا تابل روند". ومفادها أنّ شابًّا ويدعى لويس، تعمّد أن يدخل فجر أحد الأيام خلسةً إلى جناح فيليب. ولا يلبث سياق الأحداث أن يتكشّف عن خطّة حبكَ تفاصيلها لويس بغية أن ينال الحظوة لدى فتاة في السابعة عشرة، وأن يتقرّب من أمّها الأرملة الغنيّة التي يروق لها أن تداري جنونها الجميل بالنزهة في أروقة فندق تاورمين. وعليه، ينشب نزاع حادّ بين لويس وفيليب الطالب، العديم الخبرة، يصير أحدهما، بنتيجته، عبداً لكتابه، في حين يستحيل الآخر دجّالاً لا يستكين سعيُه حتّى يفلح في إغواء الفتاة.

 إنها الرواية الأولى للكاتبة الشابة ليندا ليه، وصفها النقّاد على أنها معرض لفنون الإغواء والنفاق والتدليس بالمشاعر من جانب، ومن جانب آخر كانت الرواية أوّل أنموذج لمكر الأدب وقلّة وفائه للواقع، على ظنّ الكاتبة، في حينه.

أدب الذات

لكنّ الأديبة ليندا ليه، ولدواعي الصدقية والنضج والشفافية، أبت على نفسها أن تُحتسب رواية الشباب الأولى هذه، وروايتان أخريان (الهروب، وسولو)، في عداد أعمالها الأدبية، والنقدية التي بلغت الثلاثين ونيّفاً، والتي توالى صدورها لدى دور فرنسية أهمها بورغوا، وستوك، وغيرهما. ذلك أنّ مسارها الأدبي عاود سلوك سبيليْن، ينمّان عن إيثار وجداني لصيق بالذات، وعن وفاء لأدباء روّاد كان لهم الفضل في مدّها بالأفكار والرؤى والشجاعة الشخصية في استبطان الذات، واستصراخها، والوقوف أمام هزالة الكائن وعزلته واغترابه، أمثال بيار باولو بازوليني، وجورج تراكل، وكارلو ميشلستيدتر، وغيرهم، ممن يرد ذكرهم في كتابها المعنون "الروّاد".

 في السبيل الأول، الذي لم تبرحه حتى يوم وفاتها، استلّت الكاتبة من سيرتها، ومن أطياف الأشخاص الذين عبروا حياتها، وتركوا مرارات كثيرة، وأولئك الذين انسلخت عنهم بفعل هجرانها أرض الوطن، فيتنام، قسراً، الكثير من الموضوعات والحبكات، نظير ما نجده في كتابها " الحدائق الثلاث". وبعد أن كانت قد تأثّرت، في بداية عهدها بالروائي النمساوي توماس برنهارد، وهي القارئة النهمة، جعلت تطلق نبرتها الغاضبة، في كتابها "إفتراءات"، إذ تباشر مسار البحث والتقصّي عن جذورها الفيتنامية، وما ينطوي عليه ذلك البحث من تدمير ذاتي وكشف عن مناطق مظلمة في الذاكرة، عبر كتابها الآخر "أقوال أحمق"، وهو كناية عن مناجاة محبوكة بشراسة بلسان أمّ مرعبة، وابن متفلسف، على هيئة مسخ، مقعد على كرسي مدولبة. ويروح يصف أمه وجموعاً من الشخصيات النسائية صديقاتها المتغضّنات. وإذ أيقنت أن ابنها لا يحبّها، تحبّر مقالات صحافية تمجّد فيها أبطالاً من الأمّة منسيين. ثمّ تتأمّل ذاتها في المرآة، وتأسى لأيام كانت مدللة فيها.

ولا تلبث أعمالها الروائية، ومجموعات قصصها أن تتّخذ منحى سوداوياً، بفعل تصاعد أزمتها النفسية الحادّة التي أفضت بها إلى حال من الإضطراب النفسي، دخلت على إثرها الى مستشفى الأمراض النفسانية، وأقامت فيها لأيام قليلة قبل أن تعود الى سويّتها. فكان كتابها بعنوان "الى الطفل الذي لن يكون لي" ثمرة هذه المرحلة، التي سادت فيها تجربة الفراغ العاطفي، والفقد، والغياب، وموت المثُل. وبلغت بها الحالة مبلغاً جعلها تتمنّى الموت، وترى اليه على أنه نتاج فنّي وختام مآل الكائن، إذ تقول: "إنّ الموت، موتي، يبدو لي التحفة الوحيدة التي يسعني إنجازها". وقد نالت الكاتبة، بفضله، جائزة رينودو عن العام 2011. وكان سبق لها أن نالت جائزة "ويبلر" عام 2010، عن كتابها "كرونوس"وهو كناية عن حكاية مثَل، مفادها أنّ فتاة تدعى أونا، وهي ابنة لعالم فلك صار شيخاً عديم الحيل، وسط مدينة "زاروف سيتي"، وقد حدث انقلاب فيها، استولى بموجبه المرشد الأعلى على السلطة، يعاونه وزير الداخلية كاراشي. وبينما تجري الملاحقات في حقّ المنتفضين، وينضوي المتنفّعون تحت لواء السلطة الجديدة، يرتفع صوت الفتاة أونا دفاعاً عن المظلومين، ولا تلبث أن تنضمّ إلى صفوف المنتفضين، وتسعى إلى فضح مكامن الفساد في المدينة، والكشف عن المظالم في حقّ المنتفضين، ومنهم الفنانون والممثلون والشعراء.

سرديات مبتكرة

طبعًا، لم تكفّ الكاتبة ليندا ليه، منذئذٍ عن نسج الروايات، وابتكار السرديات، وخلط السّير، كما فعلت في آخر رواية لها بعنوان "لم أكن معاصرة لأحد"- وهي الرواية الأخيرة لها الصادرة قبيل موتها، وفيها تتخيّل لقاء جمع بين شخصيّتين تاريخيتين بارزتين، هو شي من، الزعيم الشيوعي الفيتنامي، والشاعر الروسي أوسيب ماندلستام، عام 1923 في موسكو. وفي هذه الرواية، التي تهيأت لها توثيقياً وتاريخياً، تعيد الكاتبة إخراج صورتين مفصّلتين ومتوازيتين لكلّ من شخصية القائد العسكري الفيتنامي، هو شي من، والشاعر الروسي أوسيب ماندلستام. ولئن رسمت الكاتبة عن الأوّل صورة نموذجية تبدّى فيها بطلاً وطنيّاً لا يُنازع في تطلّبه وميله الى التحرر، على ما رسخ في ذهن والدها، فإنها لا تلبث أن تنسج صورة للشاعر ماندلستام، النازع الى التحرر بدوره، أقرب ما تكون إلى ضحيّة الأول، وحامل المثال المندثر، والهزيل قيدِ الهلاك، والمشتعل جمالاً وإبداعاً. وفي أيّ حال، لا تخفي الكاتبة غايتها من هذه الاستعادة التاريخية، وهي الكشف عن الفوارق الصارخة بين القادة العسكريين الذين تولّوا السلطة في بلدانهم، وإن مكللين بغار الانتصارات على أعدائهم القوميين والمستعمرين، وبين جماعة الفنّانين والمفكّرين والشعراء والكتّاب، من حمَلة المثُل نفسها، وعناوين التقدّم والتحرر عينها، الذين أذاقتهم السلطات التوتاليتارية مرارة السجن، والعذاب والإغتيال والملاحقة والنفي، إلى منع نشر أعمالهم، وإحراقها عند البعض.

ولعلّ إهداء الروائية عملها الأخير "إلى كلّ منْ وجدوا لهم ملاذاً في الكتاب، أينما كانوا، ولا سيّما أولئك العزّل في ظلّ الحكم التوتاليتاري، الذين اختاروا ملجأً لهم في الفنّ والجمال والكلمة، ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك الاختيار"، تأكيدٌ لهذا الاستخلاص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أنّ للروائية ليندا لي بلاغةً في إيصال ما يعجز عنه الخطاب السياسي أو التعليقات أيا تكن؛ فهي إذ أخرجتْ للقرّاء صورتين متناقضتين لموت بطليها، جثمان هو شي من مكرّماً في ضريح ضخم في العاصمة التي تسمّت باسمه، في مقابل موت ماندلستام عام 1934، منفيّاً وجائعاً ومقروراً ومريضاً، في أقاصي الشرق السيبيري، ولا يلمّ جثمانه امرؤ، ولا يُعرف إنْ بقيَ منه أثر تحت طبقات الجليد، أو التهمته أنياب الضواري ولم يحفل أحدٌ، ممن رجّت كلمات الشاعر وجدانه، بمصيره، أو التاع لفقدانه. وإذ فعلت ذلك أناطت بالقرّاء إخراج الأحكام، وإصدار مواقف الإنكار للصورة الأولى، والتأييد المدعّم بالموقف الوجداني للشاعر الضحية!     

للكاتبة الفيتنامية الفرنكوفونية الراحلة ليندا ليه، ثلاثون عملاً روائياً وقصصياً، منها: أناجيل الجريمة، وشايات، أقوال أحمق، الحدائق الثلاث، صوت، رسالة ميتة، سوف تكتب عن السعادة، الأسحار، ألعاب أخرى بالنار، كريس، في قرارة المجهول، إلى الطفل الذي لن يكون لي، كرونوس، باحثون عن الظلال، مارينا تسفيتايينا، كيف أحوال الحياة؟، كلّ غضب العالم، وغيرها.

المزيد من ثقافة