Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحرب الباردة الثانية" تكشر عن أنيابها في أفريقيا

موسكو تعزز حضورها من خلال "فاغنر" وصفقات التسليح والأعلام الروسية ترفرف في مناطق الانسحاب الفرنسي

رفع محتجون علم روسيا في تشاد وطالبوا بدعم موسكو لبلادهم على غرار مالي (أ ف ب)

كان تراجع الاهتمام الروسي بأفريقيا أبرز ملامح انتهاء الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، حيث أغلقت موسكو مباشرة بعثاتها الدبلوماسية في 13 بلداً أفريقياً عام 1992. لكن اصطفاف بلدان أفريقية عدة إلى جانب موسكو في حربها ضد أوكرانيا كشف عن تنامي النفوذ الروسي في القارة، حيث يعد الدعم العسكري عصب الشراكة بين الجانبين، وأداة أساسية لتطويق حلف شمال الأطلسي "الناتو" من خاصرته الجنوبية، التي ظلت لعقود حكراً على القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا، التي باتت تواجه تحدياً غير مسبوق في معاقل نفوذها الرئيسة، خصوصاً في منطقة الساحل الأفريقية وغرب القارة.

وكشفت تقارير غربية عدة عما سمته بـ"الحرب الباردة الثانية"، التي تدور معاركها حالياً في أفريقيا، ممثلة في صراع النفوذ والحروب بالوكالة بين روسيا والغرب في عديد الساحات التي تشهد نشاطاً لافتاً للشركات الروسية، وعلى رأسها مجموعة "فاغنر" التي تدير مصفوفة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والعسكرية والدعائية لصالح "الكرمين"، بينما تؤكد المواقف الداعمة لروسيا أنها ليس لديها ماض استعماري في القارة، بل ساندت حركات التحرر الوطني الأفريقية، وهي تقوم حالياً بهذا الدور في مواجهة الاستعمار الأوروبي الجديد.

الاصطفاف إلى جانب موسكو

وامتنعت معظم الدول الأفريقية عن اتخاذ مواقف علنية واضحة من الحرب الروسية ضد أوكرانيا، كما أعلن بعضها حياده، وأيد البعض الآخر موقف موسكو صراحة، مثل إريتريا التي صوتت ضد قرار الجمعية العامة لإدانة العملية العسكرية الروسية، بينما امتنعت 24 دولة أفريقية من أصل 54 عن التصويت لصالح القرار. كما امتنعت دول كبيرة مثل جنوب أفريقيا عن تأييد قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، مما دفع الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الاتصال بالرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، الشهر الماضي، بعد يوم من امتناع بلاده و57 دولة عن التصويت على القرار المدعوم غربياً.

الجنرال الأوغندي الشاب موهوزى كاينروغابا، نجل الرئيس يويرى موسيفينى، قال مع بداية الحرب، إن "غالبية البشر يدعمون موقف روسيا في أوكرانيا"، مضيفاً "عندما وضع الاتحاد السوفياتي صواريخ مسلحة نووياً في كوبا عام 1962، كان الغرب مستعداً لتفجير العالم. الآن عندما يفعل الناتو الشيء نفسه، فإنهم يتوقعون أن تستجيب روسيا بشكل مختلف".

ويقول هيبوليت فوفاك، كبير الاقتصاديين في البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير، في دراسة بعنوان "فجر الحرب الباردة الثانية"، نشرها معهد بروكينغز الأميركي الأسبوع الماضي، إن مشروع "إسكات البنادق"، الذي يتبناه الاتحاد الأفريقي لإنهاء النزاعات في القارة، أصبح مؤجلاً لعقد آخر من الزمان بعد أن كان منتظراً بحلول 2020، وهو العام الذي شهد مقتل أكثر من 20 ألف أفريقي في صراعات عنيفة، أي ما يقارب عشرة أضعاف ما كان عليه هذا الرقم قبل عقد من الزمن.

ويضيف فوفاك، "العالم على الطريق نحو حرب باردة جديدة، وظهرت أفريقيا مرة أخرى كساحة لشن معاركها"، وذلك في ظل عملية إعادة الاصطفاف الجيوسياسي، التي تتم على قدم وساق في أفريقيا، حيث تدور حروب بالوكالة، بما في ذلك في إثيوبيا، التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي، مشيراً إلى أنه من بين جميع قارات العالم، يوجد في أفريقيا حالياً أكبر عدد من الدول الأجنبية بما لا يقل عن 13 دولة، تنفذ عمليات عسكرية على أراضيها.

ويعتقد فوفاك، أن عديداً من الأزمات التي تعيشها القارة اليوم من آثار الحرب الباردة الأولى، التي أدت إلى الصراعات وتصلب الحدود الاستعمارية وتقويض التجارة والتكامل الإقليمي. أما الحرب الباردة الثانية التي تأتي في أعقاب انتشار القواعد العسكرية الأجنبية والاستعانة بأدوار خارجية لدعم الأمن القومي، ستقوض بالمثل الجهود المبذولة لإلغاء "تجزئة الاقتصادات الأفريقية"، وتسريع عملية التحول الهيكلي من أجل تحقيق اتفاقية التجارة الحرة القارية.

 موسم الحج الأفريقي إلى روسيا

قبيل جائحة كورونا، التي عرقلت تبادل الزيارات الرسمية بكثافة بين روسيا وأصدقائها الأفارقة، وتحديداً في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، شكلت قمة سوتشي الروسية-الأفريقية الأولى من نوعها، علامة فارقة في مسار استعادة الدور الروسي في أفريقيا، بعد نحو ثلاثة من الغياب عن القارة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، فالقمة التي حضرها أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة أفريقية، وشهدت توقيع عشرات العقود في مجال الطاقة والتسليح والتجارة بقيمة إجمالية وصلت إلى 12.5 مليار دولار، هدفت إلى فتح صفحة جديدة من علاقات المنفعة المتبادلة بين روسيا والقارة، التي لا تزال تكن مشاعر الامتنان تجاه موسكو، التي عرفت بدعم حركة التحرر الوطني الأفريقية والبلدان المستقلة حديثاً خلال فترة الحرب الباردة الأولى.

وخلال هذه القمة شطبت موسكو ديوناً بقيمة 20 مليار دولار مستحقة على الدول الأفريقية لصالح روسيا، في خطوة تهدف لتخفيف أعباء الديون على كاهل الدول الأفريقية. وسبق انعقاد القمة زيارات عديدة من جانب القادة الأفارقة إلى موسكو، حيث شهد عام 2018 وحده ست زيارات، كما زار 12 قائداً أفريقياً موسكو منذ عام 2015، لكن الزيارة الأبرز والأكثر إثارة للجدل، جاءت في خضم الأزمة من جانب نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق محمد حمدان دقلو، الذي زار موسكو قبل ساعات من اندلاع الحرب لمدة أسبوع، معلناً تأييد بلاده لحق روسيا في الدفاع عن نفسها، كما زارت موسكو لاحقاً لجنة عربية من ستة وزراء خارجية كان نصفهم من بلدان عربية أفريقية، وهي مصر والجزائر والسودان، في مسعى لدعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

موجة انقلابات تطيح حلفاء الغرب

شهدت أفريقيا خلال العامين الماضيين أكبر موجة انقلابات متتالية عرفتها القارة في تاريخها الحديث، ففي أغسطس (آب) 2020 تزعم العقيد عاصمي غويتا من القوات الخاصة المالية، انقلاباً أطاح بحكومة الرئيس الراحل أبو بكر كيتا المدعومة من فرنسا، ثم قاد انقلاباً ثانياً متوجاً نفسه رئيساً انتقالياً للبلاد، حيث واجه حملة ضغط فرنسية قصوى بفضل التحول نحو الحليف الروسي، الذي قدم دعماً غير محدود للسلطات الجديدة من أجل ملء الفراغ الأمني، الذي خلفه الانسحاب الفرنسي من البلاد، حيث تم توقيع اتفاقية مع شركة "فاغنر" الروسية التي سيطرت بالفعل على معسكر باماكو بالتزامن مع انسحاب القوات الفرنسية في فبراير (شباط) الماضي، فضلاً عن نشر مئات الجنود الروس في القاعدة العسكرية التي تركها الفرنسيون في تمبكتو من أجل تدريب قوات الجيش المالي. وقبل أيام عدة، أعلنت الحكومة المؤقتة في مالي المدعومة من موسكو عن إحباط محاولة انقلاب جديدة مدعومة من دولة غربية.

وعززت موسكو كذلك علاقاتها بالسودان منذ الإجراءات التي اتخذها رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان وأدت إلى إطاحة حكومة عبدالله حمدوك في أكتوبر الماضي، كما عززت موسكو حضورها في ليبيا من خلال دعم قوات الجيش الوطني في مواجهة حكومة طرابلس خلال السنوات الماضية. أما في تشاد فينظر على نطاق واسع إلى المعارك التي أطاحت العام الماضي بالرئيس إدريس ديبي إتنو، أحد أبرز حلفاء فرنسا في القارة بعد ثلاثة عقود في السلطة، على أنها محض انقلاب مدعوم من روسيا، التي تربطها علاقات وثيقة بالحركات المسلحة التشادية، وعلى رأسها حركة "فاكت"، التي قتلت ديبي في معارك شمال البلاد، حيث تتخذ الحركة من مناطق النفوذ الروسي في ليبيا معقلاً لها.

وتوضح تقارير غربية، أن القاسم المشترك بين قادة الانقلابات، التي حدثت في مالي وبوركينا فاسو وتشاد والسودان وغينيا بيساو وغينيا كوناكري، كان أن معظم هؤلاء القادة العسكريين الذين دبروا تلك الانقلابات حصلوا على تدريب عسكري في روسيا، وعلى سبيل المثال فإن الضابطين في الجيش المالي مالك دياو وساديو كامارا، وهما العقل المدبر للانقلاب عام 2020 قد أمضى كل منهما عاماً في مدرسة القيادة العسكرية العليا في موسكو.

وعلى أي حال، فإن التحول نحو روسيا ليس بالضرورة أن يكون مرتبطاً بانقلاب عسكري، ففي أفريقيا الوسطى تمكن الرئيس المنتخب حديثاً فوستين أرشانج تواديرا من تحويل بلاده إلى قاعدة للنفوذ الروسي بعد أن كانت حليفاً أساسياً لفرنسا، حيث أرسلت موسكو قوات تابعة لمجموعتي سيرا للخدمات الأمنية وفاغنر أصبحت مسؤولة تماماً عن حماية المنشآت الحيوية في العاصمة بما في ذلك القصر الرئاسي، كما تم تعيين الروسي فاليري زاخاروف، ضابط الاستخبارات السابق، في منصب مستشار الأمن القومي للرئيس فوستين أرشانج.

ويقول زكريا يونس، وهو ناشط في مجال المصالحة الوطنية في أفريقيا الوسطى، إن الروس جاءوا إلى هناك كمرتزقة للبحث عن مصالحهم في مجال التعدين وتوفير الحماية للجهات التي أتت بهم، ويواجهون الشعب بمختلف طوائفه وليس فقط القوات المتمردة، كما انعكست الحرب الروسية في أوكرانيا على الأوضاع في أفريقيا الوسطى، خصوصاً عندما أعلن عديد من قادة الجيش دعمهم للموقف الروسي وسط أنباء عن مشاركة عناصر من أفريقيا الوسطى ضمن القوات الروسية في الحرب، وفي المقابل مارست فرنسا الضغوط على أفريقيا الوسطى ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة، بخاصة في ما يتعلق بالوقود والغذاء، فأصبحت البلاد ساحة للصراع بين روسيا وفرنسا.

احتجاجات ضد الوجود الفرنسي

شهدت تشاد، التي ينظر إليها كأحد أهم معاقل الوجود الفرنسي في القارة، تظاهرات خلال الأيام الماضية تطالب بخروج القوات الفرنسية، التي تحتفظ بقواعد عسكرية عدة في البلد الأفريقي الضخم، وتعد الراعي الأول للنظام التشادي بقيادة الجنرال الشاب محمد إدريس ديبي، لكن اللافت خلال الاحتجاجات التي عمت العاصمة أنجامينا أخيراً رفع مئات المحتجين للعلم الروسي إلى جانب العلم التشادي، وترديدهم شعارات تطالب بدعم الدور الروسي في تشاد على غرار مالي، كما هتفوا "لا لفرنسا نعم لروسيا" و"نريد روسيا كما في مالي".

الباحث التشادي محمد طاهر زين قال إن الصراع بين فرنسا وروسيا انعكس بشكل كبير على الدول الأفريقية، بدءاً من أفريقيا الوسطى ومالي والدور الآن على تشاد عن طريق ليبيا التي تشهد دوراً روسياً حاسماً في مجريات الصراع هناك، مضيفاً "في الوقت الحالي أصبحت الخيارات محدودة أمام فرنسا بعد طردها من مالي، إذ ظلت تراهن على حلفائها في تشاد (المجلس العسكري الحاكم)، وعززت من وجودها وهو ما بدا واضحاً في الشهر الحالي، حيث وسعت قاعدتها بفتح قواعد فرعية في خمس مناطق تشادية، الأمر الذي أغضب الشباب ودفعهم للخروج في تظاهرة تاريخية ولأول مرة يشارك فيها الشماليون بإرادة ذاتية خالصة، حيث رددوا شعارات تطالب برحيل فرنسا، بالمقابل رفع بعض المشاركين العلم الروسي كبديل في اعتقادهم، غير أن معظم المشاركين لا يحبذون الانتقال من استعمار إلى آخر، فالشعب التشادي أدرك أنه حان وقت التحرر وطرد المستعمر الفرنسي في أراضيه بكل السبل".

وأوضح زين أن روسيا تحتفظ بعلاقات تاريخية مع المعارضة التشادية، ووطدت تلك العلاقات بتحالفات مع بعض المجموعات الفاعلة من المعارضة، على سبيل المثال جبهة الوفاق للتغيير في تشاد "فاكت" التي تسببت في مقتل ديبي الأب في أبريل (نيسان) عام 2021، كما تلقت تدريبات عسكرية متقدمة أثناء مشاركتها في حرب ليبيا ضمن قوات اللواء خليفة حفتر، فضلاً عن محاولات زعيم اتحاد قوى المقاومة تيمان ارديمي للتواصل مع مجموعة فاغنر الروسية لإسقاط المجلس العسكري، كما كشفت عنها تسجيلات مسربة حديثاً.

ويعتقد الباحث التشادي أن تصلب مواقف المعارضة إزاء ملف الحوار الوطني مع المجلس العسكري وراءه قناعتها بأنه إذا فشلت المفاوضات وعادت إلى الميدان ستحصل على حليف جديد في انتظارها، وهو الاتحاد الروسي، مما دفعها إلى رفع سقف مطالبها.

الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد عبد الكريم، يرى أن روسيا حققت اختراقاً مهماً في واحدة من أهم مناطق النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل، وهي مالي، من دون أن ينفي ذلك وجود قصور فرنسي كبير في فهم ديناميات التغير الحاصل في مالي منذ الاحتجاجات الشعبية الكبيرة ضد الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا، وثيق الصلة بفرنسا، على خلفية اتهامات كبيرة بالفساد والاستبداد والقصور في مواجهة حركات الإرهاب المسلح، إضافة إلى تبعيته المطلقة لفرنسا وسياساتها على حساب التطلعات الشعبية للمواطنين الماليين. ومن ثم يمكن تفسير الدعم الشعبي الكبير للمجلس العسكري الحاكم في مالي وتقاطع ذلك مع تأييد شعبي وعسكري لأي دور روسي في مالي، لا يتطلب أية مشروطيات سياسية كتلك التي كانت تفرضها فرنسا قبل خروجها من مالي.

وتابع "يأتي الاختراق الروسي في مالي بعد اختراق مماثل، وإن تركز في المواجهة الأمنية والعسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي أضحت أكثر استقراراً بفضل الدعم الأمني الروسي، أما تشاد فإنها لا تزال القاعدة الحصينة للنفوذ الفرنسي والغربي في إقليم الساحل، ولا يتوقع على الرغم من الاحتجاجات الشعبية الرافضة لاستمرار الوجود الفرنسي والمؤيدة لتكرار التجربة الروسية، تغيير نظام الحكم هناك في انقلاب عسكري على المدى القريب".

ويتوقع عبد الكريم استمرار المد الروسي في أفريقيا خلال الفترة المقبلة في ضوء عدم فرض روسيا مشروطيات سياسية مكلفة، وارتفاع الوعي الشعبي الأفريقي الرافض لاستمرار سياسات فرنسا "الاستعمارية"، وتزايد المطالب الشعبية بمزيد من الاستقلال الوطني في سياسات نظم الحكم داخلياً وخارجياً.

و"على الرغم من المعلومات الواردة أخيراً حول عزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إحداث تغييرات في سياساته الأفريقية، فإن هذا التغيير سيتطلب وقتاً قد يستغرق فترة رئاسته كلها لإحداث الأثر المطلوب فرنسياً وإصلاح علاقات بلاده بالدول الأفريقية، كما أن انتخابات يونيو (حزيران) المقبل لتكوين الجمعية الوطنية الفرنسية قد تهدد أغلبية حزب النهضة الفرنسي وتفرض على ماكرون في النهاية توجيه اهتمام أكبر بالملفات الداخلية وإبقاء سياساته الأفريقية على ما هي عليه. وفي المقابل، فإن روسيا أعلنت منتصف مايو (أيار) الجاري عن خطوة مهمة تعزز موقعها في أفريقيا بعزمها مواصلة الالتزام بتصدير الحبوب لمجموعة من الدول بينها عدد كبير من الدول الأفريقية مما يخفف من الآثار السلبية للحرب الروسية-الأوكرانية على هذه الدول ويعظم التأييد الشعبي المؤيد لتمتين العلاقات الأفريقية-الروسية"، بحسب عبد الكريم.

حملات في الفضاء الافتراضي

منذ عام 2018 لا يتوقف الصراع الروسي-الغربي على ساحات القتال التقليدية فقط، بل امتد إلى العالم الافتراضي، خصوصاً منذ إنشاء جهاز الأمن الفيدرالي الروسي مرکزاً وطنياً لتنسيق مکافحة الهجمات السيبرانية. ولا يتوقف نشاط مجموعة فاغنر الروسية على الدور العسكري فقط، إذ نظمت تلك الشركة حملات دعائية على مواقع التواصل الاجتماعي بالدول الأفريقية التي تنشط بها، فضلاً عن الاستيلاء على بعض الصفحات الموجودة بالفعل للاستفادة من عدد المتابعين للدعاية لأنشطتها في أفريقيا والصفقات الروسية في مجال السلاح والطاقة واستخراج الموارد الطبيعية، مثل الذهب والماس، كما استغلت تلك الحملات المواطنين المحليين بهدف تجنيدهم كعملاء سريين لروسيا والدعاية العلنية من خلال المدونين والشخصيات المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت وزارة الخارجية البريطانية، في مطلع مايو الجاري، إن عملاء مأجورين يعملون من مصنع في سان بطرسبورغ يستخدمون تطبيق المراسلة "تليغرام" لتجنيد وتنسيق المؤيدين الذين يغمرون حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لمنتقدي الكرملين بتعليقات تدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحرب في أوكرانيا. وأوضحت الوزارة أن أحد هذه الحملات كان موجهاً إلى الجمهور في جنوب أفريقيا، إضافة إلى المملكة المتحدة والهند.

وذكرت الخارجية البريطانية أن ما يسمى مصنع "التصيد" طور تقنيات جديدة لتجنب اكتشاف منصات التواصل الاجتماعي ونشر التعليقات وتضخيم المحتوى المؤيد للكرملين، الذي أنشأه مستخدمون شرعيون بدلاً من إنشاء المحتوى الخاص به.

وفي المقابل، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمة ألقاها في مستهل اجتماع لمجلس الأمن الروسي، الجمعة الماضي، أن روسيا تتعرض لـ"حرب شاملة في المجال السيبراني" منذ بدء عمليتها العسكرية في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، مشدداً على أن هذه المسألة تحظى بأهمية قصوى بالنسبة لسيادة روسيا وأمنها واقتصادها والإدارة العامة والاستقرار الاجتماعي في البلاد.

ويؤكد أحمد عسكر، الباحث في الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، أن الحرب المعلوماتية على مواقع التواصل الاجتماعي تعد واحدة من أبرز ملامح السباق الروسي-الفرنسي في منطقة الساحل، حيث تنخرط أطراف روسية وفرنسية في نشر الإشاعات والمعلومات المضللة لصالح تعزيز النفوذ وتحسين صورتيهما لدى الرأي العام الأفريقي في دول المنطقة. وتقوم شبكات إلكترونية تابعة للدولتين باستهداف دول أفريقية مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو والجزائر وأفريقيا الوسطى وتشاد وكوت ديفوار والكونغو الديمقراطية وليبيا، حيث تركز رسائل كل شبكة على مهاجمة سياسة القوة الأخرى في المنطقة، ودعم سياسات حلفائها، مما يهدد بتصاعد الانقسامات بين مؤيدي ومعارضي كل من روسيا وفرنسا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فاغنر ودبلوماسية الكلاشينكوف

تسيطر روسيا على نحو نصف صادرات السلاح إلى أفريقيا، التي تعد ثاني أكبر مستورد للأسلحة الروسية بعد قارة آسيا، كما تسعى موسكو إلى مد وجودها العسكري إلى القارة من خلال القواعد العسكرية وأبرزها اتفاق إنشاء أول قاعدة عسكرية لها على البحر الأحمر في سواحل السودان، فضلاً عن اتفاقيات التدريب العسكري والمتعاقدين العسكريين الروس ونشاط مجموعة فاغنر العسكرية في بلدان أفريقية عدة، وعلى رأسها مالي وأفريقيا الوسطى، كما وقعت روسيا اتفاقيات تعاون عسكري مع أكثر من 20 دولة أفريقية منذ عام 2015.

وإضافة إلى مشاركة روسيا الفعالة في عمليات حفظ السلام الأممية في القارة، يوضح أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن روسيا تستحوذ على 49 في المئة من واردات السلاح الموجهة للسوق الأفريقية، ويأتي على رأس قائمة المشترين الجزائر وأنغولا ومصر والمغرب ونيجيريا والسودان والسنغال وزامبيا، وبحسب المعهد شكلت الأسلحة بين الأعوام 2014 و2019 ما يعادل 16 في المئة من الصادرات الروسية إلى أفريقيا، حصلت الجزائر على 80 في المئة منها. وسبق أن حذر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، جون بولتون، في عام 2018، من أن روسيا تبيع أسلحة لدول أفريقية مقابل التصويت لدعم سياساتها في الأمم المتحدة. ووصفت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية في تقرير في يناير (كانون الثاني) الماضي، مجموعة فاغنر، بأنها "أكثر سوءاً مما تبدو فهي عصابات صغيرة من المرتزقة تعمل على توسيع نفوذ موسكو في أفريقيا، عندما يستأجرها الطغاة المحليون".

ريم أبو حسين، الباحثة في الشؤون الأفريقية، ترى أنه في وقت سابق مباشرة على اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية نظر إلى تصاعد الوجود العسكري الروسي في أنحاء القارة الأفريقية على أنه مقدمة لحرب باردة جديدة، بخاصة في ظل مزاحمة روسيا لدولة كفرنسا في مناطق نفوذها التقليدية، وكانت هناك عدة خطوات تتعلق بالدور الروسي عززت وجهة النظر تلك تمثلت في إبرام موسكو العديد من اتفاقيات التعاون العسكري والأمني، وكذلك الاقتصادي مع عدد من الدول الأفريقية أبرزها جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وموريتانيا والكاميرون وغانا، فضلاً عن الدور الذي لعبته مجموعة فاغنر في كل من ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأخيراً في مالي، حيث نجحت موسكو في إزاحة فرنسا من أفريقيا الوسطى وهي منطقة نفوذ تقليدية لها وتنشط حالياً في تدريب الجيش هناك، ومحاربة المتمردين ومكافحة المجموعات الإرهابية، وأيضاً حماية منشأت الذهب والألماس واليورانيوم.

وتابعت "أخيراً اتسع نطاق نشاط فاغنر ليشمل مالي، حيث وقعت مع سلطات المجلس العسكري التي تدير البلاد حالياً اتفاقية تعاون أمني تدرب المجموعة بموجبها الجيش المالي، وتشاركه في جهود مكافحة الإرهاب في وسط البلاد، وهو الأمر الذي أغضب فرنسا، وتصاعدت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين المالي والفرنسي، كان أبرزها اتهام باريس لمجموعة فاغنر والجيش المالي بقتل مدنيين وإلصاق التهمة بالقوات الفرنسية المنسحبة من تمبكتو، الأمر الذي رفضته السلطات المالية وأوقفت نشاط قناة فرنسا 24 في الأراضي المالية، وسبق تلك الأحداث طرد السلطات المالية للسفير الفرنسي رداً على انتقادات فرنسية لاذعة وجهت للمجلس العسكري الحاكم". كذلك أشارت وسائل إعلام إلى مشاركة فاغنر في مواجهات شرسة بجانب جبهة الوفاق من أجل التغيير المعارض في تشاد ضد الجيش التشادي، التي انتهت بمقتل الرئيس ديبي، ومما هو جدير بالذكر أن هناك مفاوضات جارية بين تلك الجبهة والحكومة التشادية من أجل إقرار السلام في تشاد، الأمر الذي يصاحبه حالياً اندلاع تظاهرات في انحاء البلاد مطالبة بإنهاء الوجود الفرنسي، مما قد يؤدي إلى تنامي الدور الروسي في دولة تشاد.

في أوائل العام الحالي انتشرت شركات النفط الروسية في مناطق عديدة بأفريقيا، أهمها خليج غينيا الاستوائية وكذلك أفريقيا جنوب الصحراء، وتعتقد "أبو حسين" أن التعاون العسكري والتعاون في مجال الطاقة يلعبان الدور الأبرز في استراتيجية روسيا نحو أفريقيا، لذا فمن المتوقع أن مد أجل الحرب الروسية-الأوكرانية قد يؤثر بالسلب في البلدان الأفريقية، بخاصة في خليج غينيا، التي وقعت اتفاقيات مع شركات النفط الروسية التي تتعرض حالياً لعقوبات دولية قد توقف أنشطتها الاستكشافية في المنطقة، مما يؤثر على مشاريع التنمية في دول كالكاميرون وغانا وغيرها.

أما في ما يتعلق بالتعاون العسكري والأمني المتمثل في مجموعة فاغنر بين روسيا وبعض الدول الأفريقية فلا يوجد مؤشر على تراجعه، ولكن استمراره أيضاً مرتبط بقدرة الدول المتعاقدة مع مجموعة فاغنر على الدفع في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية على مستوى العالم، نتيجة لتصاعد الحرب الروسية-الأوكرانية، وفي ظل الانشغال الغربي بالحرب في أوكرانيا لا يوجد في المنظور القريب احتمالات تصعيد من جانب الدول الأوروبية تجاه الوجود العسكري الروسي على وجه الخصوص في دولة مالي لتجنب مزيد من التدهور في الوضع الأمني، الأمر الذي قد يعرض منطقة الساحل للخطر، خصوصاً في ظل تواصل انسحاب قوات برخان وتصاعد الغضب الشعبي تجاه الوجود الفرنسي في المنطقة.