Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إنه عام 2022 وليس 1939... مشاكل العائلات البريطانية لن تختفي ببساطة

إن الفقر والجوع والمشقة تشكل معاً وصمة عار لبريطانيا، كما أنها إدانة لعقود من السياسة التي جردت الناس من إنسانيتهم ومزقت شبكة الأمان الاجتماعي في بريطانيا... بن تشامبان يتحدث إلى العائلات التي لم تعد تستطيع التعامل مع هذا الوضع

ليست أزمة تكلفة المعيشة جديدة بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات (آي ستوك/إندبندنت)

تقضي ليكسي الشطر الأكبر من حياتها حبيسة غرفة نومها، نظراً لعجزها عن دفع ثمن الكهرباء اللازمة لتشغيل كرسي المصعد [الأداة التي يتم تركيبها على ذراع الدرج وتنقل الشخص بين طابق وآخر آلياً] التي تصل إليها بالعالم الخارجي. وتقول المرأة البالغة 48 عاماً، أثناء صراعها ضد سعال مستمر وجاف هو من أعراض الإصابة بالتهاب رئوي متكرر لا يمكن أن تكون برودة بيتها الصقيعي قد ساعدت على التخفيف منه، "إنني معزولة إلى حد كبير عن عائلتي حالياً. المصعد هو فقط استهلاك للطاقة التي يجب ألا أستخدمها [بهدر]".

ويؤدي التهاب المفاصل التنكسي، ضمن مجموعة من الحالات المرضية، إلى جعلها تكافح لهبوط الدرج من دون مساعدة. يأتي أولادها الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عاماً، دائماً أولاً، ولكن صار الاستحمام بالماء الدافئ حتى بالنسبة إليهم عبارة عن متعة تحدث مرة واحدة في الأسبوع. فالماء الدافئ يجب أن يقنن بطريقة متأنية إذا كان ليتوفر منه ما يكفي الجميع.

وفي بقية الوقت يجري تسخين الإبريق في بيت العائلة في ريف ويلز على الموقد، ويحاول الأولاد قصارى جهدهم لكي يغسلوا أنفسهم به باستخدام فوطة.

وتقول ليكسي، التي طلبت عدم ذكر اسمها الحقيقي، "لا ينبغي أن نعيش هكذا... هذا ليس عام 1939، إنه 2022".

إذاً 2022، وهو عام كان من المؤمل أن يحمل معه تفاؤلاً متجدداً باعتبار أن العالم قد تحرر أخيراً من قبضة الجائحة. وبدلاً من ذلك، فهو سيكون العام الذي جلب التدني الأكبر في مستويات المعيشة منذ بدء الإحصاءات.

لم يستجب ريشي سوناك، وزير المالية، للمناشدات اليائسة بشكل متزايد من جانب الجمعيات الخيرية والناشطين لمساعدة الأكثر فقراً في بريطانيا على دفع ثمن الأساسات مثل الغذاء والطاقة. ونتيجة لذلك، فإن 1.3 مليون إنسان سيغرقون في الفقر المدقع هذا العام. وبحلول الشتاء المقبل، من المتوقع أن يعيش أشخاص يصل عددهم إلى 8.5 مليون نسمة في بيوت باردة بسبب عدم تمكنهم من تدفئتها، وأن يترعرع ما يقرب من نصف الأطفال جميعاً في عائلات لا تستطيع تحمل تكلفة البضائع الأساسية.

وجلب الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، الذي فاقم منه غزو روسيا لأوكرانيا، معه شبح مزيد من الاضطراب. إن أسعار الوقود، والغذاء، والثياب، والكهرباء ترتفع بسرعة أكبر بكثير من الأجور، ما يشكل ضغوطاً على ميزانيات الأسر دافعاً بها إلى ما وراء نقطة الانهيار.

لقد سعت حكومة بوريس جونسون إلى الترويج للموقف القائل إن لا حول لها ولا قوة، فهي ضحية لقوى دولية خارجة عن سيطرتها. والحقيقة، كما يقول الاقتصاديون والناشطون في ميدان مكافحة الفقر، هي أن بريطانيا دخلت العام وهي غير مستعدة وبشكل ميؤوس منه في أعقاب عقود من الخيارات السياسية التي تركت البريطانيين العاديين ضعفاء وخائفين وغير قادرين على تحمل الصدمة التي تنتظرهم.

وليست أزمة تكلفة المعيشة جديدة بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات مثل عائلة ليكسي. إنها الواقع القاسي الذي كانوا يعيشون فيه منذ سنوات. لم يعد لديهم أي موارد لكي يكافحوا [أكثر]، ويشعرون بالهلع مما سيواجهونه لاحقاً.

ليس هناك تضحيات إضافية من الممكن تقديمها. فالأساسات من أجل حياة كريمة قد ولت سلفاً. وتستمر الحياة بشكل محفوف بالخطر على حافة الهوة المالية: وتحتسب ميزانية الصرف على البقالة بمنتهى الحذر حتى الفلس، ويجري التدثر معاً تحت البطانيات، وتقنين وقود التدفئة، وتجنب المناسبات الاجتماعية، وتجنب تقديم الهدايا بمناسبة أعياد الميلاد.

غالباً ما تسمع سارة أوغيلفي، وهي مديرة مجموعة العمل المعنية بفقر الأطفال، عن آباء يحرمون أنفسهم من الطعام من أجل ضمان أن يجد أطفالهم ما يأكلونه. وبالنسبة إلى مجموعات عمل كهذه، يعتبر الاهتمام الذي تحظى به حالياً [مشكلة] ارتفاع الأسعار والميزانيات التي تتعرض لالضغط، موضع ترحيب، ولكنه أمر حلو بطعم مر. والسؤال هو لماذا تصبح [أزمة تكلفة المعيشة] مشكلة فقط الآن بعد أن أخذ الناس من أصحاب الدخل المتوسط يتأثرون [بها]؟

إن لمصطلح "الأزمة" أيضاً صريراً مزعجاً، لأنه يعني ضمناً أن الوضع مفاجئ، ولا مفر منه ويعود سببه حصراً إلى قوى خارجية. والحقيقة أن هذه الصفات كلها لا تنطبق على الوضع، كما تذكر أوغيلفي. وتضيف، "كانت العائلات التي نتحدث إليها تواجهها [مشكلة تكلفة المعيشة] منذ سنوات. إنهم لا يملكون أي مدخرات، ولم يبقَ لديهم أي شيء للرجوع عليه. لم يبقَ لديهم أي مكان على الإطلاق للجوء إليه [التماساً للمساعدة] في هذه المرحلة".

إن وجهة نظر أوغيلفي، المدعومة بقدر كبير من الأدلة، تتمثل في أن الفقر المنتشر على نطاق واسع هو خيار سياسي، وليس ضرورة اقتصادية. لقد ارتفع مستوى عدم المساواة بسرعة في المملكة المتحدة خلال ثمانينيات القرن الماضي بسبب خيارات السياسة، وبقي مرتفعاً بعناد منذ ذلك الوقت.

ويخشى الناشطون من أن عديداً من الناس الذين كافحوا لتدبر أمورهم وتفادي متاعب مالية سيغمرهم قريباً مد الفقر والفاقة المتصاعد بسرعة.

وهنا بعض قصص هؤلاء الناس.

ليكسي، شمال ويلز

تقول ليكسي "نحاول أنا وزوجي أن نأكل وجبة واحدة مقبولة في الأسبوع. وفي ما تبقى من الوقت، نكتفي بقطع خبز محمصة"، ويضاف على هذا النظام الغذائي الهزيل فضلات طعام أولادهم، هذا إذا خلفوا شيئاً ما.

كان المال شحيحاً على الدوام، بيد أن الأمور تدهورت بشكل سريع عندما فقد زوجها عمله في البناء خلال الجائحة. وقد أبلغ، من دون سابق إنذار، أن خدماته لم تعد لازمة. وكان وضع العائلة المحفوف بالخطر سلفاً قد صار بشكل سريع غير قابل للاستمرار، إذ إن شبكة الأمان الاجتماعية في بريطانيا، التي باتت بالية بعد سنوات من خفض [الدعم المالي]، فشلت في حمايتهم.

مرت تسعة أسابيع قبل وصول دفعة الائتمان الشامل الأولى. وفي غضون ذلك، فإن المدخرات التي بلغت 300 جنيه استرليني [نحو 373 دولار]، وقد قتر الزوجان معاً على امتداد أشهر عدة لتوفيرها، تبخرت في أيام مع وصول سيل من الفواتير. لم يكن هناك أي تبذير، فقط: أجرة البيت، والإنترنت، والتليفون، والطعام. ولدى الزوجين الآن كومة متضخمة من الديون التي ليس لديهم وسيلة لتسديدها.

ولئن كانت الإهانات اليومية قاسية، فإن المناسبات الخاصة هي التي تفطر القلب حقاً، مثلما تذكر ليكسي. ففي عيد ميلاد أصغر أولادها، لم تكن قادرة على تحمل ثمن هدية له، واستطاعت فقط شراء بطاقة [كتبت] عليها ملاحظة قصيرة تعد فيها بتقديم هدية له في المستقبل. ولم تقوَ على إبلاغه بالحقيقة، وهي أنه ليس لديها أي فكرة متى ستقدم هذه الهدية، أو، فعلاً، ما إذا كان هذا الوقت الذي ستقدمها فيه سيأتي على الإطلاق.

وما يزيد الطين بلة هو وصمة العار الاجتماعية، أي الرواية المستمرة عن أن الناس الذين يتلقون المساعدات هم المخطئون، وأنهم كسالى، أو يسيئون استخدام النظام، ويعيشون حياة تتسم برفاهية نسبية على الصدقات.

وقد لخص لي أندرسون، وهو نائب محافظ عن دائرة أشفيلد الانتخابية في نونتنغهامشاير [وسط إنجلترا]، الأمر هذا الأسبوع، قائلاً أمام أعضاء مجلس العموم إن الناس يستعملون بنوك الطعام لأنهم "لا يستطيعون الطهو بشكل صحيح" كما أنهم "لا يستطيعون صرف أموالهم بشكل متزن".

يمكن طهو وجبات لا تكلف أكثر من 30 بنساً على حد تعبير أندرسون، الذي طالب العام الماضي بتعويضه عن نفقات بلغت 220 ألف جنيه استرليني [نحو 274 ألف دولار] ويتمتع [بوصفه من أعضاء البرلمان] بحق تناول وجبات وكحول في البرلمان بأسعار مخفضة مدعومة من أموال دافع الضرائب.

 

لا يمكن لأي شخص لديه أي فكرة عن الحياة على حد الكفاف في بريطانيا أن يصدق حقاً صوراً مثل هذه، حسب ليكسي التي تشارك في مشروع "حقائق كوفيد" الذي تجريه جامعتا يورك وبرمنغهام لتوثيق حياة الناس من ذوي الدخل المنخفض خلال الجائحة.

وتتابع، "أود من أي شخص يصدق هذه الرواية أن يأتي ليعيش حياتي ليوم واحد... ليس هناك أي رفاهية حين تجرد أطفالك من الثياب في الحمام في جو بارد ثم تنظفهم بفوطة مبللة". وتردف، "أن تكون عاجزاً عن شراء حذاء جديد للمدرسة حين تبرز أصابع قدم طفلك عنوة من حذائه، لا يعني أنك تعيش في رفاهية. صدقني، لو كنا نستطيع أن نعيش بأي طريقة أخرى لما كنا نستمر هكذا".

وتزيد ليكسي، "هل تظن أنني أريد ألا يأكل أولادي سوى الأغذية المصنعة التافهة يوماً بعد يوم، لأنني لا أستطيع تحمل تكلفة تقديم وجبة صحية لهم؟".

وتتابع، "ليس هناك من يريد أن يطلب من أطفاله أن يرتدوا طبقة أخرى من الثياب لأن قربة الماء الساخن [تستخدم لتوفير الدفء للجسد] والطبقات الثلاث التي يرتدونها سلفاً لا تكفي كلها لإبقائهم دافئين".

إن الأسطورة القائلة إن الناس فقراء لأنهم كسالى لديها جذور قديمة على الرغم من عدم وجود قدر شحيح من الأدلة التي تدعمها. وكان كتيب يعود إلى عام 2012، وضعته مجموعة من السياسيين المحافظين، قد تهجم على مواطني المملكة المتحدة لأنهم "أسوأ الكسالى في العالم"، وادعى أن أماكن العمل في البلاد "تشجع على الكسل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان بين مؤلفي هذا الكتيب المليء بالتهجم اللفظي ما لا يقل عن أربعة من الأعضاء البارزين لمجلس الوزراء الحالي وهم: ليز تراس، وكواسي كوارتنغ، ودومينيك راب، وبريتي باتيل.

وحصل ذلك تقريباً في الوقت الذي روجت فيه حكومة ديفيد كاميرون عبارة "المناضلون مقابل المتسلقين"، وهو وصف مثير للانقسام بطبيعته إذ انطوى على أن عدداً كبيراً من الناس هم ببساطة لا يريدون وظائف، وأن هؤلاء المحظوظين بما فيه الكفاية ليحصلوا على الوظائف يجب أن يكونوا غاضبين منها.

وفي ذلك الوقت، ارتفعت نسبة البطالة بشكل حاد إلى أعلى مستوى لها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بسبب الأزمة المالية العالمية وسياسات التقشف التي تم تفعيلها كرد على الأزمة، لكن كان للرسالة صدى واضح بين الناخبين على مر السنوات.

في عام 1984، سعى ماثيو باريس، وهو كاتب عمود في صحيفة "التايمز"، وكان آنذاك نائباً جديداً عن حزب المحافظين، إلى إثبات أن حكومة تاتشر كانت محقة في خفض الإعانات الحكومية بـ5 في المئة. وقد أمضى أسبوعاً في نيوكاسل وهو يعيش على الإعانة التي تقدم للعاطلين عن العمل، فيما كان يصوره طاقم تابع لتلفزيون" أي تي في".

وكان باريس الواثق من براعته في وضع الميزانية، قد توقع بأنه سيوفر 3 جنيهات استرلينية مع حلول نهاية الأسبوع. إلا أنه تجاوز ميزانيته في اليوم السابع وبقي بيته التابع للمجلس البلدي غارقاً في الظلمة ومن دون تدفئة. ويعتبر الفيلم الذي تبلغ مدته 22 دقيقة عرضاً ماهراً للتنافر المعرفي، إذ يدرك فيه النائب الشاب بشكل بطيء أن العاطلين عن العمل الذين يلتقي هم، وخلافاً لما كان يظنه سابقاً، ليسوا كسالى على الإطلاق.

وبعد يومين [من بدء التجربة]، يقرر باريس الذهاب لتناول كأساً كبيرة من البيرة الإنجليزية الداكنة في نادي الرجال العاملين، ومن ثم يقوم برحلة لمشاهدة فريق نادي نيوكاسل يونايتد وهو يلعب كرة القدم. ويقر بأن الانغماس في متع من هذا النوع ليس ترفاً هو أمر يمكن تفهمه في الحقيقة عندما يكون "لديّ القليل جداً الذي أستطيع أن أفعله، فهناك القليل جداً الذي يمكنني تحمل تكلفة القيام به"، على حد تعبيره هو.

وإذ لم تزعجه تجربته التأديبية هذه، فقد تشبث باريس برأيه. وعلى الرغم من عدم قدرته على البقاء 7 أيام في تلك الحالة الهزيلة التي تسمح بها مساعدات الحكومة، فقد أصر على أنه كان من الصواب أن 3 ملايين من العاطلين عن العمل يجب أن يفعلوا بالضبط ذلك [ما عجز هو عنه]. وجادل بأن الفقر هو ثمن عادل يجب دفعه للتأكد من أن العاطلين عن العمل لن يقعوا ضحية للشر الأكبر المتمثل في التحول إلى اتكاليين يعتمدون على الصدقات.

إن الوضع الذي تواجهه عائلات مكافحة مشابه بشكل لافت لذلك الوضع في 1984، بيد أن هناك فرقاً مهماً. لم يعد من الممكن الجدال، حتى من قبل عُتاة التاتشريين، بأن ملايين الناس الذين يواجهون شظف العيش هم في وضع صنعوه بأنفسهم. إن نسبة البطالة منخفضة، لكن معدل الفقر يرتفع. والغالبية الساحقة المتأثرة بأزمة تكلفة المعيشة هم ممن يعملون، لكن بعد 14 عاماً من النمو الاقتصادي الهزيل والأجور الراكدة، فهم لا يتقاضون ما يكفي.

كارولين رايس، أم عزباء عاملة، إيرلندا الشمالية

في قرية صغيرة قرب إنيسكيلين في إيرلندا الشمالية، قضت مساعدة التدريس كارولين رايس، 48 عاماً، ليالي الشتاء الباردة وهي تلتصق بابنتها وتتدثران معاً بالبطانية أمام موقد الفحم لأنها لم تستطع تحمل تكلفة التدفئة.

وهي تشعر بالخوف لدى التفكير بما سيحمله الشتاء القادم. وتلفت إلى أن "الجو هنا في إيرلندا الشمالية يصبح بارداً حقاً. فليس كل مكان [بارد بشكل معتدل] مثل لندن".

وتعمل رايس، لكن دخلها لا يكفي لتدبر أمورها. ليس هناك تمديدات لأنابيب الغاز في المنطقة، وقد زاد سعر وقود التدفئة بأكثر من الضعف هذا العام. وهو غير محمي بسقف أسعار الطاقة، كما أن الشركة الوحيدة التي توصله إلى بيت رايس قد رفعت أخيراً الحد الأدنى للطلب إلى 150 جنيهاً استرلينياً [نحو 186 دولار].

 

وتذكر رايس، "لم أطلب شراء الوقود منذ بداية الجائحة، فقط لأنه لا يمكن أن يتوفر لديّ 150 جنيهاً استرلينياً أبداً. لم أملك مثل هذا المبلغ النقدي على الإطلاق". وقد اقتصدت رايس في استعمال الوقود الذي اشترته في أوائل 2020 ليظل إلى أطول وقت ممكن وهو الآن على وشك النفاذ. لم يتبقَ لديها منه إلا قدر محدود ستقتصد به لبضعة أسابيع.

وتضيف، "نشغل التدفئة لنصف ساعة حين أوقظ ابنتي للذهاب إلى المدرسة. وهذا كل شيء. وإذا  كان البيت بارداً فعلاً حين أعود من العمل، فإنني أشغل التدفئة لعشرة دقائق فيما أشعل الموقد. وبمجرد إضرام النار تنطفئ التدفئة".

وتتابع، "إلى أي مدى يمكنك تقليص شيء ما كنت تقلصه على الدوام خلال الـ18 شهراً الماضيين؟".

وحتى الفحم الحجري يصبح أغلى ثمناً. وإذ كان سعر الكيس في الدكان القريب من بيت رايس 6.5 جنيه استرليني، فهو ارتفع إلى 8.99 جنيه استرليني، وصار الآن 10 جنيهات استرلينية [نحو 12.5 دولار]. وتوضح رايس أن "هذا ليس الأرخص، ولكن من الممكن تحمل تكلفته أكثر من غيره بالنسبة لي لأنه مبلغ صغير في كل مرة".

وثمن الطعام هو أيضاً أعلى في الحوانيت المحلية، لكن على رايس أن تقبل بالأسعار لأنها لا تستطيع تحمل أجور السفر إلى البلدة. وهذا مثال على ما يعرف بعلاوة الفقر [التكلفة الإضافية التي تترتب على الفقير]، حين يكون العيش على دخل منخفض أغلى بسبب عدم قدرة الفقير على تسديد تكاليف الأشياء بشكل مسبق.

وتفيد رايس بأن مؤونتها الغذائية قد تضاءلت أيضاً وباتت خزانة الطعام لديها فارغة. وتقول، "اعتدت أن تكون لديّ خزانة مليئة بالأغذية الأساسية، لكن لم يتبقَ منها شيء".

وتعيش رايس في قلق دائم من أن المشكلات الثانوية، مثل لمبة محروقة، أو إطار مفرغ من الهواء، ستتمخض عن دفع تكاليف لا يمكنها تحملها. وهي تعمل بدوام جزئي لأنها تحتاج إلى العناية بابنتها الصغيرة، فرعاية الأطفال باهظة التكلفة إلى درجة لا تطاق.

وتذكر، "أنا أعمل. وهناك أشخاص يعيشون على الائتمان الشامل ولا يستطيعون العمل. لا يجب الحكم عليهم، لأنهم ربما يعانون إعاقة، أو لديهم أطفال صغار".

وهي تعتقد أن بعض السياسيين قد زادوا من الانقسام بشكل ساخر وخلقوا نظاماً "صار الناس فيه يحسدون الآخرين الذين يكافحون حقاً".

وتردف، "هناك فكرة [تتمثل في قول شخص عن آخر] "حسناً إنه حصل على 200 جنيه استرليني [نحو 249 دولاراً] من الحكومة، فلماذا لم أحصل عليها أنا؟".

وأعضاء البرلمان "لا يفهمون أزمة تكلفة المعيشة نهائياً" على حد تعبيرها. وتضيف، "إنهم لن يعرفوا إطلاقاً الواقع الذي لا تملك فيه 150 جنيهاً في حسابك المصرفي كي تملأ وقود التدفئة في الخزان، أو الذهاب إلى الحانوت لتسأل عن سعر كل شيء من أجل التأكد من أن لديك ما يكفي من المال في محفظتك".

كاثي ميلوارد، 37 عاماً، ستوكبورت

كانت كاثي عاجزة عن العمل بسبب الاضطراب ثنائي القطب. ولجأت في الصيف الماضي إلى بنوك الطعام التي تديرها منظمة "تراسل تراست" Trussell Trust، وذلك لضمان أن تستطيع هي وابنها ماثيو الذي يبلغ 6 سنوات من العمر تناول الطعام. لقد ولت الملذات الصغيرة من زمن طويل. وثمة شك في إمكانية قضاء إجازتها هذا العام، وهي رحلة إلى ساوثبورت بمناسبة عيد ميلاد صديق.

وتقول، "لا يجري الكلام بالطبع عن رحلة [استجمام] بحرية في منطقة البحر الكاريبي، ولكنني أخشى أننا لن نستطيع الذهاب هذا العام حتى لليلة واحدة".

تلوح زيادة فاتورة الطاقة لشهر أكتوبر (تشرين الأول) في الأفق، وليس لديها فكرة كيف ستدفعها. وارتفعت مدفوعاتها سلفاً من 70 إلى 150 جنيهاً استرلينياً [نحو 187 دولاراً] في الشهر الواحد. وتلاحظ وهي تحاول أن تضحك على المفارقة، "إنه أمر مستحيل حقاً... من أين تأتي كل هذه الأسعار؟ يبدو الأمر وكأنها تأتي من المجهول".

 

وتتابع، "أنا فقط لا أعرف ما الذي أخطط له، حتى ولو كانت هناك طريقة للتخطيط للأشياء. لقد فعلت كل ما بوسعي لأقتصد وجعل ما معي يغطي حاجاتي الأساسية كلها".

وقد جعلها الوضع الحالي قلقة وتشعر بأنها "فقدت السيطرة". وإن فكرة أن تصبح هي وماثيو قريباً مشردين هي فكرة حقيقية ولا تغيب عن بالها تقريباً، فقد قيل أخيراً لبضعة جيران أن عليهم أن يدفعوا 150 جنيهاً إضافية للأجرة.

وتضيف، "أرى أصدقاءً مقربين يجري طردهم لأنهم لا يستطيعون دفع الأجرة، وهؤلاء أشخاص ممن تظن أن ذلك لن يحصل لهم على الإطلاق... إذا حدث ذلك، فسأكون قد علقت. لا أعرف ما الذي سأفعله لأنني لا أستطيع حتى تحمل نفقة الانتقال. ليس لديّ أي نقود لأدفعها لشاحنة النقل".

وتردف، "أتوقع في أي لحظة أن يطلب صاحب البيت رفع الأجرة بـ100 جنيه استرليني [نحو 124 دولاراً]. وهذا يقلقني فعلاً كأم عزباء. لا أريد أن تنقلب حياة ابني الصغير رأساً على عقب".

وتتابع كاثي، "أعرف أن بيتنا عتيق حقاً... إنه رديء بعض الشيء، لكنه بيتنا. إنه [يعني] الأمان، وهو البيت الذي تعودنا عليه".

وهي تؤنب نفسها من وقت إلى آخر حين تنفجر غاضبة من ابنها لأنه لم يكمل كأس الشاي. وتقول، "لم يقدر قيمته، إنه في السادسة من العمر". غير أن كاثي تعرف قيمة كل لقمة لأنها تعني العثور على مال في الميزانية حين لا يوجد فيها شيء ببساطة.

ماذا بعد؟

من المقرر أن يزداد الوضع الذي تواجهه الملايين من العائلات ذات الدخل المنخفض سوءاً بشكل كبير هذا العام فيما يصل معدل التضخم إلى 10 في المئة. ويعني هذا أن الأسعار سترتفع بشكل أسرع من متوسط الأجور بمرتين ومن مدفوعات الإعانات بأكثر من ثلاث مرات. وفي الحقيقة من المرجح أن يكون الأمر حتى أسوأ من ذلك، لأن أسعار المواد الأساسية التي تنفق العائلات الفقيرة قسطاً كبيراً من مداخليها عليها، آخذة بالارتفاع بشكل أسرع.

وبينما من المقرر أن تصل نسبة التضخم هذا العام إلى 10 في المئة، فإن أسعار السلع الأساسية قد ارتفعت أكثر من ذلك، فقد زاد ثمن الوقود بنسبة 23 في المئة، والطاقة بـ54 في المئة، والثياب بـ12 في المئة، والحليب بـ17 في المئة والبندورة بـ14 في المئة.

وستشهد مداخيل العائلات الأكثر فقراً في بريطانيا خفضاً يبلغ 663 جنيهاً استرلينياً بالقيمة الحقيقية [بعد أخذ تداعيات التضخم في الاعتبار]. ويضاف ذلك إلى خفض سنوي قدره 1000 جنيه استرليني [نحو 1246 دولاراً) [تم تطبيقه] في نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما جرى إلغاء الزيادة المؤقتة في المساعدات. وكان المعدل الأساسي للمساعدة التي تدفع لدعم العاطلين عن العمل، وهو 73 جنيهاً استرلينياً (نحو 90 دولاراً) في الأسبوع، حتى قبل أزمة هذا العام أقل من نصف المبلغ اللازم فعلاً لتجنب الفقر المدقع.

وتسبب وضع سقف للمساعدات مع تحديد عدد الأطفال المستفيدين باثنين، اللذين دخلا حيز التنفيذ في ظل حكومة كاميرون، بزيادة الضغط على العائلات ذات الدخل المنخفض، ما جعل مزيد منها تعاني الفقر.

ويتشكل حالياً إجماع واسع على أن حزمة رئيسة من الدعم المالي المستهدف لإعانة من هم في أمس الحاجة، قد صارت ضرورة ملحة.

إلا أن سوناك، وهو وزير المالية الأكثر ثراء في تاريخ بريطانيا، قد تجاهل حتى الآن النداءات بتقديم المساعدة، على الرغم من التحذيرات المتعلقة بالخسائر البشرية [الناتجة من هذا]. وتقول أوغيلفي، "بوسع الحكومة أن تقرر القيام بشيء حيال ذلك... بيد أنهم لم يتخذوا ذلك القرار حتى الآن، لكنني بصدق لا أفهم كيف يتوقعون أن يتمكن الناس من الصمود لنهاية العام الحالي من دون تقديم مزيد من الدعم لهم".

وتشير أوغيلفي، التي بدا عليها السخط بوضوح، إلى أن النصائح التي تقدمها للناس قد نفذت كلها. وتعتبر "أن من المروع مواجهة وضع كهذا. هناك عدد كبير من العائلات المحرومة من الأشياء التي يحتاجون إليها لكي يعيشوا".

وتعتقد أوغيلفي أن وزير المالية قد خذل الناس الذين هم في أمس الحاجة إلى مساعدته. وترى أن "الأطفال في نهاية المطاف يدفعون ثمن القرارات التي تتخذها الحكومة"، لافتة، "كل ما يمكن أن يسهم في توفير بداية كريمة لحياة الطفل فهو يحرم منها، ولم يبقَ هناك شيء يستطيع الآباء أن يفعلوه، أي شيء على الإطلاق".

وفي إنيسكيلين، تأمل [كارولين] رايس أن المحنة الجماعية الناجمة عن هذه الأزمة قد تؤدي إلى جعل مزيد من الناس يبدأون في إدراك نوع الحياة التي يعيشها الناس المكافحة في المملكة المتحدة. وتقول، "إنه لأمر شنيع أن أقول... لن أتمنى لأي شخص أن يصل إلى وضع يضطر فيه إلى تقنين التدفئة أو الطعام، غير أن الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أمل بتحققه هو أن يبدأ الناس في رؤية أن ذلك ليس سهلاً".

وتزيد، "آمل أن يبدأوا في التفكير [وأن يسألوا أنفسهم]: هل تستطيع أن تتخيل الضغط؟ هل تستطيع أن تتخيل الفواتير؟ هل تستطيع أن تتخيل كم من الصعب أن تعيش بهذا الشكل؟". وتعترف رايس، "كل ما يمكنني أن أتمناه هو أنهم سيتبدلون ويقولون: أتعلم، إن هذا لم يعد جيداً بما فيه الكفاية".

*نشر المقال في اندبندنت بتاريخ 17 مايو 2022

© The Independent