Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلغاء منصب وزير شؤون الشرق الأوسط يعيق نشاط "بريطانيا العالمية"

إقالة المملكة المتحدة وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيق مهام وزارة الخارجية ويكبح تأثير بريطانيا العالمية

تخاطر المملكة المتحدة بإغفال منطقة جيو-استراتيجية بغاية الأهمية تتمثّل في الشرق الاوسط (غيتي)

تشهد المملكة المتحدة انعطافاً في سياستها الخارجية، وتناول عدد من الخبراء في السياسة الخارجية هذا المنحى. ومنهم ديفيد لورانس من "شاثام هاوس". فكتب:

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت المملكة المتحدة منشغلة بإعلان خططها "للتوجّه" نحو المحيطين الهندي والهادئ بهدف مواجهة الصعود الصيني من جهة والسعي إلى اقتناص فرص تجارية جديدة من جهةٍ أخرى.

ووسط هذا التركيز الجيو-سياسي في أوروبا وآسيا، تخاطر المملكة المتحدة بإغفال منطقة جيو-استراتيجية بغاية الأهمية تتمثّل في الشرق الاوسط. وكان جيمس كليفرلي وقبله أليستار بورت يتوليان المنصب الوزاري الخاص بشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية والذي تمّ إلغاؤه من دون جلبة خلال مارس (آذار) المنصرم. وعوضاً عن ذلك، سيكون كليفرلي مسؤولاً عن أوروبا والأميركتين وإيران فيما ستتولى أماندا ميلينغ مسؤوليات ما تبقى من منطقة الشرق الأوسط.

يأتي ذلك بعد ثلاثة أشهر من قيام المملكة المتحدة بإلغاء 90 مليون جنيه استرليني (113 مليون دولار) من الميزانية المقررة لإدارة فض المنازعات فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فضلاً عن اقتطاع 50 في المئة من الميزانية المخصصة للعمل على حماية الأطفال من خطر الألغام فى كل من سوريا ولبنان وكذلك ميزانية برامج المساعدات المخصصة للاجئين السوريين.

التوجه البريطاني شرقاً

من الصعب رؤية كيف سيحظى كلّ من أماندا ميلينغ وجيمس كليفرلي بالوقت للتركيز على الشرق الأوسط إلى جانب كلّ الأمور الأخرى. فسيتوجّب على كليفرلي منطقياً منح الأولوية للنزاع في أوكرانيا وتداعياته الطويلة الأمد، كما سيتحتّم عليه الإشراف على العلاقة الأوسع التي تربط المملكة المتحدة بأوروبا. وسيكون على ميلينغ تولّي مسألة الصعود الصيني والطموحات التجارية والدفاعية لبريطانيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ مما قد يؤدي خلال السنوات القليلة المقبلة إلى زيادة التوترات المتعلقة بتايوان.

ومنذ وقت ليس ببعيد، كانت منطقة الشرق الأوسط نقطة التركيز الأبرز للنشاطات العسكرية والدبلوماسية للمملكة المتحدة. ويمكن القول بأنّ حكومة كاميرون بدأت "انحرافها" أو "ميلها" نحو التوجه شرقاً قبل بريكست بوقتٍ طويل. بالنسبة إليهم، لم يكن التوجه شرقاً مرتبطاً بمنطقة المحيط الهادئ وحسب، أو بالتصدّي للصين، بل بالاستفادة من فرص تجارية واستثمارية جديدة تمتدّ من أبو ظبي إلى شنغهاي.

لماذا يبقى الشرق الأوسط منطقة حساسة

لا شكّ في أنّ مغادرة المنطقة في وقت يتفاقم عدم الاستقرار الجيو-سياسي يُعتبر خطأ جسيماً. وفيما قد تشكّل الصين والولايات المتحدة وروسيا العناوين الأولى البارزة على الساحة، ستبقى منطقة الشرق الأوسط تضطلع بأهمية في غاية الحساسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بادئ ذي بدء، تشكّل المفاوضات المذكورة آنفاً لخطة العمل الشاملة المشتركة في إيران بحدّ ذاتها سبباً كافياً للحفاظ على النشاط في المنطقة. وتُعتبر سياسات الاتفاق وخصوصاً بعد خروج ترمب من السلطة بغاية الحساسية. فمن شأن التوصّل إلى نتيجة سلمية ومستدامة أن يستوجب مهارة تكتيكية استثنائية والتزاماً طويل الأمد. بالتالي فإنّ صرف الاهتمام الرسمي عن المنطقة ونقل الوزراء بشكلٍ مستمر ليس الطريقة المثلى للفوز بالثقة أو لإقناع الشركاء في الشرق الأوسط بأنّ المملكة المتحدة تأخذ مخاوفهم على محمل الجدّ.

بيد أنّ الاتفاق النووي الإيراني ما هو إلا قمّة الجبل الجليدي. إذ يشكّل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة حساسة للأمن العالمي على مختلف الجبهات. ففي الجانب المناخي، سيُعقد مؤتمرا الأمم المتحدة للتغير المناخي القادمين "كوب" COP في المنطقة: هذا العام في شرم الشيخ والعام المقبل في الإمارات العربية المتحدة. وعلى صعيد اللاجئين، مع استمرار عدم الاستقرار السياسي في تهجير العائلات، سيستمر هذا الأمر في ترك آثار كبيرة على الدول الأوروبية. وعلى صعيد الإرهاب الذي يستمر في تهديد الغرب، فهو لا يزال يشكّل واقعاً يعيشه الكثير من بلدان الشرق الاوسط.

وتبرز مسألة قلق إضافية تتمثّل في أنّ السنوات القليلة المقبلة ستشهد عودة الجغرافيا السياسية للنفط. ومع فرض البلدان الغربية عقوبات على روسيا وقطع إمدادات الغاز الواردة منها، فمن المرجح أن ترتفع أسعار النفط بشكلٍ ملحوظ.

وسيتحتّم على "أوبك+" (OPEC+) (أوبك+ هو اتفاق يضم 23 دولة مصدرة للنفط منها 13 دولة عضواً في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والتي تضمّ روسيا أن تتخذ قراراً إن كانت ستزيد من إنتاجها أم لا. ومن شأن عوامل عدة كعدم اليقين في ما يتعلق بالاتفاق الإيراني والفوضى في ليبيا وانتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة والتعافي الاقتصادي في أعقاب جائحة "كوفيد 19" أن تعني المزيد من التقلّبات في أسعار النفط. فبعد هدوء نسبي امتدّ على عدّة عقود، من المتوقع أن تعود الجيو-سياسة النفطية والتحوّل في مجال الطاقة بزخمٍ كبير إلى الواجهة.

فضلاً عن ذلك، يشكّل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مناطق محورية في صراع الأفكار بين الغرب والأنظمة الاستبدادية. وفي هذا السياق، استثمرت الصين بكثافة في أفريقيا، ليس في الجانب التجاري وحسب بل أيضاً في القواعد العسكرية ووسائل القوة الناعمة فيما ترى روسيا بعض أجزاء الشرق الأوسط على أنها تقع ضمن نطاق نفوذها.

وختم لورانس باستنتاج أن الشرق الأوسط في براثن قوى غير أوروبية أو أميركية في انعطاف عما كانت عليه الأحوال في هذه المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية وأفول الاتحاد السوفياتي. وكتب: "مع قيام المملكة المتحدة بخفض ميزانيتها التنموية، وخصوصاً في ما يتعلّق بالمشاريع في أفريقيا، ومع خروج فرنسا من مالي، تواجه منطقة جيو-استراتيجية بغاية الأهمية خطر الوقوع بين أيدي مصالح قوات منافسة غير غربية".

المزيد من تحلیل