Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كريستيان مونجيو يحمل الخوف من الغرباء الى "كان"

الفيلم الروماني "رنين مغناطيسي نووي" يطرح قضية الصراع الخفي بين الثقافات

الخوف من الغرباء في الفيلم الروماني (الخدمة الإعلامية)

في اليوم الخامس من مهرجان "كان" السينمائي، بدأت تتكون ملامح الدورة الـ75، لا سيما مع عرض فيلم "رنين مغناطيسي نووي" للمخرج الروماني كريستيان مونجيو الذي يعود إلى المكان الذي أطلقه دولياً قبل 15 سنة. هناك اسطورة يتداولها البعض عن أن ادارة المهرجان ترمي عملاً مهماً في منتصفه لشد العصب السينيفيلي. قد يكون هذا الكلام صحيحاً، فجديد مونجيو لا يكذّب هذا الخبر. خرجنا منه ونحن نغني بالرغم من قسوة الأشياء التي يرويها والشخصيات التي يصورها والقراءة التي يقترحها للواقع. بحساسيته الفنية وعينه الفاحصة وموهبته في التسلل إلى عمق المجتمع، يقدّم مونجيو عملاً فيه كل المواصفات لنيل "السعفة"، علماً أنه خلال مشاركاته الثلاث في "كان"، لم يخرج يوماً من المسابقة بلا جائزة، بدءاً من باكورته "4 أشهر، 3 أسابيع ويومان" التي نالت الجائزة الأرفع. 

هذه المرة، يضع مونجيو كاميراته في عمق ترانسيلفانيا حيث قرية تتميز بالتنوع. رومانيون وهنغاريون وألمان يعيشون تحت سماء واحدة. قرية انعزالية يخاف سكّانها الآخر الآتي من خارج الحدود. حياة عادية ومكررة يعيشها أهلها لولا أن الاستعانة بعمّال أجانب في مصنع للخبز، ستفجّر غضبهم إزاء هذه المسألة، فتفتح كل الجروح وتغدو مناسبة لبوح المشاعر السلبية الدفينة. السكّان بغالبيتهم الساحقة، يرفضون أن تمس أياد أجنبية الخبز الذي سيأكلونه. لا يريدون غرباء في قريتهم، إذ يعتقدون بأنهم سيأتونهم بالأمراض ويشكلون خطراً على أمنهم وسلامتهم. ينظرون إلى أصحاب الديانات الأخرى كقنابل موقوته، ضاربين المثل بباريس كمدينة شهدت "غزوة" لدرجة، ما عاد هناك فرنسسيون فيها بحسب أقوالهم. هذا كله سيفضي إلى مشهد بديع مصوَّر بلقطة واحدة يجتمع فيه الأهالي لمناقشة ما إذا كان يجب طرد العمال السيريلانكيين الذين يعملون في مصنع الخبز، علماً أن الأهالي أنفسهم رفضوا هذه الوظائف مفضّلين العمل خارج حدود بلادهم.

القضية الشائكة

مشهد ذكي يلخّص تراجع مستوى العيش والصراع الخفي بين الثقافات، ويحمل الفيلم إلى مستوى آخر من المعالجة لقضية شائكة. اللقطة الواحدة المستمرة نحو 20 دقيقة هي تكريس لفكر سينمائي ينتصر للصفاء وينبذ مقص المونتاج. فيه نكتشف العقلية السائدة في منطقة عانت طويلاً من العنصرية والتمييز قبل ان يبدأ سكانها بمعاملة الآخرين كما عوملوا. هذا ليس تبريراً، وفي أي حال لا توجد نبرة تبريرية في الفيلم. النقاش الحاد الذي نشهده بين أكثرية مناهضة للعمالة الأجنبية وقلة مدافع عنها (لأسباب عملية ونفعية) واقعي جداً، بلا أي ماكياج أو إقصاء لأي نوع من أنواع التفكير الذي يسود المجتمعات الصغيرة التي تخاف على نفسها وهويتها وكيانها. بعيداً من الصواب السياسي والإدانة، يحاول مونجيو فهم حججهم من دون تأييدها بالضرورة. يدعونا إلى الانصات، في خطوة مفهومة لإعطاء هؤلاء الناس نافذة على الكلام في زمن الكذب والنيات الحسنة والتظاهر الفارغ بالإنسانية التي يخفي أحياناً أكاذيب وعنصرية أشد من البوح المباشر بها.

يبني مونجيو فيلمه على شكل بازل. هناك عدد من الأحداث المتداخلة التي تجري بالتزامن بعضها مع بعض. بدايةً مع الصبي الذي نكتشفه في بداية الفيلم وهو يعبر الغابة للتوجه إلى المدرسة، فيرى شيئاً لا نراه يسمّره في أرضه، وهذه الحادثة ستبقى غامضة. لكن، سيتم الاتصال بوالده الذي يعمل في مسلخ في ألمانيا، ليعود إلى قريته قبل آوان عودته. هذا الإبن الغارق في الصمت سيغضبه، أما زوجته فسيفضّل عليها عشيقة تعمل في مصنع الخبز الذي سيخلق كل المشاكل التي سنراها. الرجل هذا هو الرابط بين الأحداث وصلة الوصل بينها.  

حلقات متداخلة

يدور الفيلم في حلقات متداخلة. يجول مونجيو على أهل القرية في نوع من تلسكوباج يملك سره، لكن ليس من دون ان يزرع فجوات وثغرات في أماكن متفرقة. طوال الساعة الأولى، لا نعرف إلى أين يحملنا لكن كلنا ثقة فيه، وهذه ميزة عند السينمائيين الكبار. الأحداث والشخصيات تولد بعضاً من رحم بعض. لقطة بعد لقطة، تتكون لدينا صورة شاملة لما هي الأوضاع في منطقة تقع على تخوم أوروبا وذلك ضمن دراسة تكاد تكون أنتروبولوجية من شدة إمعانها في الواقعية الاجتماعية العزيزة على قلب مونجيو. يمزج الأخير أكثر من جمالية في فيلم واحد، أكثرها إتقاناً يذكّرنا بنوري بيلغي جيلان. مشهد في الغابة حيث الأوراق تتطاير كفيل يصنع تشابه بينه وبين زميله التركي.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مونجيو الذي يُعد أحد كبار السينما الرومانية المعاصرة، يقول إن الواقع مهم طالما أنك تثبت أن كل ما يتضمنه هذا الواقع مهم أيضاً. في نظره، ليس على الفنان أن يقرر ما يستحق أن يُنقل إلى الشاشة وما لا يستحق، فكلّ شيء أهميته في ذاته. "إذا كنت تنجز فيلماً واقعياً، فعليك أن تشرّع الباب لكلّ الأشياء الصغيرة كي تتسلل إلى داخل بنيتك السردية الواقعية". أما أحد المواضيع المتكررة في أعماله فهو يسجّل حضوراً قوياً في جديده: الإحساس بالذنب. هناك عدد من الشخصيات تعاني منه ولو من دون أن تفصح عنه. تُرى من أين يأتي هذا الإحساس عند مونجيو؟ يقول: "إنه متأتٍّ من المواقف الأخلاقية التي أجبرتُ على أخذها عندما وضعتُ أمام حوادث معينة. عندما تكون أمام حال كهذه، يبقى الشعور بالذنب رفيقاً دائماً لك، مهما فعلت". 

المزيد من سينما