أسامة بعلبكي شاعر المنظر الطبيعي الشامل... بريشته المائية

الفصول تتعاقب في اللوحات المدينية والريفية

لوحة مائية للرسام اسامة بعلبكي (اندبندنت عربية)

دأب الفنان أسامة بعلبكي على استيحاء الشعراء بأشخاصهم ووجوههم وأجوائهم فرسم بودلير وغارثيا لوركا ورينه شار ومحمد العبدالله وسواهم... فهو أولاً قارئ شعر من الطراز الرفيع، وقد وسمت أجواء الشعر معظم أعماله التشكيلية وأمدتها بالكثير من الشفافية والنداوة وأسبغت عليها مسحة ميتافيزيقية وجمالية. ولعل نزعة أسامة الشعرية تتجلى كثيراً في معرضه الجديد "مائيات" الذي يقام في غاليري صالح بركات (بيروت، شارع الحمراء)، فاللوحات المرسومة بالألوان المائية تفيض أضواء وظلالاً، مشرقة حيناً إذا حضرت فيها زرقة السماء والبحر أو الماء وبهجة الشمس، وقاتمة قليلاً حيناً آخر، إذا كانت السماء مدلهمة بالغيوم شتاء أو كئيبة كآبة الخريف. وكم تبدو عين أسامة وريشته كما مخيلته، قادرة على رصد حركة الفصول، تمنح كل فصل ألوانه وتدرجاتها، إضافة إلى الإحساس الذي يتركه المشهد على تنوعه، في النفس وفي عيون المشاهدين الذي يتأملون اللوحات. إنها الفصول تنسرح هنا، بما تحمل من أحوال روحية، مشرقة وفرحة في أوج تجلي الضوء الطبيعي (أصفر الشمس أو زرقة السماء والبحر) وكئيبة أو حزينة في أوج تلاشيه (الغيوم الرمادية، الغسق الشتائي).

إلا أن الرسام في رصده حركة الفصول إنما يرصد أيضاً ما يسمى تحولات المنظر اللبناني، المديني والطبيعي، وهذا المنظر على تعدده، هو المكان الأثير للرسام، وقد أكب على تجسيده في معظم لوحاته، بالأسود والأبيض ثم بالأكريليك ثم بالألوان المائية. ومن الأكيد أن الإنسان لم يغب عن لوحات أسامة، فهو يحضر بجسده كما يحضر بروحه ومشاعره. والمنظر الطبيعي الذي لا يخفي انطباعيته ولا تعبيريته الشعرية، تتداخل فيه الأبعاد والخلفيات وزوايا النظرة. تحضر الجبال هنا ولكن انطلاقاً من المدينة أو ضواحيها، يحضر البحر وكأنه جزء من المشهد المديني، وتتآخى الأبنية البيروتية القديمة والحديثة مع الأشجار والنباتات، الشوارع مع ما تبقى من فسحات خضراء داخل المدينة... أسامة بعلبكي رسام المنظر الشامل الذي لا تنفصل فيه العناصر بعضها عن بعض، مهما اختلفت وتنافرت.

أما ريشة الرسام اللونية فهي على مقدار من الرهافة المحفوفة ببداهة الانطباع الأول، العفوي والسريع. لكن الريشة لا تتخلى عن ضربتها العريضة ولطختها حتى وإن بدت خفيفة الوقع، متخففة من الدقة التقنية النافرة. فاللوحة المائية هنا لا تتخلى عن ذاكرتها التي هي ذاكرة الرسام وذاكرة ريشته. أحياناً يعتكر المنظر حتى ليغدو شاشة لاعتكار العين والروح. ولعل هذا ما يميز مائيات الرسام، ويجعلها تتحاشى أشراك الخفة التي تتهدد الرسم المائي عادة. فالمشاهد التي يرسمها بعلبكي لا تخلو من التأمل ولو العابر ولا من النظرة الداخلية ولا من "الترددات" النفسية التي تساهم في إثراء الغنائية الرقيقة والكثيفة التي تجاهر بها اللوحات. ولعل أسامة، بهذه الغنائية يسلك مسلك الشعراء الذين تتصاعد أناشيدهم من أعماق الجرح الداخلي، الذي هو جرحهم وجرح الوجود في آن واحد.

المزيد من ثقافة