Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تناقض اقتصادي في أميركا... والطرق كلها تؤدي إلى الركود!

زيادة الفوائد لمحاربة التضخم تدفع الدولار إلى مستويات قياسية... لكن ماذا لو تراجع النمو وبقيت الأسعار مرتفعة؟

يخشى الاقتصاديون دخول الاقتصاد الأميركي في ركود تضخمي (أ ف ب)

تسيطر على الاقتصاد الأميركي هواجس عدة، متناقضة بعض الشيء، لكن حصيلتها واحدة: هبوط مستمر في أسواق المال.

أحد هذه الهواجس هو الارتفاع المتواصل في التضخم، أي زيادة مستمرة في أسعار السلع والخدمات.

لمحاربة هذه الارتفاعات، اضطر البنك المركزي الأميركي إلى التدخل عبر رفع الفوائد، ويؤدي ذلك إلى تراجع نمو الاقتصاد، بالتالي ضعف الطلب على السلع والمنتجات، إذ تصبح تكاليف الاقتراض أعلى للأفراد والشركات، ما يفضي إلى عزوف عن الاقتراض وتفضيل وضع الأموال في أصول مستقرة وثابتة، مثل سندات الحكومة الأميركية والودائع.

رفع الفوائد

بدأ البنك المركزي الأميركي هذه السنة رفع الفوائد، المرة الأولى في مارس (آذار) بربع نقطة مئوية أو 0.25 في المئة، والثانية خلال مايو (أيار) بنصف نقطة مئوية أو 0.5 في المئة، بعدما كانت الفوائد شبه صفرية في الولايات المتحدة.

فقد دفع ارتفاع التضخم الذي تجاوز 8 في المئة في البيانات الحكومية الأخيرة إلى إسراع المركزي الأميركي إلى رفع الفوائد لمحاربته.

تضخم مؤقت

في العام الماضي، كان المركزي يكرر أن صعود التضخم مؤقت وناجم عن أزمة سلاسل الإمدادات، إذ أدت الإغلاقات خلال جائحة كورونا في عامي 2020 و2021 إلى تعطل وصول السلع والمواد الأولية والمنتجات والأدوات المطلوبة في أي صناعة أو تجارة أو زراعة إلى الولايات المتحدة. ما أدى إلى تأخر عمليات الإنتاج أو إرجائها. 

وهذا ما حصل، على سبيل المثال، في قطاع السيارات، حيث تعتمد المصانع في الولايات المتحدة قطعاً أو منتجات تأتي من شرق آسيا أو من جنوب أميركا، وعندما تأخر وصولها بسبب إغلاق الأسواق وقيود التصدير والعمل، اضطرت هذه المصانع إلى تأخير الإنتاج. والأمر نفسه في قطاعات وصناعات أخرى.

المتوفر بأسعار مرتفعة

وأصبح ما هو متوافر من سلع ومنتجات في السوق مطلوباً بشدة. بالتالي، ارتفعت أسعاره، وأحدثت التضخم. وتوقع البنك المركزي أن يعود الوضع إلى طبيعته مع عودة افتتاح الأسواق وانتهاء الجائحة. لكن ما حدث في هذه السنة لم يكن في الحسبان. وباتت الحرب الروسية - الأوكرانية عاملاً جديداً يسهم في التضخم.

فقد أثرت الحرب، بداية، على أسعار النفط والغاز التي اشتعلت مطلع السنة، وقفزت فوق مستوى المئة دولار. بالتالي، زادت من تكاليف الإنتاج لأي منتج في العالم يعتمد على الطاقة. في المقابل، لعبت دوراً في زيادة أسعار الحبوب والمنتجات الزراعية الرئيسة، باعتبار أن روسيا وأوكرانيا من الدول المنتجة لهذه السلع.

ثم عادت أعداد المصابين بفيروس كورونا إلى الارتفاع في الصين التي تعتمد سياسة "صفر كوفيد"، ما دفعها إلى إغلاق الاقتصاد مجدداً، مسببة تفاقماً لأزمة الإمدادات.

حسابات مختلفة

كانت هذه العوامل غير محسوبة من قبل المركزي الأميركي، ودفعت نحو استمرار صعود التضخم في البلاد. بالتالي، زادت التوقعات باستمرار زيادة أسعار الفائدة. وتدور المراهنات في "وول ستريت" حول إمكانية رفع الفائدة بنصف نقطة مئوية، خلال الاجتماعات الثلاثة المقبلة للمركزي. ما قد يرفع الفوائد فوق 2.5 في المئة، وهي نسبة كبيرة في عام واحد لم تكن متوقعة، إذ عاشت الولايات المتحدة في العامين الماضيين زمن الفائدة الصفرية التي تكررت في الأزمة الاقتصادية في عام 2008 فحسب.

الدولار القوي

في خضم كل ذلك، ثمة معادلة أخرى قد تعمل لصالح المستثمرين في العملات، إذ يعزز رفع الفوائد تلقائياً قوة الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى. فالاستثمارات تتجه حالياً نحو الدولار كملاذ آمن عبر شراء السندات الحكومية الأميركية المضمونة، على سبيل المثال. وذلك في ظل تقلبات الأسواق الأخرى، خصوصاً الأوروبية التي لا يتضح مدى تأثرها في ظل الحرب في أوكرانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المقابل، تساعد العملة المرتفعة البنك المركزي الأميركي في خفض أسعار الواردات من السلع والخدمات إلى الولايات المتحدة. بالتالي، تخفيض التضخم بشكل غير مباشر. لكنها تهدد أيضاً برفع أسعار الواردات للاقتصادات الأجنبية، مما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم فيها، واستنزاف رأس المال، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة.

وكان الدولار قد ارتفع إلى أعلى مستوياته في عشرين عاماً، وبات قريباً من اليورو الذي سجل أدنى مستوى له في 5 سنوات.

تحديات اقتصادية

ومن تحديات الاقتصاد الأميركي الآن، أن الجمع بين رفع الفوائد لمحاربة التضخم، واستمرار نمو الاقتصاد وصعود الدولار، يشكلان تناقضاً. وهو الرهان في الفترة المقبلة. فرفع الفوائد سيؤدي إلى ضعف نمو الاقتصاد،  بالتالي إلى تراجع قوة الدولار. وأكثر ما يخشاه الاقتصاديون هو دخول الاقتصاد في ركود تضخمي. وهو ما يعني تراجع النمو في وقت تستمر فيه الأسعار في الارتفاع.