Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حقوق الحيوان في العالم العربي ترف اجتماعي أم حاجة؟

معظم مرتكبي الانتهاكات بحقها من الأطفال والقوانين والتشريعات غير فعالة

الأردنية روديكا عثامنة في ملجأ الحيوانات الذي أسسته لحماية الكلاب الضالة (جمعية الربيع لرعاية الحيوان)

بين النظر إليها كترف اجتماعي وتقليد للمجتمعات الغربية، تعاني المنظمات التي تعنى بحقوق الحيوانات في عالمنا العربي سطوة ثقافة اجتماعية سائدة لا تعلي من شأن الحيوانات، ولا تعتبر حقوقها من الأولويات، وتسخر أحياناً من الناشطين العاملين في هذا المجال. وعلى الرغم من ارتباط الحيوان ببيئة المواطن العربي وحياته اليومية، ومعتقداته الدينية، لا تزال المجتمعات العربية تصنف حتى يومنا هذا في خانة الشعوب والثقافات التي لا تحترم الحيوان، وفي مقابل النقاش والجدل في عالمنا العربي حول هذه القضية، يدرس قانون الحيوانات على نطاق واسع في كليات القانون والجامعات في عديد من الدول الغربية، ويطالب دعاة حقوق الحيوان في العالم العربي بالتركيز على مسألة الرفق وتجنب القسوة، واستخدام الطرق الرحيمة للذبح، ووضع قوانين تضبط عملية الصيد الجائر.

ملاجئ للكلاب الضالة في الأردن

في الأردن، تتسع دائرة الاهتمام بإيواء الحيوانات الضالة كالقطط والكلاب في ملاجئ خاصة، بموازاة اتساع ظاهرة الاعتداء على هذه الحيوانات، وجاءت فكرة تجهيز هذه الملاجئ بعد شكاوى من مواطنين أردنيين من تزايد عدد الكلاب الضالة في الشوارع والأحياء السكنية وتسببها بإيذاء الأطفال على وجه التحديد، ووفقاً لتقديرات رسمية، تبلغ حالات الهجوم التي يتعرض لها مواطنون أردنيون من الكلاب ستة آلاف حالة سنوياً، وتكلف خزينة الدولة ما يزيد على أربعة ملايين دولار لعلاجها.

في هذا السياق، تنشط المواطنة الأردنية روديكا عثامنة في حماية الكلاب الضالة من خلال "جمعية الربيع لحماية البيئة والحيوان" التي أنشأتها وتديرها كملجأ في مدينة العقبة، جنوب البلاد، بهدف حماية وإيواء الكلاب الضالة التي تتعرض للإيذاء أو تلك التي تصاب بأمراض، ويؤوي هذا الملجأ، الذي يشرف عليه متطوعون، نحو 400 كلب تم إنقاذها من الشوارع إلى مساحات آمنة مجهزة بالعلاج والغذاء، ويتلقى هذا الملجأ تبرعات من الأفراد والناشطين، بينما أسهمت سلطة العقبة الاقتصادية بالتبرع بقطعة أرض لدعم الفكرة، كما يقدم عدد من الأطباء البيطريين يد المساعدة في علاج وتعقيم هذه الحيوانات حتى لا تتكاثر.

كما افتتح ملجأ "الرحمة" للعناية والرفق بالحيوانات، الذي يقوم بتبني الحيوانات في الشوارع والأحياء، بخاصة تلك التي تصاب بالمرض، وتتعرض لحوادث دهس أو اعتداء أو تسمم، وبعد العناية بها وعلاجها، يتم عرضها على المهتمين بتبنيها ورعايتها في منازلهم، ومنذ ثلاث سنوات استطاع هذا الملجأ الذي يضم 15 متطوعاً، إنقاذ أكثر من 300 كلب. ويقول القائمون على الملجأ أنه قام بجهود عدد من محبي الحيوانات، وبهدف الحفاظ على سلالة الكلاب المحلية في الأردن، التي تسمى الكلاب الكنعانية، بعد تزايد تعرضها للإساءة.

تجارة العناية بالحيوانات

ومع انتشار تربية الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب في الأردن في السنوات الأخيرة، بات الإقبال على مراكز العناية بالحيوانات كبيراً، وتشير إحصائيات إلى وجود نحو 10 آلاف قطة وكلب في منازل الأردنيين، بخاصة أن اقتناءها لم يعد يقتصر على الطبقات الميسورة، ووفقاً للإحصائيات ذاتها، يستورد الأردنيون سنوياً نحو 1000 طن من الأطعمة والأغذية الخاصة بالحيوانات الأليفة، وتختلف دوافع الأردنيين لتربية الحيوانات الأليفة، بين الرفاهية، أو الحراسة، وبموازاة ذلك، نمت تجارة قائمة بحد ذاتها تعتمد على العناية بهذه الحيوانات وتدر دخلاً جيداً على أصحابها، كما تنتشر اليوم في العاصمة عمان مئات المحلات التجارية الخاصة بلوازم الحيوانات الأليفة وأطعمتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يقتصر الأمر على الأردن، بل يمتد إلى الدول العربية، فمنذ سنوات، ثمة اقتصاد مربح يعتمد على هذه الحيوانات الأليفة ومستلزماتها، ويجلب ملايين الدولارات عبر قائمة طويلة من المنتجات والغذاء والعقاقير الطبية، وتزيد مبيعات هذا القطاع عالمياً عن 75 مليار دولار، وازدهر اقتصاد الحيوانات الأليفة بعد سنوات من الدعوة لـ"أنسنة" التعامل معها باعتبارها جزءاً من الأسر والعائلات.

المعاناة في غزة تطاول الحيوانات

في قطاع غزة، يطال البؤس والمعاناة حديقة الحيوانات الوحيدة في خان يونس، ما دفع القائمين عليها قبل سنوات لنقل مجموعة من الحيوانات فيها إلى إسرائيل والأردن وجنوب أفريقيا للعناية بها بعد عجز الغزيين عن توفير المتطلبات الأساسية للعناية بها، وفي الأراضي الفلسطينية تنشط الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان، وهي المؤسسة الوحيدة العاملة في مجال حماية الحيوان، وتحاول هذه الجمعية جاهدة كسر حلقة العنف السلبية، وتثقيف المجتمع المحلي بحقوق الحيوان وضبط سلوكه الجماعي تجاهه، كما تسعى لتعليم الأطفال الصغار وتمكينهم، ومواجهة العراقيل والتحديات التي تواجهها قضايا الرفق بالحيوان في المجتمع الفلسطيني، والعمل مع الجامعات المحلية لإنشاء قانون الرفق بالحيوان في الأراضي الفلسطينية، وتطوير العيادات البيطرية العاملة هناك.

وبلغة الأرقام، يبدو أن ثمة وعياً ينمو بين الفلسطينيين حيال حقوق الحيوانات، إذ زاد عدد الحيوانات التي تم علاجها وعرضها للتبني أخيراً عن 1300 حيوان، كما ارتفعت نسب النجاة من الأمراض لدى القطط والكلاب بنحو 70 في المئة.

حملات تطهيرية

لعل القاسم المشترك الذي يجمع معظم البلدان العربية اليوم في ما يخص حقوق الحيوانات، هي حملات التطهير التي تقوم بها البلديات والسطات المحلية، ويتخللها كثير من العنف والإيذاء والقتل، وينتقدها مناصرو الحيوان، بينما يرى فيها آخرون ضرورة للحفاظ على الصحة العامة، والوقاية من الأمراض والأوبئة، وفي مقابل ذلك، تحاول بعض الدول العربية سن تشريعات وقوانين مناهضة للعنف ضد الحيوانات، ففي الأردن ينص قانون العقوبات على تجريم من يقتل الحيوانات أو يضربها بالحبس والغرامة، بينما اعتمدت السعودية توجيهات صارمة ضد من يسيء للحيوانات ولا يرفق بها، فضلاً عن محاربة تجارة الحيوانات غير المشروعة، وكانت السعودية الدولة الأولى التي أقرت نظام الرفق بالحيوان في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يعاقب منتهكو حقوق الحيوان بغرامات مالية كبيرة، إضافة للتشهير بالصحف ووسائل الإعلام.

اقتناء الحيوانات المفترسة

وتبرز ظاهرة أخرى في بعض الدول العربية، وهي اقتناء الحيوانات البرية الخطيرة والمفترسة كالأسود والضباع، بعيداً من بيئتها ومكانها الطبيعي، بغرض التباهي أو التجارة، وتشير إحصائيات إلى أن التجارة بالحيوانات تأتي في المرتبة الثالثة بالمقارنة مع التجارة بالأسلحة والمخدرات في الشرق الأوسط، وفي عام 2017، وقع الرئيس اللبناني ميشيل عون قانون "حماية الحيوانات والرفق بها" بعد سنوات من مطالب لمنظمات حقوقية، ويشدد القانون على طريقة التعامل مع الحيوانات على أنواعها، ويضبط عملية تملكها، ويحدد الشروط الواجب توافرها في المنشآت.

ودفعت الظروف الاقتصادية الأخيرة في لبنان لتخلي كثيرين عن حيواناتهم الأليفة التي عاشوا معها سنوات إلى جمعيات خيرية للعناية بها لعدم القدرة على رعايتها وتأمين احتياجاتها المكلفة، بخاصة بعد ارتفاع هذه المستلزمات بواقع خمسة أضعاف، حيث يتخطى سعر بعضها 450 دولاراً.

الحياة البرية في الخليج

وتأسست جمعية "البحرين" لمنع القسوة على الحيوانات (BSPCA) في عام 1979 كمنظمة خيرية غير ربحية مكرسة لرعاية الحيوانات، ومنع التعامل معها بقسوة، إضافة إلى السيطرة على عدد الحيوانات الضالة، وتشجيع الناس على تحييد وتعقيم حيواناتهم الأليفة، والضغط على الحكومة لفرض القانون ضد القسوة على الحيوانات وتشديد العقوبة على أولئك الذين تثبت إدانتهم بمثل هذه الأفعال ومنعهم من امتلاك حيوان في المستقبل، واليوم، ثمة مأوى مخصص للقطط في البحرين يأوي العشرات منها، إضافة لمراكز أخرى متخصصة بإيواء الحيوانات الأخرى، وتمتلك البحرين ثلاثة أنواع رئيسة من الحيوانات البرية الفريدة كالظباء والغزلان، والتي تشكل العمود الفقري للحياة البرية، إضافة للإبل والطيور الجارحة كحال معظم دول الخليج.

وفي الإمارات، ثمة عقوبة رادعة لكل من حاز، أو باع، أو عرض أي حيوانات مفترسة، كما يحظر القانون أفراد المجتمع باستيراد، أو المتاجرة بالحيوانات المفترسة بشكل تام، ويسمح باستيرادها فقط من قبل الجهات، والمنشآت المرخصة، ويتضمن القانون، ضبط وحجز الحيوانات غير المرخصة، أو السائبة، والمهملة، والتي تسبب أذى للناس داخل الدولة، وإعداد سجلات لأصحابها ومقتنيها، وتنظيم تداولها ورعايتها، وأصدرت دولة الإمارات عام 2016 قانوناً خاصاً للرفق بالحيوان يحظر على ملاك الحيوانات، والقائمين على رعايتها الأضرار أو إلحاق الأذى أو التسبب في ألم أو معاناة الحيوانات، وعدم إطلاق سراح أي حيوان تحت رعايتهم، يعتمد بقاؤه بشكل طبيعي عليهم.

وينص قانون الرفق بالحيوان الكويتي على عقوبات تصل إلى الحبس لمدة عام واحد مع غرامة مالية تزيد على ثلاثة آلاف دولار أميركي، لكل من يخالف مواد نظام الرفق بالحيوان بإساءة معاملة الحيوانات. ويقول نشطاء كويتيون إن الجمعية الكويتية لحماية الحيوان وبيئته تضم أكثر من 1000 حيوان ضال يتلقى العلاج والعناية، ويكشف هؤلاء الناشطون عن أن أخطر الانتهاكات تجاه الحيوانات الأليفة تحدث في سوق الطيور، ويحاول الناشطون الكويتيون ترسيخ ثقافة التبني للحيوانات الأليفة وإنقاذها مما تتعرض له من إساءة.

وفي قطر، تتحدث تقارير صحافية كيف تسببت حركة البناء المتزايدة قبل بطولة كأس العالم في الدوحة، بتشريد كثير من الحيوانات من مناطقها إلى مناطق سكنية تلقت فيها معاملة سيئة، كما تواجه قطر ومعظم دول الخليج ظاهرة تخلي المقيمين عن حيواناتهم الأليفة بمجرد تركهم البلد أو سفرهم، ويجرم القانون القطري إلحاق الأذى بالحيوانات، ويعاقب من يعذبها بالحبس والغرامة، لكن من دون تطبيقه بجدية.

الأطفال متهمون

في مصر، وقبل سنوات، ضجّ ناشطون وأنصار حقوق الحيوان، احتجاجاً على تقارير تتحدث عن تصدير الكلاب والقطط المصرية إلى الخارج، وتحديداً إلى دول تتعرض فيها هذه الحيوانات للتعذيب والذبح بغرض الأكل، ويبدو الأمر منطقياً بالحديث عن وجود نحو 15 مليون كلب ضال في مصر، وعلى الرغم من ذلك، نجحت مبادرات محلية مصرية عديدة في الحفاظ على هذه الحيوانات، كالجمعية المصرية لإنقاذ الحيوان، التي تعنى بإنقاذ المئات من الكلاب التي تتعرض لسوء المعاملة في الشارع، لكن على الأرض، تتفرد مصر عربياً بثلاثة قوانين مجتمعة لحماية الحيوانات ورعايتها، وهي قوانين العقوبات والبيئة والزراعة، وينص قانون العقوبات المصري على معاقبة من يقتل الحيوانات أو يصر بها بالحبس لمدة تتراوح بين سنة وسبع سنوات، لكن اللافت أن 60 في المئة من حالات انتهاكات الحيوانات في مصر منفذوها أطفال، وهي حال معظم الدول العربية.

وعلى الرغم من ذلك، يطالب برلمانيون مصريون بمشروع قانون ينظم كل أوجه التعامل مع الحيوان لحماية حقوق الحيوانات في مصر، وينص مشروع القانون الجديد على تغريم من يؤذون الحيوانات، وتنظيم حقوق الحيوان الأساسية في الأكل والشرب والعلاج، وتنظيم أوجه التعامل مع الحيوان سواء في الحدائق أو السيرك، وطرق استخدامها في البحث العلمي، فضلاً عن تنظيم مسألة صيد الحيوانات، وتنشط عشرات الجمعيات التي تعنى بحقوق الحيوانات في مصر، لكن جمعية "سبير" لحماية حقوق الحيوان كانت الأولى عام 2001. ويقول القائمون عليها إن طلب ترخيصها في ذلك الوقت قوبل بالسخرية من وزارة الشؤون الاجتماعية.