Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نمو لافت للاستثمار الخارجي في تونس ومخطط استقطاب لـ"فرص الحرب"

الأحداث الساخنة في أوروبا تعزز زيادة صادراتها من النسيج والملابس وخبراء يطالبون بتوفير مناخ أعمال جاذب

رئيسة الوزراء التونسية هدى بودون تصافح نظيرها المصري مصطفى مدبولي (أ ف ب)

سجلت تونس تدفقاً ملحوظاً للاستثمارات الخارجية في الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بعد ركود شهدته الوجهة التونسية طوال سنتين، متأثرة بتداعيات انتشار فيروس كورونا على نسق الاستثمارات الدولية، ولم تكُن بمعزل عن بقية دول العالم التي شهدت تراجعاً في حجم حركة الاستثمارات بين 30 و40 في المئة.

وانحدرت الاستثمارات الدولية في جميع القطاعات في العامين الأخيرين، وأهمها الطاقة والفلاحة بنسب تراوحت بين 3 و31 في المئة، وفي قطاع الخدمات بنسبة 44 في المئة، والصناعات المعملية بنسبة 17 في المئة، ولم تتمكن من استقطاب سوى مليار دينار (322 مليون دولار) مقابل 1.2 مليار دينار (387 مليون دولار) عام 2019.

لكن مؤشرات الأشهر الأولى للعام الحالي بدت إيجابية، بتسجيل نسبة ارتفاع قدرت بـ73 في المئة، وإن وصف خبراء في تحليلهم لـ"اندبندنت عربية" هذه الطفرة بالانعكاس الطبيعي لعودة النشاط، بحكم عدم بلوغه من حيث الحجم مؤشرات الأعوام السابقة للأزمة الصحية، بينما تحدث مسؤولون عن استفادة من ارتدادات الحرب الأوكرانية على سوق الاستثمار في بلدان البحر الأسود واتجاهها إلى البحث عن وجهات أخرى.

نمو الاستثمار في الخدمات

وكانت الاستثمارات الدولية المتدفقة على تونس قد تراجعت عام 2020 بنسبة 28.8 في المئة. ولم تتجاوز قيمتها 1.8 مليار دينار (580 مليون دولار) مقابل 2.4 مليار دينار (774 مليون دولار) عام 2019. ومكنت المشاريع المنجزة في هذا الإطار، على الرغم من التراجع الملحوظ في الاستثمارات، من إحداث 9630 موطن شغل مباشر عام 2020.

يذكر أن الاستثمار الأجنبي المباشر سجل ارتفاعاً عام 2018 وبلغ حجمه 2.7 مليار دينار (870 مليون دولار) مقارنة بـ2.1 مليار دينار (677 مليون دولار) عام 2017.

بينما سجل الثلث الأول من 2022 نمواً بنسبة 73 في المئة مقارنة بـ18 في المئة عام 2020 وتراجع بـ2 في المئة مقارنة بـ2019 بحساب الانزلاق السنوي، وفق مؤشرات إحصائية لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (حكومية).

وبلغت الاستثمارات الأجنبية إلى نهاية مارس (آذار) 2022 ما قدره 596 مليون دينار (192.2 مليون دولار)، مقابل 344 مليون دينار (111.1 مليون دولار) في الفترة ذاتها من عام 2021.

وبلغ حجم الاستثمار في المحفظة الاستثمارية المالية 3.3 مليون دينار (1.06 مليون دولار) مقابل 2.7 مليون دينار (870 ألف دولار) في الأشهر الثلاثة الأولى من 2021. وارتفعت الاستثمارات الخارجية المباشرة لتبلغ 7. 592 مليون دينار (191.1 مليون دولار)، مقابل 341.9 مليون (110.2 مليون دولار) دينار في الثلث الأول من 2021.

وشهد قطاع الخدمات نمواً لافتاً على مستوى القيمة بـ 7. 271 مليون دينار (87.6 مليون دولار) أواخر مارس 2022، في حين لم يتجاوز حجمه 38.3 مليون دينار (12.3 مليون دولار) في 2021، واستقر نموه على أكثر من 610 في المئة.

أما قطاع الصناعات المعملية، فقد استقطب استثمارات دولية بقيمة 183 مليون دينار (59 مليون دولار) مقابل 9. 159 مليون دينار (51.6 مليون دولار)، مع نهاية مارس 2021، بزيادة قدرت بنسبة 14.4 في المئة.

ولوحظ أن الاستثمارات الدولية المباشرة في القطاع الفلاحي لم تبلغ المستوى المأمول، إذ وصلت خلال الربع الأول من العام الحالي إلى 300 ألف دينار (97 ألف دولار) فقط مقابل 180 ألف دينار (58 ألف دولار) عام 2021.

بينما سجل قطاع الطاقة تراجعاً بنسبة 4 في المئة، إذ لم يستقطب سوى 8 .137 مليون دينار (44.4 مليون دولار)، مع نهاية الثلاثي الأول من 2022، مقابل 6 .143 مليون دينار (46.3 مليون دولار) في الفترة ذاتها من عام 2021.

وأظهرت أرقام وزارة الصناعة والمناجم والطاقة أن قطاع النسيج حاز على جزء كبير من السوق الأوروبية، وظل الاتحاد الأوروبي العميل الأول في هذا المجال لتونس، التي تمثل المزود التاسع للتكتل بحصة سوقية تبلغ 2.53 في المئة.

واحتلت تونس المرتبة الرابعة في تصدير نسيج الجينز إلى الاتحاد الأوروبي بحصة سوقية بلغت 8.63 في المئة عام 2021. كما احتلت المرتبة الثانية في تصدير أزياء الشغل إلى الاتحاد الأوروبي وبلغت 17.02 في المئة من مجمل السوق.

النسيج وأزمة كورونا

أبدى قطاع النسيج التونسي صلابة من خلال قدرته على تلبية الطلب الأوروبي على معدات الوقاية الشخصية الناتجة من جائحة فيروس كورونا عام 2021. وفي أعقاب الأزمة الصحية، تأثرت تجارة الملابس العالمية بالزيادة في تكلفة الشحن البحري ومصاريف الطاقة. وخفض الأوروبيون أو ألغوا طلباتهم من الملابس، وزادوا طلباتهم للحصول على معدات الوقاية الشخصية والأقنعة الواقية، وفق مؤشرات كشفت عنها وزارة الصناعة والطاقة والمناجم، ما مكن تونس من أن تحافظ على حصتها السوقية في الاتحاد الأوروبي وهي 2.44 في المئة في 2020.

واستطاعت البلاد التخفيف من عواقب أزمة فيروس كورونا المستجد بفضل مرونة الشركات في قطاع النسيج، التي تمكنت من تلبية الطلب المتزايد في أوروبا على الأقنعة الواقية بسرعة فائقة. واحتلت مرتبة رابع مزود لأوروبا لمعدات الحماية الشخصية عام 2020. كما مثّلت الصادرات التونسية من معدات الوقاية الشخصية 23 في المئة من إجمالي الصادرات في قطاع النسيج.

تونس السوق البديلة

قالت نائلة نويرة القنجي، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة، إن "الحرب الأوكرانية أثرت في نسق تزوّد بلدان الاتحاد الأوروبي من النسيج، بحيث تواجه القارة العجوز تحدياً جديداً لتلبية حاجاتها من النسيج بسبب الزيادات الإضافية في تكاليف النقل، نظراً إلى ارتفاع أسعار الطاقة. ومن المنتظر أن تؤثر الحرب الروسية في المعروض الأوروبي من المنسوجات والملابس، وأن يتجه الموردون الأوروبيون للتصدي لهذه الأزمة إلى الأسواق الأكثر قرباً جغرافياً وهي تونس والمغرب ومصر على حساب الأسواق الآسيوية، ما سيمكن تونس من استقطاب أسواق جديدة، ومن ثم، فإن الفرصة مؤاتية لزيادة صادراتها من النسيج والملابس، وتنويع أسواقها وتعزيز فرص العمل".

أضافت الوزيرة "ويتحتم أن توفر هذه الجاذبية المحتملة فرصاً كبيرة لتونس، يجب أن تنتهزها لتولد ديناميكية في الاستثمارات بهدف خلق فرص جديدة لتنمية الصادرات. وعلى سبيل المثال، إذا نجحنا في تعزيز أسواق التصدير التقليدية، وإذا تم بذل جهد ترويجي خاص في السوق الألمانية، التي تضم قدراً كبيراً من الإمكانات، بخاصة في مجال النسيج والملابس، فقد يوفر القطاع أكثر من 150 مليون يورو (156.25 مليون دولار) ويقود إلى خلق 20 ألف موطن شغل إضافي في المستقبل القريب".

وأشارت إلى أن الصراع الروسي الأوكراني بقدر ما يسلط ضغوطات على الاقتصاد التونسي، فإنه يمكّن من توفير فرص عدة للصناعة المحلية، بخاصة لقطاعَي النسيج والملابس ومكونات السيارات، إذ أبدت مؤسسات أجنبية ناشطة في القطاعين، اهتماماً بتطوير مشاريعها في تونس، بخاصة أن المستثمرين في أوكرانيا أو روسيا، وجدوا أنفسهم في حاجة ملحة لإعادة توطين أنشطتهم من دون فقدان طلبيات عملائهم، منوهة بأن تونس تستكشف حالياً سبل استقطابهم من خلال الترويج للبلاد باعتبارها وجهة ذات مزايا تنافسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشكّلت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، في إطار هذا المسعى، فريق عمل تقنياً من أجل صياغة مخطط لاستقطاب هذه المؤسسات الأجنبية والاستفادة من تلك الفرصة. ويجري حالياً إحصاء المواقع والبناءات الصناعية القادرة على احتضان هذه المؤسسات مباشرة. وقالت القنجي "ستوفر عمليات التمركز الجديد الآلاف من مواطن العمل، علماً أن كل مؤسسة قادرة على توفير بين 1000 و1500 موطن شغل. وتأمل تونس في أن تكون قادرة على التفاعل مع هذه الوضعية على كل المستويات، بما فيها توفير بناءات صناعية وتراخيص إدارية لضمان متابعة الملفات والتقليص إلى أقصى حد في آجال تمركز المؤسسات".

عدم اليقين

في المقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي أنيس وهابي أن "الارتفاع المسجل في نسبة الاستثمارات الخارجية لا يزيد على كونه انعكاساً طبيعياً لعودة النشاط بعد عامين سيطر عليهما الركود وعجزت خلالهما تونس تماماً كبقية البلدان عن استقطاب مستثمرين جدد"، لافتاً إلى أن المؤشرات المسجلة في الربع الأول من العام الحالي، بحساب الانزلاق السنوي، تأتي مقارنة بانعدام النشاط في العام الماضي، بالتالي تسجل الصعود المتوقع.

وعلى الرغم من ذلك، بدا حجم الاستثمارات في عدد من القطاعات متراجعاً، ويذكر وهابي، على سبيل المثال، الاستثمارات المباشرة في قطاع الفلاحة التي لم تتجاوز 300 ألف دينار، معتبراً أنه من الأرجح مقارنة المؤشرات الحالية بالتطور المسجل عام 2019 للوقوف على المستويات الحقيقية لنمو الاستثمار الخارجي.

وتابع "في المقابل، يظل الحافز الوحيد لجذب المستثمرين هو مناخ الأعمال الذي يشكو في تونس تأثره بأداء الاقتصاد، بحيث تخيّم حال عدم الثقة بسبب تراجع مؤشرات النمو والترقيم السيادي، ومن الطبيعي العجز عن استقطاب الاستثمارات الخارجية والفرص المتاحة بسبب الحرب الدائرة والترويج لوجهة نموذجية للاستثمار في الصناعة أو الخدمات".

بينما اعتبر منير حسين، عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل) أن تونس تفتقر إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي يمهد لمناخ أعمال سليم جاذب للاستثمارات الخارجية. وقال إن المعطيات الحالية دليل على عدم القدرة في استقطاب الاستثمارات الضخمة والمدرة للأرباح، إذ اقتصرت على صناعات النسيج والصناعات المعملية الخفيفة في غياب تام للاستثمارات الثقيلة، مشيراً إلى أن غياب الاستقرار يكرس حال عدم اليقين التي يتوجس منها المستثمرون تجنباً للمخاطر، علاوة على الإشكاليات التقليدية التي يعاني منها مناخ الاستثمار وترتبط بالبنية التحتية غير المهيأة والمشكلات البيئية والقوانين المهترئة والبيروقراطية.