قانون بوتفليقة "المجمد" حول "الفساد" يتحول إلى "حبل على رقاب" رجاله

حركت الجزائر طلبات دولية عبر إنابات قضائية لبلدان تحتض فارين أو حسابات بنكية مشبوهة

سيكون أعضاء الحكومة في مقدّم من يلاحقون بموجب نصوص القانون حول الفساد (رويترز)

منذ اعتماد قانون الوقاية من الفساد ومكافحته في الجزائر، لم يسبق لأي مسؤول سياسي تولى تسيير قطاع حكومي، أن جرت متابعته بموجب مواد هذا القانون، وأقرت حكومة سابقة قبل أكثر من عشر سنوات، بنود القانون ورفعت من خلاله التجريم على فعل تسيير المؤسسات المالية والاقتصادية، لكن الحكومة نفسها تقريباً سيكون أعضاؤها في مقدّم من يلاحقون بموجب نصوص القانون، أبرزهم أحمد أويحي، الوزير الأول السابق.

ولم يقدم قانون الوقاية من الفساد ومكافحته أياً من المسؤولين الحاليين في القطاع الاقتصادي، أمام العدالة، خصوصاً بعد أن أسقطت الحكومة تحريك النيابة العامة أو الضابطة القضائية بواسطة الرسائل المجهولة مثلما كان يُعمل به سابقاً.

ولفتت التهم الموجهة إلى مسؤولين سابقين، انتباه محامين ورجال قانون في الجزائر، لأنها كُيّفت وفق قانون مكافحة الفساد، وهو نص قانوني ظل مجمداً، وغير ذي فعالية، بل كان أحد أهم النصوص القانونية التي عرّضت نظام بوتفليقة لانتقادات، فالرئيس السابق شكّل دواوين عدة بمسمى مكافحة الفساد المالي، وحصّنها بآليات قانونية وصلاحيات موسعة، من دون نتائج مرجوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أويحي وسلال قد يواجهان أحكاماً بـ 20 سنة "مكررة"

وبالنسبة إلى الوزير الأول السابق أحمد أويحي، فقد حددت المحكمة العليا، التهم الموجهة إليه، رفقة وزير النقل السابق، عبد الغني زعلان، الذي كان آخر من تولى قيادة الحملة الانتخابية للرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة قبل إلغاء ترشحه لولاية خامسة، فقد ذكرت الهيئة القضائية أنهما متهمان "بمنح امتيازات غير مبررة للغير في مجال الصفقات العمومية والعقود"، طبقاً لأحكام المادة 26 من قانون الوقاية من الفساد.

ونصُّ الأخيرة يقول في الفقرة الأولى المعنية "يعاقب بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات (إضافة إلى غرامات مالية)، كلّ موظف عمومي يقوم بإبرام عقد أو يؤشر أو يراجع عقداً أو اتفاقية أو صفقة أو ملحقاً مخالفاً الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة للغير".

تبديد أموال عمومية

كما يواجه أويحي وزعلان تهمة "تبديد أموال عمومية طبقاً للمادة 29"، وتنصّ أيضاً على أنه "يعاقب بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات كلّ موظف عمومي يختلس أو يُتلف أو يبدّد أو يحتجز عمداً ومن دون وجه حق أو يستعمل على نحو غير شرعي لصالحه أو لصالح شخص أو كيان آخر أية ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خاصة أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عُهدت إليه بحكم وظائفه أو بسببها".

ولا تتوقّف التهم هنا، بل تضاف إلى الوزير الأول (مسجون في سجن الحراش) ووزيره للنقل عبد الغني زعلان (قيّد بالرقابة القضائية، تهمة "إساءة استغلال الوظيفة"، وفيها أحكام تتراوح أيضاً بين عامين و10 سنوات سجناً، وتهمة رابعة تتصل بـ "تعارض المصالح"، وأحكامها بين ستة أشهر إلى سنتين سجناً.

"قانونهم" يتحول إلى "حبل حول رقابهم"

وكان هذا القانون قد وُضع لعدم تكرار اختلاسات تسببت لمرتكبيها بالسجن في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى وقوع تجاوزات بحق عدد من الإطارات، أي أن الحكومة لما شرعته كان بنية حماية كبار إطارات الدولة، لكنه اليوم تحول إلى حبل على رقاب مشرّعيه الذين كانوا سبباً وراء استشراء الفساد في الدولة، بمباركة من المحيط الرئاسي الذي جرى اختراقه على مدى السنوات العشر الأخيرة، لغياب الرئيس السابق عن المشهد السياسي بسبب المرض، مفوّضاً صلاحياته لمستشاريه المقربين والحكومة.

وتفيد مراجع من سلك القضاء، بأن غالبية الملفات المحالة بين أيدي القضاة، تتصل بقرارات غير قانونية في مجال التنازل عن العقار الفلاحي والصناعي بغرض الاستثمار، وبموجب هذا الإجراء، تعرّضت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية للنهب في شكل ضمانات لقروض من البنوك العمومية، وذلك بعد استفادة بارونات الفساد منها، وهو مخالف لقوانين تسيير القروض على مستوى البنوك التجارية، التي تشترك مقابل منح القروض الاستثمارية ضمانات معنوية ومادية، وبالتالي تحولت تلك العقارات المتحصل عليها بعقود الامتياز والانتفاع إلى ضمانات لتحصيل قروض بنكية خيالية.

عقوبات الجنح قد تتجاوز عقوبات الجنايات

ويقدم المحامي حسان بهلولي قراءته بخصوص المتابعات في ملفات كلّ من أويحي، وعبد المالك سلال، وعبد الغني زعلان، وعمارة بن يونس، وأربعتهم في سجن الحراش منذ يومَي الأربعاء والخميس، فيشير إلى أنه في مثل هذه الحالة لا ينظر إلى التهم على أنها جنح بل يجري التركيز على العقوبة المقدرة قانوناً والتي تصل إلى 20 سنة سجناً نافذاً، وتفوق أحياناً العقوبة المقررة في محكمة الجنايات.

 ويتابع أن العقوبات المرتقبة ستكون ثقيلة بغض النظر عن التكييف، لأن محكمة الجنح ستبني قرارها النهائي استناداً إلى القرائن والدلائل المقدمة من طرف النيابة العامة، والتي يجب أن تكون متماسكة وقوية، لإثبات التهم الموجهة إليهم، عكس محكمة الجنايات التي يكون فيها الحكم مبنياً على قوة الإقناع من طرف المحامي والمتهم، وفي بعض الحالات يتحقّق الإقناع ويفصل بحكم البراءة.

المحاكمة ستكون بشكل علني حضوري

ويشير المحامي أمين سيدهم بدوره إلى أن المحكمة العليا قد تحيل ملفات الأربعة ومن يلحق بهم مستقبلاً، على محكمة ابتدائية من جديد، بمعنى أن المحاكمة ستكون بشكل علني حضوري مفتوح أمام الجزائريين، وخارج نصّ "الامتياز القضائي" الذي منحهم امتياز التحقيق في المحكمة العليا. لذلك فإن الهيئة القضائية التي سيخضع أمامها المتهمون للمحاكمة ستحدد بعد نتائج التحقيق الذي لا يزال في بدايته، والتي قد تكون على مستوى المحاكم الابتدائية العادية، بينما يرجح أن تكون المحاكمات أمام محكمة القطب الجزائي المتخصص بسيدي المحمد.

وعن العقوبات التي قد توجه إلى هؤلاء، يشير سيدهم، إلى أنها مذكورة من طرف المحكمة استناداً إلى المواد 26/27/33/32/16 من قانون الوقاية من الفساد، فتتراوح بحسب كل تهمة من سنتين إلى 10 سنوات في ما يخص تهمة منح الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية، واختلاس الممتلكات من قبل الموظف العمومي واستغلال النفوذ، وإساءة استغلال الوظيفة في ما تتراوح بين 10 إلى 20 سنة في بقية التهم، منها تهمة الرشوة غير المبررة في مجال الصفقات العمومية.

استرجاع الأموال المنهوبة "عملية معقدة"

وفي شأن متابعة ملفات الفساد، ومطالب من جزائريين باستعادة الأموال المنهوبة، اقتداء بتجارب مماثلة وخصوصاً في تونس، قال وزير العدل سليمان براهمي إن القانون "سيطبق على الجميع من دون حياد ولا استثناء"، وأشار خلال مراسم إشرافه على تنصيب عبد الرشيد طبي رئيساً أوّلَ للمحكمة العليا، خلفاً لسليمان بودي، إلى أن "المحكمة العليا استجابت للواقع الوطني في نطاق اختصاصها".

وحضّ الوزير "سلك القضاء على مزيد من التجديدِ والنجاعة، نظراً لاتساع الخريطة القضائية، فالتحقيقات في جرائم الفساد ستطول لأن الجرائم الاقتصادية متعلقة بالصفقات العمومية والمبالغ المالية الضخمة التي نهبت من الخزينة العمومية".

طلبات إلى سويسرا وإسبانيا ولبنان

وفعلاً، حرّكت الجزائر طلبات دولية عبر إنابات قضائية لبلدان إما تحتض فارين أو حسابات بنكية مشبوهة، وتوجهت الجزائر بطلب إلى الحكومة اللبنانية، لتسليم وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، بينما وجهت مذكرة إلى الحكومة الفدرالية السويسرية بخصوص بيانات بنكية مشبوهة. إلا أن تجربة الجزائر بخصوص الأموال المحوّلة خارجاً تبدو "قاصرة" ولا تكاد تُذكر، لذلك تشير توقعات إلى أنه من الصعب جداً استرجاعها، الأمر الذي يتطلب إرسال إنابات قضائية إلى الدول التي حُوّلت إليها هذه الأموال التي يتعامل معها رجال الأعمال وهذه الإنابات تحتاج لوقت طويل كذلك.

ومع ذلك فقد أعرب النائب والمستشار الفدرالي السويسري إجنازيو كاسيس عن جاهزية بلاده للتعاون مع السلطات الجزائرية لاسترجاع الأموال المهربة، وقال في كلمة ألقاها أمام أعضاء البرلمان السويسري "بالاتفاق مع السلطات الجزائرية، دعمت سويسرا، بعض الأنشطة في الجزائر، المتعلقة بمكافحة الأموال ذات الأصل غير المشروع، كما طوّرت نظاماً يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما الوقاية والقمع".

أضاف "هذا يدخل في إستراتيجية التعاون السويسرية لشمال إفريقيا والتي تشمل دعم المشروعات ذات العلاقة بالمسار الديمقراطي".