Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدول الكبرى تستغل الفضاء وثرواته... وعدم المساواة يهدد الآخرين

"ناسا" تطلق مسباراً لاستكشاف كويكب يحمل 10 ملايين تريليون دولار من الحديد

يضع اللاعبون الرئيسون في الفضاء المعايير الخاصة باستغلال الموارد (رويترز)

على الرغم من أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تنص على استخدام الفضاء لمنفعة جميع البلدان، إلا أن الواقع يختلف تماماً، والأكثر خطورة أن عدم المساواة في استغلال الفضاء وثرواته ينذر بفارق هائل خلال السنوات المقبلة، سواء كان ذلك بالنسبة إلى المساحات القليلة المتبقية للأقمار الاصطناعية في المدارات الثابتة وما تعكسه من فوائد في كثير من المجالات، أم بالنسبة إلى استخراج الموارد من القمر والكويكبات القريبة من الأرض التي يتوقع العلماء أن تجلب ثروات بملايين التريليونات للدول القادرة على امتلاك الفضاء.

فهل يمكن أن تتغير سياسات الفضاء؟ أم أن عدم المساواة سيصبح سمة دائمة؟

فرص متناقصة

تشكل الأقمار الاصطناعية حياة البشر بشكل متصاعد، بخاصة خلال العقدين الماضيين، فهي أساس في عمليات تشغيل وإدارة شبكة الإنترنت والبث الفضائي التلفزيوني، وهي حيوية لنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، كما أنها تُمكننا من التنبؤ بالطقس بدرجة تتزايد دقتها مع الوقت، فضلاً عن أنها تساعد العلماء في تتبع التدهور البيئي حول العالم وتقدم خدمات متنوعة للشركات في مجالات مختلفة مثل التعدين والبحث العلمي والاتصالات والتكنولوجيا والطب، والأهم أنها تلعب دوراً خطراً في التكنولوجيا العسكرية الحديثة بما لها من قدرات تتبع ورصد وتصوير وتوجيه القطع العسكرية المختلفة في الأرض والجو والبحر.

ونظراً إلى أن الأقمار الاصطناعية لا غنى عنها الآن، فإن الدول التي لا تمتلك أقماراً خاصة بها تعتمد على بلدان أخرى للاستفادة من خدماتها، في حين لا تبدو هناك سوى فرص قليلة أمام الراغبين في تطوير بنية تحتية وقدرات تمكنهم من امتلاك أقمار اصطناعية خاصة بهم في المستقبل، ذلك أن الخيارات المتاحة أمامهم تنفد مع شغل الأماكن المتوافرة في الفضاء، مما يرسخ عدم المساواة بين الدول الكبرى من جانب وباقي دول العالم من جانب آخر.

وما يفاقم تأثيرات عدم المساواة أنه في المستقبل القريب يمكن أن تمكن القدرات الفضائية الدول الغنية الكبرى من استخراج موارد متنوعة من القمر والكويكبات الأخرى القريبة من الأرض، بما يشكل علامة فارقة رئيسة بين من يملكون الفضاء ومن لا يملكون، مما يعني أن عدم المساواة قد تصبح حقيقة واقعة بشكل دائم يصعب تصحيحها أو إعادة توجيهها في المستقبل.

سباق لا ينتهي

ووفقاً لمكتب شؤون الفضاء الخارجي التابع للأمم المتحدة فقد كان هناك 7389 قمراً اصطناعياً تدور حول الأرض في أبريل (نيسان) 2021، أكثر من نصفهاً أقمار نشطة والأخرى غير نشطة. وبحسب موقع "عالم الجغرافيا المكانية" تحتل الولايات المتحدة موقع الصدارة في ما يتعلق بامتلاك العدد الأكبر من الأقمار الاصطناعية الحكومية والخاصة التي بلغت 2804 أقمار تتزايد باستمرار كل شهر، في حين تحتل المراتب التسعة التالية كل من الصين وروسيا والمملكة المتحدة واليابان والهند ووكالة الفضاء الأوروبية وكندا وألمانيا ولوكسمبورغ، بينما تمتلك نحو 65 دولة قمراً اصطناعياً واحداً على الأقل.

وبفضل التنافس التجاري السريع والكلف المنخفضة لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية خلال السنوات الماضية، أصبح كثير من البلدان قادراً على جني فوائد من الفضاء، بخاصة مع انتشار الأقمار الاصطناعية الصغيرة زهيدة الثمن والبسيطة في تركيبها، بما يكفي لإنشائها من قبل طلاب المدارس الثانوية، لدرجة أن شركات مثل "سبيس إكس" التي يمتلكها الملياردير إيلون ماسك أطلقت أحد هذه الأقمار ووضعته في المدار بسعر 1300 دولار للرطل الواحد.

أماكن محدودة

ومع ذلك لا يوجد سوى أماكن محدودة لاقتناص مساحة لقمر اصطناعي في مدار حول الأرض، وهي أماكن تمتلئ بسرعة خلال الأشهر الماضية، بحسب باحثة العلوم الفضائية في جامعة ولاية أريزونا ثيودورا أوغدن، إذ يقع أفضل مكان يمكن شغله في مدار ثابت حول الأرض على ارتفاع 22250 ميلاً (35800 كيلومتر) فوق خط الاستواء، حيث يدور قمر اصطناعي في مدار مستقر بالنسبة إلى الأرض وبعدل دوران الأرض، ويبقى مباشرة فوق موقع واحد على سطح الأرض، ويمكن أن يكون مفيداً للاتصالات السلكية واللاسلكية والبث التليفزيوني وأقمار الطقس.

ولا يوجد سوى 1800 مكان مداري ثابت بالنسبة إلى الأرض، حيث احتلت الأقمار الاصطناعية النشطة 541 منها حتى فبراير (شباط) 2022، واستحوذت البلدان والشركات الخاصة العالمية الكبرى على معظم الأماكن غير المشغولة التي تتيح الوصول إلى الأسواق الرئيسة، ويتم حالياً جمع الأقمار الاصطناعية في انتظار إطلاقها لشغل الأماكن المتاحة القليلة.

الحجز بالأسبقية

وعلى سبيل المثال، فإذا أرادت دولة جديدة ارتياد الفضاء عبر وضع قمر اصطناعي للطقس فوق بقعة معينة في المحيط الأطلسي حجزتها من قبل دولة أخرى أو شركة عالمية، فسوف يتعين عليها إما اختيار موقع أقل مثالية للقمر الاصطناعي أو شراء خدمات من الدولة التي تشغل هذا الموقع الآن.

ويزيد من عدم المساواة هنا أن تخصيص المواقع المدارية يتم من الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة على أساس أسبقية الحجز، أي من يأتي أولاً تقدم له الخدمة أولاً، وعندما يصل قمر اصطناعي إلى نهاية عمره الافتراضي الذي يتراوح بين 15 و20 عاماً، يمكن لأي بلد أن يمتلك هذا الموقع ببساطة استبداله وتجديد قبضته على المكان، وهو الأمر الذي يسمح للدول بالاحتفاظ بهذه المواقع إلى أجل غير مسمى، وهكذا يصبح للدول التي تمتلك التكنولوجيا اللازمة لاستخدام المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض، ميزة كبيرة على تلك التي لا تمتلكها.

زحام فضائي

وفي حين أن المواقع المدارية المستقرة بالنسبة إلى الأرض هي الأكثر فائدة وأقلها توافراً، إلا أن هناك أيضاً العديد من المدارات الأخرى حول الأرض، لكنها تشهد كذلك إقبالاً من الحكومات والشركات مما يزيد مشكلة الحطام الفضائي المتزايد، إذ يرتفع المدار الأرضي المنخفض حوالى 1000 ميل (1600 كيلومتر) فوق سطح الأرض، وتتحرك الأقمار الاصطناعية في هذا المدار بسرعة في بيئة شديدة الازدحام، ليست مثالية لأقمار الاتصالات المستخدمة في بث إشارات التلفزيون والراديو والإنترنت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك يمكن استخدام المدار الأرضي المنخفض للاتصالات إذا عملت أقمار عدة معاً لتشكيل كوكبة أو مجموعة، مثل تلك التي تستخدمها شركات "سبيس إكس" و "بلو أوريغون" لوضع آلاف الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض خلال السنوات القليلة المقبلة بهدف توفير الإنترنت في جميع أنحاء العالم، إذ يتكون الجيل الأول من "ستارلينك" التابع لشركة "سبيس إكس" من 1926 قمراً اصطناعياً، بينما سيضيف الجيل الثاني 30 ألف قمر آخر إلى المدار.

وبهذا المعدل الحالي سيحتل اللاعبون الفضائيون الرئيسون بسرعة على المدارات الثابتة والمستقرة بالنسبة إلى الأرض، وسيحتلون مدارات أرضية منخفضة، ومن المحتمل أن يحتكروا قدرات الأقمار الاصطناعية المهمة ويضيفون إلى النفايات الفضائية.

موارد مذهلة

وإذا كانت المواقع المدارية تظهر عدم المساواة اليوم، فإن مستقبل الصراع في الفضاء سيكون أشبه بالاندفاع نحو الذهب للحصول على الموارد المنتشرة في الفضاء الواسع ولن يستفيد منها الجميع، إذ تحتوي الكويكبات على كميات مذهلة من المعادن والفلزات القيمة التي من المتوقع خلال سنوات أن تكون منجماً للقوى الكبرى، ففي وقت لاحق من هذا العام ستطلق وكالة "ناسا" الأميركية مسباراً لاستكشاف كويكب اسمه "16 سايكي" الذي يقدر العلماء أنه يحتوي على ما قيمته 10 كوينتيليون (مليون تريليون) دولار أميركي من معدن الحديد. ويمكن أن يؤدي استغلال هذه الموارد الضخمة ونقلها للأرض إلى تعزيز اقتصادات الدول المرتادة للفضاء بشكل كبير، لكنها في المقابل ستؤدي إلى تعطيل اقتصادات البلدان التي تعتمد حالياً على تصدير المعادن والفلزات.

ومن بين الموارد الأخرى ذات القيمة العالية في الفضاء "الهيليوم 3"، وهو نسخة نادرة من الهيليوم يعتقد العلماء أنه يمكن استخدامها في تفاعلات الاندماج النووي من دون إنتاج نفايات مشعة. وعلى الرغم من أن هناك عقبات تكنولوجية كبيرة يجب التغلب عليها قبل أن يصبح "الهيليوم 3" مصدراً ممكناً للطاقة، إلا أن التغلب على هذه العقبات في المستقبل سيتيح استغلال مخزونات كافية على القمر، وفي أي مكان آخر في النظام الشمسي لتلبية متطلبات طاقة الأرض لقرون عدة.

تفاوتات دائمة

وإذا طورت الدول القوية التي ترتاد الفضاء التكنولوجيا لاستخدام وتعدين "الهليوم 3" واختارت عدم مشاركة الفوائد مع الدول الأخرى، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى تفاوتات دائمة بين القوى الكبرى والدول الأقل قدرة أو غير القادرة على ارتياد الفضاء، ذلك أن قوانين الفضاء الدولية الحالية ليست مناسبة تماماً للتعامل مع الشبكة المعقدة للشركات الخاصة والدول المتنافسة على الموارد في الفضاء.

وعلاوة على ذلك تقوم البلدان بالتنظيم في إطار مجموعات أو "كتل فضائية" تتحد في شأن تحديد أهداف وقواعد مشتركة لبعثات الفضاء المستقبلية، إذ تخطط كتلتان فضائيتان بارزتان للقيام بمهمات لإنشاء قواعد وعمليات تعدين محتملة على القمر، تشمل الكتلة الأولى اتفاقات "أرتميس" التي تقودها الولايات المتحدة، بينما تشمل الكتلة الثانية الخطط الصينية - الروسية المشتركة.

وفي حين يقوم اللاعبون الرئيسون في الفضاء بوضع المعايير الخاصة باستغلال الموارد، فإن الخطر يتمثل في عدم التركيز على ما هو أفضل للجميع على الأرض، وبدلاً من ذلك تقود المنافسة الكتل المتناحرة وتضر ببيئة الفضاء وتسبب الصراع، بينما يظهر التاريخ أنه من الصعب تحدي الأعراف الدولية بمجرد وضعها.

ومع اعتقاد الجميع بأهمية استغلال الفضاء بالنسبة إلى كل دولة حديثة، سيكتسب الفضاء أهمية أكثر مع تقدم البشرية بسرعة نحو مستقبل المستعمرات الفضائية على كوكب المريخ، ومع ذلك فإن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 التي تعد الوثيقة التأسيسية لقانون الفضاء، تنص على استخدام الفضاء لمنفعة جميع البلدان في العالم، لكن السياسات التي تتشكل اليوم ستحدد إذا ما كانت الدول الكبرى ستسير في المستقبل على المبادئ التي تعمل وفقها الآن.

المزيد من تقارير