Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لورانس أوليفييه الشكسبيري الإنجليزي الذي غزا السينما الأميركية

تفوق على الجميع في "هنري الخامس" وحقق مع "هاملت" أول أوسكار لمبدع أجنبي

لورانس أوليفييه في "هنري الخامس" (موقع الفيلم)

عندما يجري الحديث عن أكثر السينمائيين العالميين شكسبيرية في أيامنا هذه، يرد إلى الأذهان أول ما يرد السينمائي الإنجليزي كينيث براناه الذي بعد عدة اقتباسات سينمائية شكسبيرية متنوعة ولافتة وتحمل الكثير من التجديد، بدأ في الآونة الأخيرة يدنو من مواطنته أغاثا كريستي، فيبدع تجديداً في اقتباس بعض أعمالها إلى الشاشة الكبيرة. ومع ذلك قبل براناه كان هناك بالطبع أورسون ويلز السيد الكبير بين سادة السينما، والذي ارتبط اسمه باسم سيد المسرح الإليزابيثي الإنجليزي ارتباطاً لم يصنع من كثرة عدد أفلام حققها ضمن ذلك الإطار، بل من شكسبيرية واضحة حملتها أفلامه الشكسبيرية التي لا يزيد عددها على ثلاثة، وهي "عطيل" الذي أعطى المغرب مرة سعفة "كان" الذهبية، و"ماكبث" الذي سيعتبر دائماً مقاربة سينمائية مدهشة من مسرحية الشر المطلق، وأخيراً "فالستاف" الفيلم التوليفي الجامع بين حضور شخصية فالستاف في عدة أعمال شكسبيرية، ولكن ما ينبغي ذكره هنا وينسى دائماً للأسف، هو أن ثمة مخرجاً سينمائياً ثالثاً ارتبط اسمه باسم شكسبير وأعماله قبل هذين المبدعين الكبيرين ومن الظلم ألا يوضع دائماً في مكانة متقدمة عن مكانهما، مخرجاً وممثلاً عاش دائماً وعمل بين إنجلترا وهوليوود، ومن مميزاته أنه كان بفيلمه "هاملت" أول مخرج أجنبي ينال "أوسكار"، بعد أن كانت هذه الجائزة مقتصرة على الأميركيين.

للسينما حقق لورانس أوليفييه (1907 – 1989)، إذاً ثلاثة أفلام فقط، ولكن أية أفلام؟! ولئن كانت "الأوسكار" التي نالها من نصيب فيلمه "هاملت" الذي حققه عام 1948، فإن فيلمه الشكسبيري الأول "هنري الخامس" يبقى قمة إبداعاته السينمائية بشكسبير، أو من دونه. يبقى الفيلم الذي نقله مرة واحدة من المسرح إلى السينما ليتبعه بـ"هاملت" فـ"ريتشارد الثالث" (1956) محققاً بهذه "الثلاثية" مجداً كان من شأنه أن يكون كافياً – وهذا دون أن ننسى تمثيله لمسرحية "عطيل"، إنما بإخراج لم يقم به بنفسه، ومن هنا اعتبرت مساهمته هنا ثانوية الأهمية شكسبيرياً على الأقل، ما جعله يتردد لاحقاً دون الدنو من أية أفلمة لشكسبير لا يكون هو سيدها، لكنه لم يكتفِ بذلك المجد، بل تابع طريقه كمخرج لعدة أفلام تميزت إن لم يكن بمسحة مسرحية واضحة، فعلى الأقل بحس إبداعي استثنائي يتناوله النقاد والمؤرخون عادة للحديث عن تلك اللمسات الإنجليزية في السينما الأميركية التي تجعل الحديث عن غزو بريطاني لهوليوود نوعاً من تحصيل الحاصل، علماً بأن هذا الحديث يركز عادة على التمثيل الرائع الذي تميز به أوليفييه إذ أدار نفسه في أفلامه الكبرى كما أداره آخرون من طينة مواطنه الفريد هتشكوك.

تطويع لغة السينما

مهما يكن، على الرغم من البعد المسرحي المطلق لـ"هنري الخامس" المعتبر أعظم الأفلام الشكسبيرية وقمة ما حققه أوليفييه، يقال دائماً إنه ما من فيلم سينمائي عرف كيف يطوع اللغة السينمائية لتخدم نصاً شكسبيرياً، تمكن من تجاوز ما فعله أوليفييه في هذا الفيلم. ولقد بدا ذلك كنوع من الإعجاز من قبل مبدع كان قد أتى حديثاً من المسرح، وبالكاد يبدو عليه أنه يعرف شيئاً عن فن السينما، لكنه بدا ومنذ تلك الإطلالة المبكرة وكأن لسان حاله يقول، "إذا كنت شكسبيرياً ولو مرة في حياتك فمعنى ذلك أنك تملك ناصية الفنون جميعاً". ومن المؤكد أنه قد طبق ذلك ليس فقط في الأداء التمثيلي الذي تميز به ذلك الفيلم، بل كذلك في الإضاءة التي لعبت لعبة الضوء والظل من قصر آزنكورت، والملابس والديكورات التي أعادت تكوين الإطار المكاني لذلك الفضاء التاريخي بشكل أتاح للكاميرات أن تتحرك بشكل تجديدي، ولا سيما في مشاهد المعارك التي شكلت درسا سينمائياً لا ينسى. والحقيقة أن هذا كله أضفى يومها على النص الشكسبيري أبعاداً غير متوقعة واعتبر "هنري الخامس" واحداً من أعظم الأفلام التاريخية، ومرة أخرى بشكسبير، أو من دونه.

قمة في فن التمثيل

وتبقى هنا ناحية لا ينبغي عدم التوقف عندها، فإذا كان الاستفتاء الذي أجرته مجلة "إمباير" الأميركية قبل سنوات قد أفاد أن مارلون براندو هو أعظم ممثل عرفته شاشات السينما منذ بدايات هذا الفن السابع، فإن مما لا شك فيه أن السير لورانس أوليفييه كان من شأنه أن يفوز بالمركز الأول لو أن السؤال شمل السينما والمسرح معاً. فالحال أنه، إذا كان من الصعب اعتبار أوليفيه واحداً من أقدر الذين مارسوا التمثيل السينمائي، بات يستحيل غض النظر عن أدائه المسرحي العظيم لو شمل السؤال المسرح، بل استحال التغاضي حتى عن أدائه في الأفلام الشكسبيرية التي قام بها أوليفييه على الشاشة، وفي أمكاننا على أية حال أن نقول إنه نادراً ما حظي بدور تمكن على الشاشة من أن يكشف عظيم مواهبه.

المسرح أولاً وأخيراً

فأوليفييه خلق، أولاً وأخيراً، من أجل الأداء المسرحي، الأداء الذي يأخذ الجسد والحركات الجسدية والصوت، السمات الخارجية بمجملها ككل واحد، على عكس السينما التي تأتي بلقطاتها المكبرة وبتوليفها التجزيئي لتقطع حركة الممثل وتمسخها ما يجعل أعظم الممثلين المعتادين على فخامة الأداء المسرحي، عاجزين عن فرض حضورهم في مقابل فنانين من نوع آخر اعتادوا السينما وتقنياتها إلى درجة جعلتهم يتماهون معها وتشكل جزءاً من كينونتهم التعبيرية. وفي هذا المعنى يكون مارلون براندو متفوقاً، في السينما، على لورانس أوليفييه، بينما من المؤكد أن أوليفييه يتفوق في المسرح، وفي السينما المقتسبة من المسرح، على زملائه كافة.

خسارة واحد من الكبار

هكذا كان الإحساس حين رحل السير لورانس أوليفييه عن عالمنا عام 1989 بأن فن التمثيل قد فقد واحداً من أساطينه. ومهما يكن فإن حضور لورانس أوليفييه في السينما يعود إلى 1939، حيث مثل تحت إدارة الأميركي ويليام وايلر فيلم "مرتفعات وذرنغ"، ثم "اكتشفه" هتشكوك فأداره في فيلمه الجميل "ربيكا" (1940)، ولكن لئن كان عالم السينما قد اكتشف أوليفييه منذ ذلك الحين، وسيظل يكتشفه عقوداً طويلة بعد ذلك، فإن عقد الأربعينيات يبقى بالنسبة إلى مساره، أفضلها وأهمها، علماً بأن حياة لورانس العملية والفنية بدأت قبل ذلك بكثير.

فلورانس أوليفييه الذي ولد عام 1907 في مدينة دوركنغ بمقاطعة ساري، صعد إلى المسرح للمرة الأولى في 1922، وتحديداً في أدوار شكسبيرية حققت له شهرة واسعة. ومن المسرح انتقل إلى السينما مرة أولى في 1930 في أدوار رومانسية لم تحقق له ما يصبو إليه من الشهرة، ولم تلفت إليه الأنظار، وحتى حين توجه عام 1931، للمرة الأولى، إلى هوليوود ومثل تحت إدارة راؤول وولش لم يتنبه إليه أحد ما اضطره للعودة إلى إنجلترا، حيث برز هذه المرة في اقتباس سينمائي عن مسرحية "كما تحبها" لشكسبير، ثم مثل إلى جانب فيفيان لي زوجته، التي توجه معها إلى هوليوود، حيث تم اختيارها للتمثيل في "ذهب مع الريح"، وعرف الاثنان منذ ذلك الحين نجاحاً سار في خطين متوازييين على الرغم من أنهما كانا يجتمعان مرة كل بضعة أعوام في فيلم ما فيحققان نجاحاً موحداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أفضل اللحظات في حمى شكسبير

مثل لورانس أوليفييه في عشرات الأفلام، وفي عشرات المسرحيات، غير أن أفضل أعماله تبقى تلك الأفلام الشكسبيرية الثلاثة التي حققها ومثلها بنفسه: "هنري الخامس" (1944) و"هاملت" (1948) و"ريتشارد الثالث" (1955). فهل من قبيل الصدفة أن تكون الأفلام الثلاثة مأخوذة عن شكسبير ومشغولة بأسلوب مسرحي بحت، يختلف كلياً - على سبيل المثال - عن الأسلوب الذي اتبعه أورسون ويلز - السينمائي العريق - حين اقتبس شكسبير؟ مهما يكن، من بين أدوار لورانس أوليفييه الكبيرة نذكر أدواره في أفلام مثل هتشكوك "ربيكا" و"كاري" لويليام وايلر (1951) و"المدرب" لتوني ريتشاردسون (1960)، وبخاصة دورين أخيرين تميز في أدائهما، دوره في "المخبر" من إخراج جوزيف لـ. مانكنتش (1972)، ثم الدور الذي لعبه إلى جانب كاثرين هيبورن في "الحب بين الأطلال" (1974)، كما نذكر أنه سمي لنيل جائزة "الأوسكار" عن دوره في فيلم "أولاد من البرازيل"، فيما كان "هاملت" الذي حققه، أول فيلم أجنبي ينال جائزة "أوسكار" كما ذكرنا.

المزيد من ثقافة