Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأطماع البشرية لا تنتهي في مسرحية "كونكان" المصرية

المخرج اعتمد عقدة التشويق ولم يكشف عن أوراقه إلا في اللحظات الأخيرة

من المسرحية المصرية "كونكان" (الخدمة الإعلامية)

أكثر ما يلفت في العرض المسرحي "كونكان"، أمور ثلاثة، أولها جرأته الشديدة على إدانة بعض فئات المجتمع المصري، وفضح ممارساتها، وكشف أكاذيبها، عبر إبراز تناقضاتها بين صورتها المجتمعية التي تبدو سويَّةً، وسلوكياتها المتدنية التي تمارسها في الخفاء، بخاصة أن النماذج التي قدَّمها موجودة بكثرة داخل المجتمع.

الأمر الثاني يتمثل في ما يمكن اعتباره تشويقاً وإثارةً، فالمشاهد يظل طوال العرض مشدوداً إلى المتابعة، انتظاراً لما ستُسفر عنه الأحداث، من دون أن يتوقع نهاية بعينها. أما الأمر الثالث فهو مستوى التمثيل، الذي قدمته مجموعة ممثلين تضم محترفين وهُواة يمتلكون قدراً كبيراً من الموهبة.

العرض قدّمته فرقة قصر ثقافة الجيزة، التابعة لهيئة قصور الثقافة (مؤسسة رسمية) في قاعة صلاح جاهين بمسرح البالون، وهو من تأليف أحمد الأباصيري، دراماتورجيا وأشعار أيمن النمر، وديكور ملاك رفعت، ومن إخراج عمرو حسان.

توريط الجمهور

صاغ مصمم الديكور قاعة صلاح جاهين، المستطيلة، بشكل وضع الجمهور على طرفي القاعة، وجعل منطقة التمثيل في المنتصف، فبدا أن الجمهور متورط، أو مشارك في ما يحدث أمامه. واستطاع المصمم تشكيل منطقة التمثيل وجوانب القاعة بإمكانات بسيطة، نظراً للميزانيات الضئيلة التي تعمل بها فرق قصور الثقافة، ليحولها إلى صالة مقامرة بكل ما تحويه من مناظر صاخبة ومبهجة في آنٍ. في المنتصف منضدة اللعب مرتفعة قليلاً عن المستوى صفر، والبار على أحد الجوانب، وجعل الجانب الآخر المقابل للبار مرتفعاً أكثر، حيث الدرج الذي يهبط عليه الرواد باعتبار أن الصالة في طابق تحت الأرضي. أما جوانب القاعة فقد شكّلها بأوراق اللعب، وغلب اللون الأحمر عليها دلالةً على أجواء الإثارة والتآمر التي يطرحها العرض، ولعبت الإضاءة (صممها عز حلمي) دوراً مهماً في عكس هذه الأجواء، وشحن اللحظات الدرامية الحادة.

رسالة العرض تشير، أو تلمح، إلى بعض أمراض المجتمع كالطمع والشر والكراهية والازدواجية والنصب، أي استخدام الحيلة في الإيقاع بالآخرين. وتنفي، كذلك، فكرة انتصار الخير في النهاية، باعتبار أن المجموعتين المتصارعتين مُدانتان أصلاً، ولا فارق بينهما. فكلتاهما تُوقع الأذى بالآخرين، لكن ذلك لم يأتِ عبر صيغة أخلاقية أو إرشادية، وإلا فقدت الرسالة فنّيتها، بل جاء عبر أحداث جرت في ساعات محدودة، تبين منها أن دائرة تلك الأمراض، لا تنتهي، ولن تنتهي إلا بفناء الجنس البشري.

نماذج شائهة

نص العرض يدور داخل صالة القمار من خلال أربعة أشخاص من ذوي الحيثية أو المكانة الاجتماعية المرموقة، يلعبون الورق: طبيب مشهور يتاجر بالأعضاء البشرية، وصاحب مجموعة فنادق معروف بإدمانه الشراب وعلاقاته النسائية المتعددة وتسببه في مقتل بعض الفتيات نتيجة ارتباطهن به، وثري تربطه علاقات بنافذين يستغلها لتحقيق المكاسب، وسيدة ترأس إحدى جمعيات مناصرة المرأة، وتسخر، خلال حوارها، من هذه المهمة... نماذج بشرية شائهة، لا يشغلها سوى جمع الأموال، واستغلال الآخرين، والإنفاق على ملذاتهم. في حين يبدو "البارمان" والفتاتان اللتان تعملان في الصالة، على درجة من الالتزام، وهو ما يتضح من خلال حواراتهم معاً، كأن نعرف أن الفتاتين، على الرغم من مظهرهما المتحرر، وضحكاتهما الرقيعة، ومُجاراتهما للزبائن، ملتز،متان ولا يمكن لإحداهما بيع شرفها مقابل المال.

هكذا نظن أننا بين فريقين، الأول لا أخلاقي، والآخر لديه بعض القيم التي لا يمكنه التنازل عنها مقابل أي شيء، والنموذجان موجودان في المجتمع المصري وغيره من المجتمعات.

غير أننا نكتشف في ما بعد أن البارمان والفتاتين وعامل البار وشخصين آخرين، وضعوا خطة للإيقاع بمجموعة اللاعبين والنصب عليهم ومساومتهم على حياتهم. يدّعي أحدهم أنه خطيب إحدى الفتيات العاملات في الصالة، ويُجبرها على مغادرة المكان، إلا أنهما يعودان سريعاً ويؤكدان انهيار السلم المؤدي إلى الطابق الأعلى. ويكتشف رواد الصالة أنهم مهددون بالموت عطشاً وجوعاً، إذا لم تبادر فرق الإنقاذ إلى نجدتهم. وبما أنهم تحت الأرض فشبكات الهواتف لا تعمل، بالتالي فالأمل في النجاة ضعيف. ويبدأ البارمان في مساومتهم على زجاجة مياه يحتفظ بها، وتنشأ صراعات بينهم، ويحصل البارمان على شيكات بالملايين منهم، نظير تلك الزجاجة.

وتتطور الأحداث فيقوم صاحب مجموعة الفنادق بقتل اثنين من رفاقه (الطبيب والسيدة رئيس جمعية أنصار المرأة)، بينما يدّعي البارمان قتل إحدى الفتيات العاملات معه، نتيجة الهلع الذي بدت عليه ووتّر الآخرين. ويدّعي الثري إصابته بأزمة نتيجة مرض السكري تؤدي إلى موته. وفي النهاية يتم وضع السم في زجاجة الشراب أمام القاتل حتى يموت هو الآخر. ونكتشف بعدها أن الأمر كان مدبراً بعناية للنصب على مجموعة اللاعبين والحصول على الأموال منهم، بل إن أحد اللاعبين، وهو الثري صاحب العلاقات بالمسؤولين، كان ضمن المجموعة التي خططت للنصب على اللاعبين.

خطأ درامي

السؤال هنا إذا كانت دوافع العاملين في البار هي النصب على مجموعة اللاعبين، ونفذوا خطتهم بدقة شديدة، فما الدوافع التي أدّت إلى التخلص من صاحب الفنادق على الرغم من أنه تورط في قتل اثنين من رفاقه وحصلوا منه على أموال طائلة؟ لماذا وضعوا له السم في الشراب، وكان بإمكانهم، مثلاً، إبلاغ الشرطة ليتم القبض عليه وينتهي كل شيء من دون التورط في جريمة قتل؟ معروف أن مثل هذه المجموعات التي تمارس النصب لا تلجأ إلى القتل إلا في حالات الضرورة القصوى، ولم تكن هناك ضرورة، حتى درامية، لهذا الفعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعيداً من هذا الخطأ الدرامي، الذي يبدو ساذجاً، ويمكن تداركه في العروض القادمة، نجح المخرج عمرو حسان في بناء عرض متماسك، لم يسلم نفسه إلا في النهاية، وتحسب له القدرة على الإمساك بالمشاهدين حتى اللحظات الأخيرة، من دون أن يسلم العرض نفسه منذ البداية، فيكون الجمهور متوقعاً ما يحدث، أي إنها الحبكة الجيدة التي أجاد المخرج إحكامها، كما أجاد رسم خطوط الحركة في هذه المساحة الضيقة المحيط بها الجمهور من الجانبين، ما تطلّب الدقة الشديدة حتى تكون زوايا الرؤية متاحة للجميع.

اختيار الممثلين

يُحسب للمخرج كذلك اختيار فريق الممثلين بعناية، وتوظيف كل منهم في الدور الذي يناسب إمكاناته الفنية والجسدية: إبراهيم البيه في دور البارمان الذي لعبه بدهاء شديد وأداء هادئ ومقنع لا تستطيع معه أن تكتشف طبيعته إلا مع مشهد النهاية. ومنة الفيومي، فتاة الصالة التي تدّعي خطبتها لأحد الشباب بفهمها الواعي لحدود شخصيتها، ومعها زميلتها في العمل نيجار محمد، التي أدّت دورها هي الأخرى بإتقان شديد، وأسامة فوزي، اللاعب المتواطئ مع مجموعة العاملين في صالة القمار... أداء احترافي وخفة ظل من دون استظراف، ومحمد الجداوي الذي ادّعى خطبته لفتاة الصالة، ولم يتطرق الشك لحظة واحدة من قبل المشاهدين أنه ضمن مجموعة النصابين، وكذلك عامل البار محمد شرف. أما اللاعبون فقد بدا كريم الحسيني الذي أدّى دور صاحب مجموعة الفنادق المستهتر، بحركاته وانفعالاته وردود فعله مقنعاً للغاية، وواعياً طبيعة شخصيته، وكذلك هاني ماهر في دور الطبيب الذي يتاجر في الأعضاء البشرية، ومي بهاء، رئيس جمعية أنصار المرأة.

شكّل هذا الفريق سيمفونية أداء احترافية وممتعة وواعية، فطبيعة العرض، ورغبة المخرج في عدم الكشف عن أوراقه إلا في النهاية، تطلّبت هذا الوعي الذي جعل الممثلين كما لو كانوا يسيرون فوق الحبال، فأي خطأ، ولو كان بسيطاً، يفسد اللعبة برُمّتها.

في مثل هذه العروض، التي تعتمد التشويق والإثارة، لا بد من عناصر تمثيلية واعية، قادرة على إمتاع الجمهور بأدائها، عوضاً عن الغموض الذي يحيط بالأحداث. فالأداء المتقن هنا هو الذي يدفع المشاهد لمواصلة المتابعة، وهو ما كان، وهو ما يغفر بعض الأخطاء الدرامية.

المزيد من مسرح