ازدهار بريطانيا الاقتصادي مرتبط بقبول شروط الاتحاد الأوروبي

بغضّ النظر عمّن سيكون الرئيس الجديد للحكومة، فلن يستطيع أن يغير الوضع الاقتصادي الذي ورثه. وبدلا من ذلك، سيكون عليه اللعب بالأوراق التي بين يديه، كما هي حاليا، عوضاً عن رميها بعيداً والمطالبة بأوراق لعب جديدة

بوريس جونسون (عن أسوشييتد برس)

عكف الطامحون إلى تسلم زعامة حزب المحافظين خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخير على الترويج برامجهم السياسية: فهذا سيغّير نظام "ضريبة القيمة المضافة" (في أيه تي)؛  وذاك لن يدفع للإتحاد الأوروبي التسوية المالية المترتبة على طلاق المملكة المتحدة منه إلى حين التوصل إلى اتفاق تجاري معه؛ وثالت سيخفّض معدل الفائدة على القروض الممنوحة للطلاب الجامعيين (وهذا عرض معقول)؛ وآخر سيغلق البرلمان.

ولإفساد المتعة التي يعيشها المتنافسون، دعونا نتأمل الجوانب العملية التي سيواجهها رئيس الوزراء الجديد بعد تقلد منصبه. وأرى ان هذه الجوانب ستشتمل على النقاط السلبية التالية:

أولا: لن يكون هناك وقت للتفاوض حول اتفاق بريكست، الذي رفضه البرلمان ثلاث مرات، قبل نهاية المهلة الإضافية التي تسمح للمملكة المتحدة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي إلى 31 أكتوبر(تشرين الأول) المقبل، حتى ولو كان الاتحاد الأوروبي مستعدا للتفاوض. كذلك ستكون هناك مفوضية جديدة للاتحاد الأوروبي وسيكون فصل الصيف مخصصاً لتوزيع الوظائف.

ثانيا: لا نعرف ما إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي ستسمح لنا بالاحتفاظ بعضويته لفترة إضافية أخرى. من المرجّح – ولكن ليس الواضح-  أنها ستفعل ذلك.

ثالثا: تأجيل عملية الخروج من الإتحاد الأوروبي قد بدأ سلفاً يُخفّف من وهجها. كان الاقتصاد خلال السنوات الثلاث الأخيرة في وضع جيد، وأفضل بكثير مما توقعه معارضو الخروج من الاتحاد الأوروبي في إطار مشروعهم لـ" بثّ الخوف" من البريكست. وضمن هذا التوجه، أصدرت وزارة المالية تقريرها السيء الصيت حول تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن أخذ الضعف يدبّ خلال الاسابيع الاخيرة في بعض الجوانب، وستؤخر حالة عدم اليقين الناجمة عن أزمة البريكست من حسم العديد من القضايا ، على الأغلب. وهذا امر سيئ.

رابعا: هناك تراجع متسارع في الاقتصاد العالمي لايزال في بداياته . فالاقتصاد الألماني يبدو ضعيفا حالياً أكثر مما مضى وهو أكبر سوق تصدير للمملكة المتحدة بعد الولايات المتحدة.

خامسا: إن إنفاق المزيد من المال العام على أجندة جميع المرشحين، بمن فيهم أولئك الذين يقترحون استخدام المدفوعات المخصصة للاتحاد الأوروبي كورقة مساومة، علماً أن أي تباطؤ في الاقتصاد سيؤدي إلى تخفيض في جباية الضرائب. وحتى الآن كانت الإيرادات قوية بشكل لافت، لكن من الممكن ضمان بقائها قوية.

كانت تلك القائمة الكئيبة. لذلك، فلن يستطيع أي رئيس جديد للحكومة أن يغير الوضع الاقتصادي الذي ورثه. وسيكون عليه أن يلعب بالأوراق التي بين يديه، كما هي حاليا، بدلا من رميها بعيداً والمطالبة بأوراق لعب جديدة.

والآن جاء دور النقاط العملية الإيجابية الخمس:

أولا: المال العام في حالة لا بأس بها. فالعجز المالي تقلص إلى مايزيد قليلاً عن 1 % من الناتج المحلي الإجمالي. وسيكون من الأفضل تشغيل الفائض في هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية، لأننا يجب أن نكون إلى حد ما متحكمين فيها، وتبقى الضغوط البنيوية الطويلة الأمد على الإنفاق العام بسبب، سكاننا الذين ترتفع نسبة المسنين بينهم، صعبة . لكنها الحالة حتى الآن جيدة بما فيه الكفاية.

ثانيا: أثبت اقتصادنا الموجّه للخدمات وحاجات المستهلكين والذي يوفّر الكثير من الوظائف، أنه متين جدا. وإذا كان هناك تراجع اقتصادي عالمي، مثلما أتوقع أن يحصل في السنة المقبلة، فستكون المملكة المتحدة بوضع أفضل من معظم الدول الأخرى لتجاوزه.

ثالثا: حالما يتمّ تنفيذ اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، هذا على افتراض أنه سيتّم، سيتحول التركيز إلى العلاقات التجارية بأوروبا. وحينها ستكون المفاوضات مختلفة للغاية عن تلك التي تتعلق بالبريكست. وستعمل أوروبا على الوصول إلى سوق المملكة المتحدة، الذي حقّق خلال العقد الماضي نمواً يكاد يساوي ضعف معدل نمو منطقة اليورو. هكذا يجب أن تكون هذه المفاوضات أكثر تكافؤا وتوافقا.  

رابعا: سيرث رئيس الوزراء الجديد خدمات عامة ممتازة. وبين الأمور التي تعلمناها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أو بالأحرى أننا يجب أن نكون قد عرفناها دائماً، هو أن جهاز الحكومة الإداري الكفء وغير المسيَّس، يُشكّل ثروة كبيرة للديمقراطية. ومع أنه لم يستطع منع تيريزا ماي من الوقوع في أخطاء، فهو عمل ضمن حدود قصورها لتحقيق أفضل النتائج الممكنة للبلاد.

خامسا: تبقى التوقعات بشأن الاقتصاد البريطاني على المدى البعيد، إيجابية. فمن المؤكد أن اتجاهات معدل النمو هي أعلى من بقية بلدان أوروبا. وستصبح الخدمات أكثر أهمية في التجارة العالمية مقارنة بالسلع، وتعتبر المملكة المتحدة ثاني أكبر مصدّر (بعد الولايات المتحدة) للخدمات في العالم. ولديها تنوع سكاني ملائم نسبيا، بمعنى أنه بينما يتقدم مجتمعنا في السن، فإنه يقترب من الشيخوخة بوتيرة أبطأ بكثير من تلك التي تشهدها  معظم الدول المتقدمة الاخرى.

و باختصار، ليست أوراق اللعب هذه سيئة. غير ان من الضروري التعامل معها بحساسية عالية وذكاء. وذلك ما سنطلبه من رئيس الوزراء الجديد.

© The Independent

المزيد من