Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هو النموذج المطلوب لتجاوز النظام الحالي في إيران؟

المعارضة تفتقد وجود تنظيم شامل يضم معظم القوى والفصائل الطامحة للتغيير

مرشد الجمهورية الإيرانية لم يبد أي مرونة في إصلاح النظام ( موقع المرشد الإيراني علي خامنئي)

هناك ظروف اقتصادية واجتماعية وبيئية صعبة يعيشها المواطن الإيراني، يعرفها القاصي والداني، وهناك ردود فعل تقوم بها الشعوب غير الفارسية والعمال والمعلمون والنساء والمتقاعدون وفئات اجتماعية أخرى متضررةً من الوضع الحالي في إيران.
كما تنشط شخصيات ومنظمات معارضة لنظام "الجمهورية الإسلامية" في الخارج لتغيير هذا الوضع.
ويعتقد البعض أن إحدى الفئات الاجتماعية التي لعبت دوراً بارزاً في تغيير النظام السياسي السابق وقيام ثورة 1979 هي فئة مُهمّشي المدن، أو ما تسمى "حاشية نشينان" بالفارسية.
ويقول هؤلاء المحللون، إن التيار الإسلامي كسب هذه الفئة قبل تلك الثورة، فيما أغفلها اليسار، ولم يركز عليها، وكان جُلّ تركيزه على الطبقة العاملة والطلبة، وذلك خلافاً لليسار في أميركا اللاتينية، الذي شارك في العملية السياسية، ووصل إلى السلطة في بعض بلدانها، إثر اعتنائه بهذه الفئة الاجتماعية، وكسبها إلى جانبه، ويبدو أن بعض القوى السياسية في إيران لا تزال تغفل هذه الفئة المؤثرة في أي تغيير قادم.
وقد شكّل سكان هوامش المدن والمُعدمون القوة الرئيسة في انتفاضتي نهاية 2017 ومطلع 2018، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019 في إيران، وسمعنا فيها هتافات راديكالية تتجاوز الإصلاحيين والمحافظين، لكن هذا لا يعني خفوت هذين التيارين، بل ضعفهما في المجتمع الإيراني. يلي هذه الفئة الطبقة العاملة التي يتمثل نضالها بالإضرابات والاعتصامات، وأحياناً التظاهرات في المناطق الصناعية للبلاد، وبخاصة في إقليم الأحواز.
 

القوى السياسية ومستقبل إيران

يسعى الإصلاحيون بقيادة الرئيس الأسبق محمد خاتمي وأنصار الحركة الخضراء بقيادة مير حسين الموسوي ومهدي كروبي – اللذين يرزحان تحت الإقامة الجبرية – لإصلاح النظام، وربما إعمال تعديلات في الدستور، وما شابه ذلك، للحفاظ على نظام "الجمهورية الإسلامية".
غير أن قوى ملكية وقومية فارسية تسعى لإسقاط النظام الإيراني، لأنها تعتبرها غير فارسية بما فيه الكفاية.
كما تسعى منظمة "مجاهدي خلق" لإسقاط نظام خامنئي مع الإبقاء على البنية الأساسية للدولة – الأمة القائمة منذ عهد الشاه رضا بهلوي، وبالطبع منح الحكم الذاتي للشعب الكردي وبعض الحقوق للشعوب الأخرى، ويشاطرهم في ذلك بعض اليسار الإيراني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


لكنّ هناك جزءاً من التيار اليساري والديمقراطي، وقوى تنتمي إلى الشعوب غير الفارسية تؤمن بالفيدرالية كحل لمشاكل إيران، لكن تنعدم الثقة بين الجانبين. وفي النهاية هناك قوى تابعة للقوميات تطمح لتحطيم الدولة القومية الفارسية والانفصال منها أو إيجاد اتحاد كونفدرالي تطوعي بين الشعوب القاطنة في إيران الراهنة، وفي هذا الخصوص يمكن الإشارة إلى معظم المجموعات الأحوازية وبعض المجموعات التركية الأذرية وحزب "بيجاك" الكردي.
فمن المستحيل تجميع كل هذه القوى المتنافرة المصالح تحت خيمة واحدة، لكن من الممكن أن تقارب قوى، أقل اختلافاً في الأهداف. فالجميع يعلم أن إيران بعد ولاية الفقيه لا يمكن أن تحكم من قبل تيار أو حزب واحد، ولا بد من ائتلاف سياسي يضم أغلبية الفصائل والمجموعات والشخصيات المستقلة.
وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن التغيير في رأس الهرم السياسي قادم، لكن ليس بإمكان أحد أن يتنبّأ بوقت التغيير ونوعيته. وهل يكون انهياراً كما حدث في الاتحاد السوفياتي في عام 1989؟ أو مُسيّراً من قبل القوى السياسية الفاعلة مثل جنوب أفريقيا فی عام 1991؟

وفي هذا المجال، توجد خشية لا يُخفيها نشطاء القومية المهيمنة عن إمكان استشراء العنف ووقوع حرب أهلية وتفتيت البلاد إذا انهارت السلطة الحالية، لكن على الرغم من كل ما يُقال عن الوضع المتردي في إيران، لا يزال نظام ولاية الفقيه يتمتع بدعم أقلية في المجتمع الإيراني، والتي رجح أن يعتمد عليها بدلاً من الأغلبية، وذلك بعد الانتفاضات المذكورة آنفاً، واستياء الأغلبية من أدائه.
 

النموذج والمشكلة

عقب انتصار الثورة في فبراير (شباط) 1979، ومن خلال المساحات الحرة للأنشطة السياسية التي خلقتها تلك الثورة، انبثقت أحزاب وجمعيات سياسية وثقافية عديدة بعد سُبات دام عقوداً بسبب قمع الأجهزة الأمنية الملكية.
وفيما كانت قوى يسارية فاعلة كحزب "تودة"، ومنظمة "فدائيي الشعب" (الأكثرية)، ومنظمة "مجاهدي خلق" تتودّد للخميني ونظامه الوليد خلال العامين الأولين بعد قيام الثورة، وتدعمه بحجة مُعاداته للإمبريالية، اتخذت الجبهة الوطنية الديمقراطية (جبهة دموكراتيك ملي إيران) نهجاً أثبتت الأحداث التي شهدتها الساحة السياسية الإيرانية خلال الأعوام الأربعين الماضية أنه الأكثر واقعية.
شكّل عدد من الشخصيات الليبرالية واليسارية البارزة هذه الجبهة في مارس (آذار) 1979، وانتخب هدايت الله متين دفتري، حفيد الدكتور محمد مصدق، أميناً عاماً لها، فيما كان شكر الله باك نجاد الذي قضى تسع سنوات في سجون الشاه، المحرك الرئيس للجبهة التي ضمت أحزاباً ومجموعات من الشعوب غير الفارسية إلى جانب شعراء وكتاب بارزين كناصر باكدامن وأحمد شاملو وغلام حسين ساعدي، وآخرين.
فعلى الرغم من أن المؤسسين كانوا من الفرس، لم تنضم لها منظمتان معارضتان كبيرتان، آنذاك، وهما "مجاهدي خلق" و"فدائيي الشعب"، بل وأخذ حزب "تودة" – التابع لأوامر قادة الاتحاد السوفياتي – يهاجم الجبهة باعتبارها ليبرالية وأميركية. ولقد ضمت الجبهة، مجموعة "الكفاح" والمركز الثقافي العربي من الأحوازيين، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عبد الرحمن قاسملو، ومنظمة "فدائيي الشعب"، فرع كردستان من الأكراد، والمركز السياسي - الثقافي التركماني بقيادة طواق واحدي من التركمان، غير أن تمثيل الأتراك الأذريين كان خجولاً ينحصر بمنظمة تسمى المركز الثقافي الأذربيجاني.
ويبدو لي أن عدم إدراك منظمة "مجاهدي خلق" و"فدائيي الشعب" ضرورة الائتلاف في جبهة واحدة معارضة جعل النظام يضربهما كلاً على حدة، بل ويقضي على الكيانات السياسية المعارضة كافةً، بعد أعوام من القمع الدامي الذي استغرق من 1981-1988.
وخلافاً للأكراد لم تكن مشاركة الأتراك الأذريين في الجبهة الوطنية الديمقراطية ذات وزن ثقيل، وهذا ما نشاهده أيضاً عقب تشكيل مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية في الخارج عام 2003، حيث لا يوجد من بين أحد عشر فصيلاً أذرياً ناشط في الخارج، إلا فصيل واحد في هذا التنظيم. ويعود ذلك إلى الخلافات السياسية الحادة بين المنظمات التركية والكردية الإيرانية وقضايا حدودية خلافية بينهما وتأثيرات ما تقوم به الحكومة التركية تجاه أكرادها وأكراد سوريا على العلاقات بين الشعبين في إيران.
وما نشاهده في العقدين الأخيرين هو تأرجح شعب أذربيجان إيران بين اتجاهي الاستقلال والفيدرالية، أي التنافس بين الفكرة القائمة على الذاكرة التاريخية للحكم الذاتي الذي مارسه هذا الشعب في فترة ديسمبر (كانون الأول) 1945 وديسمبر 1946 من جهة، وبين الفكرة السياسية التي تطمح إلى تشكيل دولة مستقلة يمكن أن تندمج مع جمهورية أذربيجان مستقبلاً، ويبدو أن تحقيق هذه الفكرة مُستبعد في الظروف الراهنة، ولم يتحقق هذا الحلم إلا إذا دعّمت تركيا هذا الاتجاه، وهو غير حاصل حالياً.
فوفقاً لما ذكرت يمكنني القول إن هناك مشكلتين أساسيتين تواجهان إسقاط النظام، أو تغييره، وهما فقدان تنظيم معارض شامل يضم معظم القوى والفصائل الطامحة للتغيير في إيران من جهة، وعدم مشاركة الشعب الأذري في مثل هذا الحراك من جهة أخرى، إلا بعض التنسيقات التي تتم مع الشعب الأحوازي، وهو أمر غير كافٍ لإحداث أي تغيير كبير في إيران.
فلذا، إن الاحتمال الأكبر هو انهيار النظام، وهذا أيضاً يتبع سيكولوجية المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لم يظهر أي مرونة لإصلاح النظام السياسي، ويبدو أن الانهيار أو أي تغيير من نوع آخر يرتهن على وفاته.

المزيد من سياسة