Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شركات تستبدل زيوت الأطعمة... فماذا عن الأطفال ذوي الحساسية؟

يفيد عدد من الأهالي بأن الأطعمة التي كانت آمنة سابقاً باتت تتسبب بردود فعل تحسسية

كل يوم أتخذ قرارات بشأن الطعام الذي سأقدمه لأطفالي (غيتي/آي ستوك فوتو)

إن السياسة العالمية قادرة على التأثير في حياتنا بطرق لا نتوقعها أبداً. ربما لاحظتم - والأرجح أنكم لم تلاحظوا - أن معظم المتاجر الكبرى تضع الآن لافتة تشرح أنه بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، صار العالم يعاني من نقص في زيت دوار الشمس.

كانت أوكرانيا المصدّر الأول عالمياً لزيت دوار الشمس ونضبت سلاسل التوريد والتوزيع تقريباً. هنا في المملكة المتحدة، ارتفع سعر زيت الطهي مع تناقص الإمدادات. ويبحث المصنعون في كل مكان عن بدائل: سواء لوضعها في الوجبات الجاهزة أو الكعكات أو البسكويت أو معظم الأطعمة المعلّبة، وحتى لاستخدامها بدل المواد التي تسمح بتماسك الوجبات النباتية والنباتية الصرف [فيغان].

حتّم تسارع النقص في الإمداد على شركات الأغذية التصرف بسرعة. وهي تتحوّل نحو استخدام زيوت الصويا وجوز الهند وبذور اللفت أو زيت النخيل. ولهذا وُضعت اللافتة: لتحذير الزبائن من وجود بعض التغييرات غير المتوقعة في المنتجات التي يبتاعونها عادة.

وماذا إذاً؟ ما أهمية ذلك إن كان الطعم لم يتغيّر؟ هذا مهم لأن وكالة المعايير الغذائية وافقت، في هذا الوقت المتأزم، على التغاضي عن قوانينها المعتادة المتعلقة بملصقات وصف الأغذية المعلّبة، بهدف مساعدة الشركات.

هذا قرار بالغ الأهمية يشكل سابقة مقلقة - كما يعرّض الناس للخطر.

أصبحت آلاف الأطعمة المباعة في المتاجر الكبرى التي تحتوي على زيت الصويا أو زيت جوز الهند، وهاتان المادتان هما من مسببات الحساسية، من دون أي إشارة على ملصق وصف الأغذية إلى وجودهما داخل المنتج. تقول وكالة المعايير الغذائية إنها أجرت  اختبارات عدة للتأكد من أن قرارها لا يضع المستهلكين الذين يعانون من الحساسية بخطر على الإطلاق. إن الزيت منتج مكرر، ما يعني أن معظم البروتين - أي الجزء الذي يثير رد فعل تحسسي في الغذاء - أزيل والخطر لا يُذكر. وإن حدث رد فعل تحسسي، فسيكون خفيفاً أو لو استعرنا تعبير وكالة المعايير الغذائية "خفيفاً لدرجة تجعله لا يستحق الأخذ في الاعتبار".

إن "خفيف" لكلمة ملغومة بالفعل. أنا أم لطفلين يعانيان من حساسيات متعددة. أينما ذهبنا، أحمل معي حقيبة طبية فيها أربع حقن مضادة للحساسية (اثنتان لكل واحد منهما)، زجاجات من مضاد الهيستامين وبخاخات مع الفواصل لاستنشاق الجرعة. لا يزال الصغير يلبس الحفاض، ما يعني أننا كنا نتنقل مع أغراض كثيرة أساساً. أما الآن، فأبدو كفرس محمّلة بالأغراض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كل يوم، كل قرار أتخذه بشأن الطعام الذي سأقدمه لأطفالي أو المكان الذي سأبتاع منه الغذاء هو قرار محفوف بمخاطر لا توصف. هذه مخاطر يتعلم المرء التعايش معها، ولكنها تحتاج إلى الكثير من الوقت والطاقة وهي مشحونة بالقلق، إذ تصبح الضغوطات المعتادة التي تصاحب تربية صغار السن ضغوطاً مضاعفة. وهي تضع أعباء هائلة على الصحة النفسية للأهل والأمر الوحيد الذي يمكن لأمثالي التمسّك به هو بعض بقايا الأمان: الأطعمة التي نعلم علم اليقين بأن تناولها آمن بالنسبة إلى أطفالنا، والأماكن (وهي إجمالاً منازلنا بصراحة) التي نعلم بأنهم قادرون على تشارك الوجبات فيها مع الآخرين من دون أي خطر عليهم.

على وسائل التواصل الاجتماعي، أنا في تواصل مع أهل آخرين يواجهون التحديات ذاتها. فجأة، يفيد عدد منهم الآن بأن أطعمة كانت في السابق آمنة أصبحت تتسبب برد فعل تحسسي، إذ صار الأطفال الذين يعانون من حساسية على الصويا أو جوز الهند يتحسسون من أنواع الأطعمة كافة، وفي حالات كثيرة لم يملك الأهل أدنى فكرة لماذا فجأة ساءت حالة أطفالهم. لكن ذلك تبدّل طبعاً عندما شارك مستخدمون آخرون على وسائل التواصل الاجتماعي هذه المعلومات بشأن التغيير الذي طال المنتجات.  

 إن وكالة المعايير الغذائية محقة في أن الزيوت المكررة لن تتسبب على الأرجح بردّ فعل تحسسي مفرط (anaphylaxis)، ولكن الأطفال والبالغين الذين يعانون من حساسية على الصويا قد يصابون مع ذلك بردّ فعل تحسسي. والحياة في ظل المعاناة من الحساسية أكثر تعقيداً بأشواط مما يدركه كثيرون محظوظون لقدرتهم على تفاديها. ليست كل ردود الفعل التحسسية فورية ومهددة للحياة، بينما تتسبب حساسيات أخرى (تُعرف في أوساط الأطباء بالحساسيات غير المرتبطة بالغلوبولين المناعي non-IGE allergies) بمشكلات مزمنة مثل السعال والربو، والأكزيما الشديدة أو آلام المعدة ومشكلات الأمعاء. قد يجد الأطفال الذين قضوا سنوات في إزالة بعض الأطعمة من نظامهم الغذائي للسيطرة على الأكزيما أنفسهم الآن يعانون من الألم وغير قادرين على ضبط حالتهم.

ربما لا ترى وكالة المعايير الغذائي، التي من واجبها إقامة التوازن بين توافر الأغذية من جهة والسلامة من جهة أخرى، أن هذا الأمر يستحق الاعتبار. لا شك في أنها لن تتورط في أي معركة قضائية طبية. فلن يموت أي أحد على الأغلب. ولكن النتائج المترتبة على العائلات المعنية بهذا الموضوع مؤذية جداً: العجز عن النوم وضعف الصحة النفسية وبؤس الأطفال.

حتى لو كانت ردود الفعل التحسسية "خفيفة"، فهي قادرة مع ذلك على تدمير نوعية حياة عائلة بأسرها. وفجأة، بين ليلة وضحاها، لا يعود الأهل قادرين على فعل أي شيء لإدارة هذا الخطر ما عدا تفادي كل المنتجات التي تتضمن أي نوع من الزيوت. هذا كمّ كبير من المنتجات. وهو يعني كذلك أن تخبز خبزك الخاص وبسكويتك الخاص، وأن تعدّ الوجبات من الصفر كلّياً كل الوقت. هذا أمر يستهلك من الوقت الشيء الكثير وهو منهك ويشكّل عبئاً مالياً إضافياً هائلاً في خضم أزمة تكاليف المعيشة التي نمرّ بها. 

ربما اتخذت وكالة المعايير الغذائية قرارها في سبيل إدارة الأزمة، ولكن قبولها بأن يكون الملصق على الأطعمة غير دقيق هو قرار خاطئ. وهو يحرم العائلات التي تعيش مع الحساسية من نقاط اليقين القليلة التي تحتاج إليها بشأن الطعام ويضيف طبقة جديدة ومريعة من القلق والتعقيد على حياتهم الصعبة أصلاً. كما أنه يشكّل مثالاً يقول إنه لا بأس من العبث بالمعلومات التي تقدّم بشأن الأطعمة، فيهدم كل الإنجازات الحسنة التي حققها قانون ناتاشا بشأن الملصقات الغذائية [يفترض على شركات الغذاء ذكر قوائم كاملة بالمكونات والإشارة إلى مسببات الحساسية]. 

والأسوأ من ذلك بعد، ما أخشاه هو أنه يسهم في تصديق سوء الفهم الذي لا يزال منتشراً وشائعاً عن أن الحساسية ليست مسألة مهمة. ما عليكم سوى حمل حقنة حساسية وسوف تكونون بخير، أليس كذلك؟ لكن الغريب أن وكالة المعايير الغذائية لا تسمح باستبدال زيت الفول السوداني (وهو منتج مكرّر) مع أنه - كما المنتجات الأخرى – هناك دلائل قليلة على احتمال حصول رد فعل تحسسي من زيت الفول السوداني أو بأن يكون خطيراً في حال استهلكه شخص يعاني من حساسية شديدة على الفول السوداني.

إن الأمر برمّته مسألة وجهة نظر- ووجهة النظر هذه تقول بأن الأطفال مثل أطفالي غير مهمين ببساطة.

© The Independent

المزيد من صحة