Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجميد أم استيلاء؟... حرب مصادرة الأصول بين روسيا والغرب

يسعى كل طرف بشكل غير قانوني للاستحواذ على مئات المليارات من الدولارات على حساب الآخر

توجه نحو تجميد الأصول الروسية وسط تصاعد الصراع بين جبهتي الغرب وموسكو ( أ ب)

هدد رئيس مجلس الدوما "البرلمان" الروسي، فياتشسلاف فولودين، مطلع هذا الشهر، بأن موسكو قد تصادر ممتلكات الأجانب في روسيا رداً على مقترحات في الولايات المتحدة والدول الغربية بمصادرة الأصول الروسية المجمدة لديها واستخدامها لتمويل دعم أوكرانيا. تصريحات فولودين جاءت بعد تصعيد الرئيس الأميركي، جو بايدن، من الخطاب الأميركي وطلبه 33 مليار دولار من الكونغرس لدعم أوكرانيا، والاقتراحات المتزايدة بتمويل ذلك الدعم من مصادرة الأصول الروسية المجمدة والاستيلاء عليها. وذكرت تقارير في الإعلام الأميركي أن لجنة من وزارة العدل الأميركية والكونغرس وغيرهما ستعمل على تعديل القانون بما يسمح بمصادرة الأصول الروسية المجمدة.

وكانت كندا أعلنت مبكراً بعد بداية الحرب في أوكرانيا نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي أنها تدرس إمكانية مصادرة الأصول الروسية المجمدة لديها لدعم أوكرانيا. أما بريطانيا، التي ليس لديها كثير من الأصول الروسية الحكومية المجمدة، فتحاول تعديل القانون لتتمكن الحكومة البريطانية من الاستيلاء على مئات المليارات من أموال الأثرياء الروس لديها. وفي أوروبا، تتزعم بولندا الدعوة بقوة لمصادرة الأصول الروسية المجمدة إما لتمويل استقبال اللاجئين الأوكرانيين أو دعم كييف عسكرياً أو حتى استعداداً لإعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب. لكن، حتى الآن تظل كل تلك الدعوات لمصادرة الأصول المجمدة والاستيلاء عليها في إطار الجدل القانوني والدستوري والقوانين والأعراف الدولية. فما هي الأصول الروسية في أميركا والغرب والأصول الغربية في روسيا التي يتم تجميدها ويجري الحديث عن إمكانية مصادرتها والاستيلاء عليها من قبل الطرفين؟

مئات المليارات

من الصعب حصر القيمة الإجمالية للأصول الروسية التي تم تجميدها في خمس جولات من العقوبات منذ بداية الحرب في أوكرانيا قبل أكثر من شهرين حتى الآن. بخاصة أن الأرقام تتباين في التقارير المختلفة التي تتبع كل إعلان عن حزمة عقوبات، وكثير منها في إطار التقديرات. لكن بعض التصريحات السياسية تغالي بشدة في حجم الأصول الروسية المصادرة، كما هي الحال في بريطانيا مثلاً، حيث لا تزيد أصول نحو 70 مليارديراً روسياً من العقارات وغيرها على مليار دولار، إضافة إلى أصول أخرى من ممتلكات فخمة وشركات ببضع عشرات المليارات. بينما الإعلام يتحدث عن أكثر من نصف تريليون دولار.

مع ذلك، يمكن حساب بعض تلك الأصول من البيانات السياسية والتقارير الإعلامية وإن بشكل متحفظ حول الدقة في الأرقام. إذ بلغ حجم الأصول الروسية في الخارج في السنوات الأخيرة ما يصل إلى نصف تريليون دولار (نحو 500 مليار دولار). يعود القدر الأكبر منها إلى احتفاظ البنك المركزي الروسي بما يقارب نصف احتياطياته الأجنبية في أصول في الخارج تقدر بنحو 300 مليار دولار. وتم تجميد أغلب تلك الأصول، بالإضافة إلى أصول شركات ورجال أعمال روس بما يضيف بضع عشرات من المليارات.

على سبيل المثال، لم يزد إجمالي ما تم تجميده من أصول روسية في كل دول الاتحاد الأوروبي في حزم العقوبات الخمس حتى الآن على 35 مليار دولار. أما في الولايات المتحدة، فإن التقديرات المتحفظة تشير إلى تجميد أصول روسية بما يزيد على 100 مليار.

مغالاة بريطانية

على الرغم من التصريحات القوية والتقارير الإعلامية التي تحتل العناوين الرئيسة، فإن الأصول الحكومية الروسية في بريطانيا أقل منها في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. لكن هناك عدداً من الشركات الروسية مسجلة في بورصة لندن، وحتى إلغاء هذا التسجيل وحذفها من مؤشرات البورصة البريطانية لن يكون مؤثراً كثيراً، لأن تلك الشركات في الأغلب مسجلة أيضاً في بورصات أخرى، وربما لا تكون أصولها المالية في بريطانيا كبيرة.

مع ذلك، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية ليز ترس، في نهاية مارس (آذار) الماضي، أن حجم الأصول الروسية في بريطانيا التي تم تجميدها يزيد على 623 مليار دولار (500 مليار جنيه استرليني) يعود أغلبها إلى أفراد يصفهم الإعلام الغربي برجال الأعمال الروس المقربين من الكرملين. وتتضمن عقارات باهظة الثمن، الواحد منها بملايين الجنيهات، إضافة إلى ممتلكات أخرى، بخاصة الطائرات الخاصة واليخوت الفخمة بمئات الملايين.

وفرضت بريطانيا حظراً على عشرات المليارديرات الروس، الذين استخدموا بريطانيا لتدوير أموالهم. وهناك أيضاً شركات ومصالح، مثل نادي تشيلسي الإنجليزي، الذي كان يملكه الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش، وتقدر قيمته بأكثر من أربعة مليارات دولار (نحو ثلاثة مليارات جنيه استرليني).

الأصول الأجنبية في روسيا

وفي حال ردت روسيا على أية إجراءات مصادرة غربية، فلديها الأصول التي تملكها شركات كبرى كانت تعمل في روسيا وأوقفت أعمالها. وبعض تلك الأصول ليست مملوكة بالكامل للأجانب، بل إن فيها نصيباً لشركاء روس. وهناك بالطبع عقارات وأصول إنتاج للأعمال الغربية في روسيا، لكنها ليست بالقدر الكبير، وربما لا تزيد قيمتها على بضع عشرات من المليارات.

أما الموضوع الذي احتل العناوين في الإعلام الغربي بشكل مثير فهو أسطول الطائرات الغربية المستأجرة من قبل شركات الطيران الروسية. ففي منتصف مارس الماضي، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانوناً يسمح لشركات الطيران الروسية بتسجيل الطائرات المستأجرة من شركات أجنبية لدى السلطات الروسية كي يمكنها استخراج شهادات الصلاحية للطيران من موسكو بدلاً من بلاد المنشأ التي تملك تلك الطائرات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعني ذلك التمهيد لاستحواذ الشركات على تلك الطائرات، وإن كان الإجراء لا يشرعن الأمر تماماً، وإنما يهدف إلى تفادي تعطيل عمل تلك الطائرات في ظل العقوبات التي تعرقل حصول الشركات على تصاريح الصلاحية للطيران للطائرات المستأجرة من الدول الغربية. وروسيا من أكبر بلدان العالم مساحة، ولديها شبكة خطوط طيران داخلية كبيرة.

ربع الطائرات العاملة لدى شركات الطيران الروسية، بما فيها الشركة الرئيسة "إيروفلوت" من إنتاج شركات أجنبية. فمن بين 415 طائرة لدى كل الشركات، هناك 144 طائرة فقط منتجة في روسيا. ونسبة 85 في المئة في الأقل من تلك الطائرات الأجنبية الإنتاج مستأجرة وليست مشتراة من قبل الشركات الروسية. وقدرت وسائل الإعلام الغربية أن استيلاء روسيا على هذه المئات من الطائرات المستأجرة سيعني خسارة شركات الطيران الغربية التي تملكها ما يزيد على 12 مليار دولار.

التجميد ليس مصادرة

تظل كل القرارات والقوانين التي أصدرتها روسيا رداً على العقوبات الغربية في إطار التجميد وليس المصادرة أو الاستيلاء على الأصول حتى الآن. ومنها مثلاً قرارات الكرملين بنقل إدارة أعمال الشركات الغربية التي غادرت روسيا وأوقفت أعمالها فيها إلى "إدارة مؤقتة". وإن كانت التصريحات الروسية تهدد بمصادرة أصول تلك الأعمال ومصادرتها في حال زادت نسبة مشاركة الأجنبي فيها على 25 في المئة، وأيضاً مصادرة ممتلكات الأجانب في روسيا والاستيلاء عليها. ويظل ذلك مشروطاً بقيام أميركا والدول الغربية بأي إجراءات مصادرة واستيلاء على أصول روسية، في إطار "الرد بالمثل".

في الأسبوع الماضي، كتب بول ستيفان، أستاذ القانون المخضرم في كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا، في مدونة "موضوعات قانونية" مفنداً كيف أن تجميد الأصول يختلف تماماً عن مصادرتها. وينتقد ستيفان مقالات البعض في "نيويورك تايمز" وغيرها، التي تبرر الاستيلاء على الأصول المجمدة حتى لو كان الغرض نبيلاً وهو معاقبة النظام الروسي بسبب حربه على أوكرانيا، أو استخدام تلك الأموال في إعادة إعمار أوكرانيا. فقانون "سلطة الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977" يمنح رئيس الولايات المتحدة السلطة كي "يجمد الأصول المملوكة لأجانب، بما في ذلك ممتلكات دول أجنبية. ويعني التجميد تدمير القيمة الاقتصادية للأصول بتجريم أي محاولة للتعامل عليها أو الحصول على منافع منها. لكن ما لا يعنيه التجميد هو تغيير ملكية تلك الأصول".

لكن هناك استثناء نادراً جداً في هذا القانون يمنح الرئيس الحق في "مصادرة الممتلكات الأجنبية والتصرف فيها حسبما يرى ستيفان، "حين تترقب الولايات المتحدة أعمالاً عدائية مسلحة أو أن تتعرض للاعتداء من قبل دولة أجنبية أو مواطنين أجانب". وحتى إذا تم تعديل القوانين، فإن كل تلك الأصول بمئات المليارات، سواء في الغرب أو في روسيا، تظل حتى الآن "مجمدة" وليست "مصادرة". ويعتمد مصيرها على تطورات الحرب في أوكرانيا واحتمالات شكل التسوية السياسية بعد توقف العمليات العسكرية.