هيئة العلا وبانثيرا سويا لإنقاذ "أكثر النمور العربية ندرة على قيد الحياة"

وقع الطرفان اتفاق شراكة بقيمة 20 مليون دولار لمنع انقراض هذا النوع من الحيوانات

إلى أبعد من البشر والحجر، ذهبت الهيئة الملكية لمحافظة العلا في السعودية. ذهبت إلى حيث العمل بات حاجة ملحة، قبل فوات الأوان. قرّرت الهيئة الاستثمار في إنقاذ سلالة النمر العربي، المتأرجح على حافة الانقراض، هو الذي اتخذ من العلا موطناً له منذ آلاف السنين.

ففي عشار، قلب محافظة العلا، وقعت الهيئة الملكية لمحافظة العلا ومنظمة "بانثيرا" (Panthera) العالمية، المعنية بحماية النمور الكبيرة والحفاظ عليها من خطر الانقراض، اتفاق شراكة لدعم مبادرات النمر العربي بقيمة 20 مليون دولار، في إطار الجهود الإقليمية والدولية الهادفة إلى الحفاظ على وجودها.

وبموجب الاتفاق، الذي وقّعه الجمعة 7 يونيو (حزيران)، كل من الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي ومحافظ الهيئة الملكية للعلا، والدكتور توماس كابلان، رئيس مجلس إدارة منظمة "بانثيرا"، انضمّت "هيئة العلا" إلى التحالف العالمي لحماية النمور، وتعهّدت باستثمار 20 مليون دولار أميركي، على مدى عشر سنوات، في تدابير الحفاظ على هذه النمور، مع التركيز على النمر العربي المهدّد بالانقراض، والذي تعتبر العلا موطناً أصلياً له.

 

كي لا يصبح النمر العربي "مجرّد ذكرى"

وعقب حفل التوقيع، قال الأمير بدر إنّ توقيع اتفاق الشراكة يمثّل "علامة فارقة في طموحاتنا المشتركة لإعادة نشر النمر العربي في المنطقة والانضمام إلى الشركاء العالميين لدعم جهود الحفاظ على هذا النوع من النمور في جميع أنحاء العالم. ومن واجبنا حماية أعداد النمر العربي وإكثارها والحفاظ عليها من أن تصبح مجرد ذكرى من تاريخ المنطقة". وأكّد أنّ الشراكة مع "بانثيرا" ستساعد على الحفاظ على أعداد النمور في جميع أنحاء العالم "قبل أن تصل إلى مستويات الخطر التي تواجهها اليوم القطط الكبيرة الأصلية الثمينة".

فعدد سلالة النمر العربي في البرية اليوم، يقدّر بأقل من 200 نمر، بحسب د. فريد لوناي، الرئيس والمدير التنفيذي لـ"بانثيرا"، الذي أعاد سبب تراجع انتشار النمر العربي في السنوات الأخيرة إلى "فقدان المواطن البيئية والفرائس الملائمة له بالدرجة الأولى، يليها مباشرة تعرّضه للاضطهاد الشديد في مناطق الثروة الحيوانية". ورأى لوناي، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أنه على الرغم من تصنيف النمر العربي حالياً بالمهدّد بالانقراض من الدرجة الأولى، إلا أنه "بات يتأرجح على حافة الانقراض"، مؤكداً في الوقت ذاته أنّ "الشراكة الأخيرة بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا وبانثيرا، تعمل على استبدال سنوات الاضطهاد بتنمية هذه السلالة إلى أقصى إمكاناتها".

النمور المرقّطة تصارع للبقاء

وتعدّ النمور العربية من فئة النمور المرقّطة، التي تضمّ أكبر مجموعة من فصائل القطط الكبيرة وتنتشر في حوالى 75 دولة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. وبينما اختفت النمور المرقطة من حوالى 40 في المئة من نطاق انتشارها في أفريقيا ومن حوالى 50 في المئة من نطاقها الآسيوي، بات وجودها في العراق وكازاخستان وكوريا الجنوبية ولبنان وليسوتو وموريتانيا غير مؤكد. علماً أنها انقرضت فعلياً في ستّ مناطق، هي هونغ كونغ والكويت وليبيا وسنغافورة وسوريا وتونس.

وبحسب تصنيف القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة والموارد الطبيعية، تعدّ النمور المرقّطة معرّضة للانقراض بشكل عام، وتصنّف بالمهدّدة بالانقراض في آسيا الوسطى وسريلانكا، ومهدّدة بالانقراض من الدرجة الأولى في الشرق الأوسط وروسيا جزيرة جاوة الإندونيسية.

 

"أكثر القطط ندرة على قيد الحياة"

أمّا عن وضع وانتشار النمر العربي في السعودية تحديداً، فيقول د. غي بالمه، مدير برنامج النمور المرقطة ونائب مدير علوم الحفظ (Conservation Science) في بانثيرا، لـ"اندبندنت عربية"، إنه حتى اليوم "لم تُجرَ أي دراسة شاملة حول أعداد النمور وانتشارها في السعودية. غير أن الأدلة المحدودة المتوافرة لدينا، تشير إلى أن الوضع مريع، فالنمر العربي اليوم قد يكون حاملاً للقب غير مرغوب به، وهو أكثر النمور ندرة على قيد الحياة". وتابع بالمه مؤكداً أن الشراكة الجديدة بين "هيئة العلا" و"بانثيرا" ستسمح بإجراء "تقييم دقيق للأعداد المتبقية من سلالة النمر العربي، وستضع استراتيجية حفظ شاملة تضمن مستقبل هذه النمور المهدّدة". ورأى كذلك أن "سلالة النمر العربي مهمة جداً، إذ قد تصبح رابطاً أساسياً بين نمور آسيا وأفريقيا".

ومن أجل الحفاظ على هذه الفصيلة من النمور وتعزيز جهود إكثارها، ستلتزم "هيئة العلا" و"بانثيرا" بالعمل على إنجاح عدد من المبادرات، بما فيها إنشاء صندوق عالمي يركّز على حماية وتعزيز إكثار ما تبقى من الحيوانات البرية، وبرامج التربية في الأسر، والتعاون الدولي، ومشاريع الحفظ المجتمعية، والبحث العلمي لدعم مستقبل هذا النوع النادر من القطط الكبيرة.

تحويل الخسارة إلى ازدهار

في هذا الإطار، أمل د. توماس كابلان، رئيس مجلس إدارة منظمة "بانثيرا" ومؤسسها، بأن يحقّق الاتفاق الجديد بين المنظمة وهيئة العلا "تحوّلاً حقيقياً في ميدان الحفاظ على النمور المرقّطة وتعزيزها وإكثارها، داخل السعودية كما في نطاق انتشارها في أفريقيا وآسيا". وأضاف كابلان لـ"اندبندنت عربية" أن جهود حماية هذا النوع من النمور، ستشمل "دعم المراقبة والبحوث البيئية الطويلة الأمد المتعلقة بالنمور المرقطة بمختلف أنواعها"، إضافة إلى نشاطات عدة، من بينها "العمل على تخفيض الطلب اللامحدود على جلود النمر المرقط، ومحاربة الصيد الجائر للنمور وفرائسها، والحد من الصراع بين الإنسان وهذا النوع من الحيوانات المحبوبة".

وأشار كابلان إلى ما ورد في تقرير الأمم المتحدة الأخير حول التنوع البيولوجي العالمي، عن الآفاق القاتمة للعديد من أنواع الحيوانات والمواطن البيئية إذا لم يجرَ تغيير جاد على هذا الصعيد، مضيفاً أن التغيير المطلوب ينبغي أن يكون من المستوى المؤمن عبر شراكة هيئة العلا وبانثيرا. وأكد أن الهدف الأسمى لهذه الشراكة هو تحويل الواقع "من خسارة النمور المرقطة إلى ضمان عيشهم وازدهارهم في مواطنهم الطبيعية"، مضيفاً "بكل بساطة، نسعى إلى إنقاذ النمور المرقطة من الانقراض".

 

البيئة في صلب اهتمامات هيئة العلا

الهيئة الملكية لمحافظة العلا ترى من جهتها، أن الحفاظ على الأعداد المتبقية من النمور العربية وحمايتها وإعادة إكثارها ونشرها في موطنها الأصلي، هو أحد واجباتها وخطوة مهمة لخدمة التوجه الاستراتيجي لمحافظة العلا والسكان المحليين، إذ إن النمور العربية استوطنت هذه المنطقة منذ آلاف السنين.

بالتالي، يأتي توقيع اتفاق الشراكة مع بانثيرا ليستكمل مساعي هيئة العلا لتنفيذ عملية تجديد وتنمية مستدامة في المنطقة لتصبح نشطة اقتصادياً، فتكون واحدة من أهم وجهات السياح في السعودية، علماً أن مدينة العلا التاريخية تتميّز بطبيعة ساحرة وتضمّ مواقع ثقافية وتراثية وأثرية، أدخلتها قائمة اليونسكو للتراث العالمي. فقد عملت الهيئة، منذ تأسيسها عام 2017، على مشاريع عدة  لتنويع مقومات العلا بغية جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، منها مبادرات حماية النمر العربي وإنشاء محمية شرعان الطبيعية، التي ستجذب أعداداً كبيرة من السياح المهتمين بالطبيعة والسياحة البرية، والتي ستأتي بثمارها من خلال تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل لشباب العلا.

وتؤكد الهيئة اهتمام جميع مشاريعها بالمحافظة على بيئة العلا للأجيال المقبلة، بما في ذلك دعم مبادرات النمر العربي وإثراء محمية شرعان الطبيعية بالحيوانات والنباتات الأخرى التي تمثّل العلا بيئة طبيعية لها، إضافة إلى الحفاظ على الموائل الطبيعية وإكثارها وحمايتها، وإنشاء بنى تحتية صديقة للبيئة، فضلاً عن إقامة منتجع شرعان عالي الفخامة. ليصبّ كل ذلك في إطار مساعي هيئة العلا لخلق وجهة تراثية ثقافية سياحية فريدة في العالم.

المزيد من الأخبار