دور الحوثيين في السياسة الإيرانية لتشبيك الملفات

يجب أن تكون دول الخليج شريكاً رئيسياً بأي مفاوضات مستقبلية بين طهران وواشنطن

علاقة إيران مع الحوثيين بدأت منذ التسعينيات وتوطدت عام 2003 وخرجت للعلن في 2007 (رويترز)

تثير الحوادث الأخيرة في منطقة الخليج العربي منذ شهر مايو (أيار) الماضي القلق حول استقرار الأمن الإقليمي، لا سيما أنها تتزامن مع التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ويمكننا ملاحظة تزامن الهجمات على ناقلات النفط في منطقة الخليج مع هجمات الحوثيين على أهداف سعودية، بما يعني عدم انفصال تلك التطورات عن الوضع المتأزم لإيران، التي تهدف إلى توظيف تلك الأدوات من أجل إيجاد حلٍ لأزماتها، عبر تهديد الملاحة في منطقة الخليج، والتأثير في تدفقات النفط من جهة، والضغط على السعودية من جهة أخرى.

وتشير تلك التطورات المُقلقة إلى عدم صحة الادعاء الإيراني بعدم وجود علاقة أو دعم للحوثيين، وأنها فقط تتعاطف معهم. فالعلاقة مع الحوثيين لا تنفصل عن سياستها الإقليمية في نسج شبكة علاقات مع وكلاء وحلفاء إقليميين، تنقل من خلالهم هجماتها بعيداً عن أرضها.

فاليمن لا يمثل مصلحة أمنية وأولوية استراتيجية لإيران كمصالحها في المشرق العربي، لكن التدخل في اليمن بتأثيراته من عدم الاستقرار يعد فرصة لكسب ورقة ضغط إضافية ضد السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. ويؤكد هذا التوجه الإيراني تلويح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في أحد مقالاته، التي كان ينشد فيها التعاون والتقارب مع الدول الخليجية، بإمكانية مساهمة إيران في حل الصراعات الإقليمية، ويمكنها البدء باليمن.

ومنذ الغزو الأميركي للعراق، الذي أتاح لإيران فرص تنامي نفوذها باستخدام البعد المذهبي في كثير من دول الإقليم، لم يكن اليمن استثناءً من تلك الاستراتيجية، فقد عملت إيران على توظيف البعد المذهبي في توطيد علاقتها بالحوثيين.

ولا تعد العلاقة مع الحوثيين حديثة، بل بدأت منذ التسعينيات، وتوّطدت من عام 2003، وتم الحديث عنها علناً منذ جولات الحرب بين الحوثيين والحكومة اليمنية، ففي عام 2007 سحب اليمن سفيره من طهران احتجاجاً على دعمها الحوثيين، وفي عام 2008 اُكتشفت ستة مخازن لأسلحة تابعة للحوثيين تحتوي على بعض الأسلحة الإيرانية الصنع، بما في ذلك المدافع الرشاشة والصواريخ قصيرة المدى والذخيرة، كما تحدّث الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح عن تلقي الحوثيين أموالاً من شخصيات إيرانية، وأشار إلى أن تدريب الحوثيين القتالي يحمل كثيراً من التشابه مع تدريب حزب الله اللبناني، مؤكداً أنه تلقى تقارير تفيد بأن مدربين من جنوبي لبنان كانوا موجودين في الأراضي الموجود فيها الحوثيون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد الحرب في اليمن أشار مجلس الأمن إلى أدلة تؤكد أن الحرس الثوري الإيراني درَّب ميليشيات الحوثيين على جزيرة قبالة السواحل الإريترية، وأن إيران تنقل أسلحة إلى صعدة، كما ضبط التحالف العربي عام 2015 سفينة إيرانية في بحر العرب، وعلى متنها أكثر من 100 قطعة من القذائف والصواريخ المضادة للدبابات، وأنظمة توجيه نيران، ومنصات إطلاق، كما زوّدت الحوثيين بصواريخ باليستية طويلة المدى وصواريخ موجهة مضادة لمدرعات وطائرات دون طيار إيرانية الصنع، التي تستخدم في مهاجمة أنظمة الدفاع الجوي التابعة لقوات التحالف العربي.

وجدت إيران في الحوثيين وكلاء محتملين لها على الساحل الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية، خصوصاً كتهديد عند مضيق باب المندب، الذي يُعد نقطة اختناق، لكونه منطقة عبور رئيسية للتجارة، إذ يمر منه يومياً نحو 60 إلى 70 سفينة، كما أنها تكثّف تحالفاتها مع الوكلاء والميليشيات الإقليمية في إطار سياستها الرامية إلى تشبيك الملفات، فمن خلال تحالفها باليمن يمكن أن تضغط على المصالح الأميركية وحلفائها الخليجيين في تلك المنطقة عبر خلق التوتر والفوضى وعدم الاستقرار، ومن ثم تريد إيران أن تُزيد من أدوات الضغط في مواجهة أي مفاوضات مع الغرب، لا سيما مع تصاعد الضغوط من قبل الولايات المتحدة.

إن الأحداث الأخيرة باليمن ومنطقة الخليج، قد تؤدي إلى مزيد من تدهور الأمن والاستقرار الإقليمي، الذي قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية غير مقصودة، نتيجة سوء تقدير الحسابات من جانب أي طرف، وذلك على الرغم من التصريحات الأميركية والإيرانية بعدم رغبتهما في مواجهة عسكرية.

وعلى إيران أن تدرك أن سياستها الرامية إلى فك العزلة الإقليمية عنها وتطبيع العلاقات لن تتم في إطار سياستها الخارجية، التي تمثل تهديداً لمصالح وأمن جيرانها، بل تهديد لاستقرار المنطقة.

أمَّا دول الخليج فيجب أن تتمسك بحقها في أن تكون شريكاً رئيسياً في أي مفاوضات مستقبلية تتم بين إيران والولايات المتحدة أو الغرب، وذلك حتى لا تكون التسويات مع إيران على أرضية تقارب المصالح الغربية، وبعيداً عن الأطراف الخليجية.

المزيد من آراء