Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلاح تركيا الفتاك قد يكون ذا حدين في السياسة الدولية

من أوكرانيا إلى سوريا، المسيرات تعيد رسم وجه سياسة أردوغان الخارجية

مسيرة تركية من طراز "تي بي 2 بيرقدار" في عرض عسكري أوكراني، في كييف، أغسطس 2021 (غليب غارانيش / رويترز)

في 14 أبريل (نيسان)، أذهلت القوات الأوكرانية العالم عندما أغرقت الطراد المدجج بالسلاح "موسكفا"، الذي شكل سفينة القيادة في أسطول موسكو في البحر الأسود. كما ذكر على نطاق واسع في الصحافة الدولية، نجح الأوكرانيون في ضرب السفينة بصواريخ نبتون المحلية الصنع، على الرغم من الدفاعات الكبيرة التي تمتلكها. في المقابل، ما لم يأتِ أحد على ذكره بقدر كافٍ، نوعاً ما، هو الطائرات من دون طيار الأجنبية الصنع التي أتاحت ذلك الهجوم الاستثنائي: وفقاً للمسؤولين الأوكرانيين، جرى تنسيق الضربة باستخدام مسيرتين تركيتين من طراز "بيرقدار تي بي 2" (Bayraktar TB2)، تمكنتا من التملص من رادار السفينة وزودتا الصواريخ بمعلومات استهداف دقيقة.

في الحقيقة، هذه ليست المرة الأولى التي تثبت فيها الطائرات التركية من دون طيار أنها حاسمة في مقاومة أوكرانيا لغزو موسكو. منذ الأيام الأولى للهجوم الروسي، أثبتت أسلحة التحكم من بعد المنخفضة التكلفة والفتاكة من طراز "تي بي 2" مراراً وتكراراً أنها أساسية في تدمير الدبابات الروسية وعرقلة مسار التقدم الروسي وإصابته بالشلل. في الواقع، هذا ليس من قبيل الصدفة. في يناير (كانون الثاني)، عندما وضعت روسيا أعداداً ضخمة من القوات على الحدود الأوكرانية، انغمست كييف بهدوء في فورة إنفاق عسكري مع تركيا، فاشترت 16 مسيرة من طراز "بيرقدار تي بي 2"، إلى جانب أنظمة أسلحة تركية أخرى، مقابل مبلغ إجمالي يقارب 60 مليون دولار، أي أكثر بثلاثين مرة مما أنفقته على معدات دفاعية من تركيا خلال الفترة نفسها من العام السابق. وأضيفت تلك المشتريات إلى نحو 20 مسيرة أخرى من طراز "تي بي 2" كانت أوكرانيا قد ابتاعتها في السابق من تركيا. والجدير بالذكر أن "بيرقدار"، التي يعني اسمها باللغة التركية "حامل الراية"، تعتبر مهمة للغاية بالنسبة إلى الجهود الحربية الأوكرانية، لدرجة أنها شكلت مصدر وحي لأغنية أوكرانية وطنية انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

على الرغم من تركيز الاهتمام على الطائرات من دون طيار التي تستخدمها أوكرانيا، حظيت استراتيجية الدولة الموردة لتلك الطائرات باهتمام أقل بكثير. في سياق متصل، تعد مسيرات "تي بي 2"، التي تنتجها شركة تركية تربطها علاقات وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكثر من مجرد عامل توازن حاسم في الحرب في أوكرانيا. في السنوات الأخيرة، لعبت المسيرات دوراً حاسماً في عدد من النزاعات في القوقاز وأفريقيا والشرق الأوسط. ومن خلال تسويق الطائرات من دون طيار في نحو عشرين دولة منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بمعظمها، تمكنت أنقرة من بسط نفوذها الجيوسياسي، وفي الوقت نفسه وضعت نفسها في موقع يخولها تحديد نتائج صراعات القوى الإقليمية الكبرى.

في منحى مقابل، لم تكن دبلوماسية أنقرة في ما يتعلق بالطائرات من دون طيار خالية من العقبات. في الشرق الأوسط، أدى توسع المشاركة العسكرية التركية في دول مثل ليبيا إلى تشجيع الخصوم، مثل اليونان ومصر، على تشكيل تحالفات جديدة واسعة تهدف إلى تقييد القوة التركية. في أوكرانيا، تهدد الطائرات من دون طيار بتقويض التوازن الدقيق الذي تعتمده أنقرة مع روسيا التي تحافظ تركيا على علاقاتها معها. في السنوات الأخيرة، أعرب "الجمهوريون" و"الديمقراطيون" في الكونغرس الأميركي عن قلقهم من الانتشار السريع للطائرات من دون طيار التركية. وفي الخريف الماضي، ذكر السيناتور الأميركي بوب مينينديز، وهو ديمقراطي من نيوجيرسي، دور أسلحة التحكم من بعد في صراع أذربيجان مع أرمينيا في ناغورنو قره باغ في عام 2020 وقال إن "مبيعات الطائرات من دون طيار التركية خطيرة ومزعزعة للاستقرار وتشكل تهديداً للسلام وحقوق الإنسان".

وعلى الرغم من ذلك، بعد سنوات من سياسة التصرف الأحادي، التي جلبت لتركيا عدداً متزايداً من الخصوم الإقليميين وقوضت تحالفاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، تمكنت الحكومة التركية من الاستفادة من مسيرات بيرقدار والطائرات من دون طيار الأخرى لتغيير صورتها الدولية. في الشرق الأوسط، ساعدت الطائرات من دون طيار تركيا على تأكيد مصالحها من خلال استخدام موارد دبلوماسية محدودة نسبياً. وفي حالة أوكرانيا، أعطت المساعدة العسكرية التي قدمتها أنقرة نفوذاً متجدداً لأردوغان في الناتو في وقت تواجه فيه حكومته وضعاً محفوفاً بالمخاطر في الداخل وتشوب علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا أزمة منذ عدة سنوات. في الواقع، إذا تمكنت تركيا من الاستمرار في إدارة برنامج الطائرات من دون طيار الخاص بها بنجاح والاستفادة منه، فربما تكون قد اكتسبت شكلاً جديداً ومهماً من النفوذ، وبذلك، أعطت معنى جديداً لحرب الطائرات من دون طيار.

خلسة وبعيداً عن الرادارات

نشأ برنامج الطائرات من دون طيار في تركيا بسبب الاستياء من الموردين الأجانب. في وقت مبكر من أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت الولايات المتحدة هي الصانع المهيمن للطائرات المسلحة من دون طيار، حاولت تركيا الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية لمحاربة "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، الذي صنفته كل من الولايات المتحدة وتركيا منظمة إرهابية. ثم في عام 2005، لجأت إلى إسرائيل بدلاً من ذلك، ولكن مع نتائج مماثلة مخيبة للآمال. في السنوات اللاحقة، رفضت جهود أنقرة لشراء مسيرات أميركية أكثر تقدماً، بما في ذلك نسخة مسلحة من أم كيو-9 ريبر (MQ-9 Reaper). أخيراً، عقدت العزم على تطوير مسيراتها الخاصة.

في عام 2012، طورت شركة تركية مملوكة من الحكومة نموذجاً أولياً للطائرة من دون طيار، وبحلول عام 2016، كانت قادرة على توفير قدرة استطلاعية فعالة. خلال تلك السنوات نفسها، أنجز تقدم آخر عندما قام سلجوق بيرقدار، مهندس متدرب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وصهر أردوغان المستقبلي، بتصميم "بيرقدار تي بي 2". في عام 2012، جرى إنتاج "تي بي 2" على نحو صناعي وضخم، وفي غضون ثلاث سنوات اكتسبت القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة، ما جعلها أداة جديدة مهمة في ترسانة تركيا. وعلى غرار "أم كيو-1 بيريدتر" (MQ-1 Predator) و"أم كيو- ريبر 9" (MQ-9 Reaper) الأميركيتي الصنع، فإن "تي بي 2" هي مسيرة متوسطة الارتفاع عالية التحمل (MALE). ومقارنة بنظيرتها التركية، تعتبر المسيرات الأميركية أكثر تطوراً بلا منازع إذ إن مداها أكبر بعشرة أضعاف، كما أنها أسرع بمرتين، ويمكنها حمل نحو ضعف عدد الأسلحة. في المقابل، هي أيضاً أغلى ثمناً بثلاث مرات أو حتى أربع مرات. والجدير بالذكر أن الذخائر وحدها الخاصة ببعض المسيرات الغربية المتقدمة تكلف أكثر من "تي بي 2" كاملة ومسلحة تماماً، والتي تقدر تكلفتها بأقل من مليون أو مليوني دولار.

ابتداء من عام 2015، بدأ الجيش التركي في استخدام طائراته من دون طيار في كفاحه الطويل الأمد ضد المقاتلين الأكراد في حزب "العمال الكردستاني". على مدى السنوات الثلاث التالية، مكنت الطائرات من دون طيار الجديدة تركيا من طرد المجموعة بمعظمها خارج الأراضي التركية وقتل أعداد كبيرة من أعضاء حزب "العمال الكردستاني"، بما في ذلك بعض قياداته في العراق. بعد فترة وجيزة، بدأت أنقرة أيضاً في استخدام الطائرات من دون طيار ضد المقاتلين الأكراد في سوريا المعروفين باسم "وحدات حماية الشعب" (YPG) والمرتبطين بحزب "العمال الكردستاني"، وهي استراتيجية سمحت لتركيا بتعزيز سيطرتها على حدودها الجنوبية الشرقية والجنوبية وتوسيع نفوذها في شمال سوريا والعراق من دون المخاطرة بقوات عسكرية كبيرة على الأرض. لأول مرة منذ عقود، تمكنت أنقرة من التمتع بتفوق حاسم في الصراع الطويل مع حزب "العمال الكردستاني".

التحليق في جميع الاتجاهات

سرعان ما أثبتت المزايا التي جعلت بيرقدار في منزلة لا غنى عنها في الأولويات الأمنية الخاصة بالحكومة التركية أنها مفيدة على القدر نفسه للعديد من القوى الصغيرة والمتوسطة في الخارج. بالنسبة إلى استثمار متواضع نسبياً، في متناول دولة ما الحصول على تكنولوجيا عسكرية فتاكة يمكن أن تغير ديناميكيات الصراع أو توفر رادعاً فعالاً ضد المتمردين أو القوات الأخرى. في عام 2017، بدأت تركيا في تصدير "تي بي 2"، وفي غضون خمس سنوات باعت مسيرات لما يقرب من عشرين دولة، بما في ذلك الحلفاء والشركاء في أوروبا (ألبانيا وبولندا وأوكرانيا)؛ ووسط وجنوب آسيا (قيرغيزستان وباكستان وتركمانستان)؛ وأفريقيا (إثيوبيا وليبيا والمغرب والصومال وتونس)؛ والخليج (قطر)؛ والقوقاز (أذربيجان). على الرغم من أن صفقات الأسلحة تلك كانت مدفوعة بمزيج من الميركانتيلية والجغرافيا السياسية، فإنها ارتبطت دائماً بدول تملك فيها تركيا مصالح استراتيجية.

في أعقاب تلك الصفقات، قلبت الطائرات التركية المسيرة الميزان في عدد من النزاعات. في ليبيا في عام 2020، مكنت الحكومة المدعومة من تركيا والمعترف بها دولياً في طرابلس من التصدي لهجوم شرس شنه خليفة حفتر الذي تدعمه روسيا. وعلى نحو مماثل، ساعدت الطائرات من دون طيار القوات الأذربيجانية في استعادة الأراضي في منطقة ناغورنو قره باغ المتنازع عليها والتي كانت تحت سيطرة القوات الأرمينية لعقود. وفي محافظة إدلب السورية، سمحت لقوات المعارضة السورية بوقف هجوم شنته الحكومة السورية يهدف إلى دفعهم إلى داخل تركيا. وفي إثيوبيا، ساعدت الطائرات التركية من دون طيار التي تم تزويد حكومة أديس أبابا بها، في تغيير مجرى حربها الأهلية ضد متمردي تيغراي. وكما في الحالات الأخرى، لم يكن اهتمام تركيا بإثيوبيا تجارياً فحسب، إذ إن أنقرة تنظر إلى العلاقات القوية مع أديس أبابا كوسيلة لتأكيد النفوذ التركي في القرن الأفريقي ولعب دور القوة المقابلة لمصر، التي تتنافس معها على النفوذ الإقليمي.

المسيرات التركية تقلب الميزان في نزاعات متعددة

وتجدر الإشارة إلى أن بروز تركيا السريع كمورد رائد للطائرات من دون طيار إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ترتبت عليه فوائد للقوة التركية، لكنه خلق أيضاً تحديات جديدة. في الواقع، حصل عدد من الدول، بما في ذلك إثيوبيا والصومال وتونس، على طائرات تركية من دون طيار من دون مجموعة كاملة من الأنظمة التقنية لتشغيلها. وبالتالي، قد لا تحقق تلك الدول نتائج حاسمة ضد عدو مدرب جيداً أو متفوق عددياً، وأحياناً ترتكب الأخطاء. خلال الصراع في تيغراي، تعرضت الحكومة الإثيوبية لانتقادات شديدة لأنها تسببت بوقوع إصابات بين المدنيين وحتى ضرب مدرسة بمسيراتها التركية. وبطريقة موازية، أسهمت مثل تلك الحوادث أيضاً في بروز انطباع يتشاركه بعض المسؤولين الأميركيين بأن تركيا أصبحت ناشراً متهوراً للطائرات من دون طيار.

واستطراداً، قد يشكل التأثير على الدول المتنافسة مشكلة أكبر بعد. في الحقيقة، تسبب تدخل تركيا في صراعات مثل الصراع الليبي في إثارة قلق الخصوم، بما في ذلك مصر وفرنسا والإمارات العربية المتحدة. في مايو (أيار) 2020، عندما كانت الطائرات التركية من دون طيار تغير مسار الحرب الأهلية في ليبيا، شكلت مصر تحالفاً غير رسمي مع قبرص وفرنسا واليونان المتحدة من أجل مواجهة النشاط التركي في شرق البحر المتوسط من خلال تنسيق سياسي ودبلوماسي ووجود بحري. وأخيراً، عززت الولايات المتحدة مساعدتها العسكرية لليونان كوسيلة تحوط ضد روسيا، ولكن أيضاً، إلى حد ما، ضد تركيا ووجودها العسكري المتزايد في المنطقة.

معضلة أوكرانيا

ربما أثبتت دبلوماسية تركيا المتعلقة بالطائرات من دون طيار أنها الأكثر أهمية وربما الأكثر خطورة في أوكرانيا. بدأت كييف بشراء مسيرات "تي بي 2" في عام 2019 واستخدمتها لأول مرة ضد انفصاليي دونباس المدعومين من روسيا في عام 2021. ولكن مع حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، اتخذت تلك الأسلحة وضعاً أكثر خطورة، إذ إنها استخدمت لأول مرة مباشرة ضد القوات الروسية. وكان هناك أكثر من 60 هجوماً ناجحاً باستخدام مسيرات "تي بي 2" على الدبابات الروسية وقطع المدفعية والمركبات وحتى قطارات الإمداد، علماً أن الحوادث التي لم يبلغ عنها قد تكون على الأرجح أعلى بكثير. بالنسبة إلى علاقات تركيا مع الغرب، ترتبت نتائج مهمة على الدور غير المتوقع الذي لعبته بيرقدار في تعزيز قدرة كييف ضد موسكو. لقد رفعت مكانة أنقرة داخل الناتو إلى مستوى لم نشهده منذ سنوات، وهناك الآن تحسن في العلاقات مع بعض الحكومات الأوروبية الرئيسة، بما في ذلك فرنسا.

 

 

بيد أن حرب الطائرات من دون طيار في أوكرانيا أثارت أيضاً تساؤلات جديدة معقدة حول جهود تركيا للحفاظ على علاقات فاعلة مع موسكو. في الحقيقة، تواجه تركيا التعامل مع روسيا في أكثر من منطقة، من البحر الأسود إلى سوريا وإلى أذربيجان. وعلى المستوى الاستراتيجي، ستفعل أنقرة كل ما في وسعها لضمان ألا تقع كييف تحت سيطرة موسكو. وذلك لأن عدوان بوتين على أوكرانيا قد غرس شعوراً بالواقعية في أنقرة في ما يتعلق بروسيا، عدوها التاريخي. والجدير بالذكر أن أنقرة تقدر أوكرانيا ودول أخرى في البحر الأسود الآن أكثر من أي وقت مضى، وتعتبرها حلفاء لا غنى عنهم في بناء كتلة توازن ضد العملاق الروسي شمال البحر الأسود.

وعلى الرغم من ذلك، إذا نجح بوتين في احتلال جزء من أوكرانيا أو فشل وألقى اللوم على تركيا في ذلك الفشل، يمكنه أن يمارس وسيلة ضغط جديدة مهمة ضد تركيا. في ذلك الإطار، يمكن لبوتين أن يقوض مصالح أنقرة في سوريا، على سبيل المثال، من خلال التسبب في تدفق أعداد ضخمة من اللاجئين باتجاه تركيا من إدلب. والجدير بالذكر أن المشاعر المعادية للاجئين في تركيا أصبحت قوية أخيراً، ويعود ذلك على نحو أساسي إلى الأزمة الاقتصادية في البلاد؛ ومن المرجح أن يتعرض أردوغان لضغوط هائلة إذا حدث تدفق كبير من اللاجئين. وفي مقلب مغاير، يمكن لبوتين أيضاً أن يمارس ضغوطاً اقتصادية على تركيا من خلال تقييد الصادرات الزراعية التركية إلى روسيا، أو منع السياح الروس من دخول تركيا، أو إنهاء تسليم الغاز إليها. وقد تؤدي تحركات من هذا النوع إلى تقويض انتعاش تركيا اقتصادياً، وبالتالي، زيادة احتمالات إعادة انتخاب أردوغان في عام 2023.

لقد سلح أردوغان الأوكرانيين بصمت بينما كان يتودد إلى موسكو

في العلن، قللت أنقرة من أهمية دورها في تسليح الأوكرانيين، مؤكدة أن من يزود أوكرانيا بالبيرقدار، ليس الحكومة التركية بل شركة خاصة. على الرغم من أنها تمد كييف بطائرات من دون طيار، فقد سعت أيضاً إلى تعيين نفسها كوسيط، بما في ذلك استضافة اجتماع في أنطاليا، وهي مدينة على الريفيرا التركية [فيروز التركية]، مع وزيري خارجية أوكرانيا وروسيا في 10 مارس (آذار). في الواقع، تخشى تركيا هزيمة روسيا أقل بقليل مما تخشى انتصارها، ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن روسيا شريك تجاري مفيد وفي جزء آخر إلى أن الأتراك والروس تربطهما تفاهمات جارية (على الرغم من كونها مناوئة) في القوقاز وليبيا وسوريا، قد تتعرض للخطر بسبب هزيمة روسيا. إذا كانت لدى بوتين قائمة بالدول التي سيعاقبها بسبب دعمها أوكرانيا بعد الحرب، فإن تركيا على قاب قوسين من تصدر رأس تلك القائمة بعد دول البلطيق وبولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن الهدف النهائي لأردوغان هو تجنب المواجهة مع بوتين، الذي يمكنه استخدام النفوذ الاقتصادي أو حتى الهجمات الإلكترونية لعرقلة احتمالات إعادة انتخاب الرئيس التركي.

علاوة على ذلك، يريد أردوغان جذب الأوليغارشيين الروس الخاضعين للعقوبات إلى تركيا، على أمل أن تساعد أصولهم وأموالهم في تعزيز الاقتصاد التركي المتعثر. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تصبح تركيا أيضاً سوقاً عقارياً للطبقة المتوسطة العليا في روسيا الحريصة على حماية ثروتها. لذلك، تتمثل استراتيجية أردوغان في أوكرانيا في تقديم دعم عسكري صامت لكييف حتى في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مع بوتين والأرباح الاقتصادية من روسيا. وتحقيقاً لتلك الغاية، رفض أردوغان دعم عقوبات الغرب ضد روسيا، وبطريقة موازية تستمر تركيا في شراء النفط الروسي. وخلافاً لنظرائها الغربيين، أبقت تركيا مجالها الجوي مفتوحاً أمام الرحلات الجوية المدنية الروسية. في الوقت الحالي، قد تكون هذه الاستراتيجية ذات الوجهين مقبولة بالنسبة إلى بوتين. ومن غير المرجح أن يخوض الزعيم الروسي معركة مع تركيا الآن، بخاصة إذا كان أردوغان يوفر له وللأوليغارشيين التابعين له شريان حياة اقتصادياً. ولكن إذا طال أمد الحرب في أوكرانيا، واستمرت مسيرات "تي بي 2" في القضاء على الأصول الروسية [العتاد العسكري] الرئيسة مثل السفينة العسكرية الروسية موسكفا، فإن الحظر التركي المفروض على السفن البحرية الروسية التي تعبر المضيق التركي قد يضع أنقرة وموسكو في صراع مباشر بشكل أكبر.

علاقات خارجية تعمل تلقائياً

نظراً إلى أن الحرب في أوكرانيا تضع ضغوطاً متزايدة على حكومة أردوغان لكي تكون جزءاً قوياً من التحالف الغربي، فإن التعامل مع الولايات المتحدة لا يزال يمثل تحدياً خاصاً. من ناحية، أسهم الدور المفاجئ الذي لعبته التكنولوجيا العسكرية التركية في المقاومة الأوكرانية في اكتساب تركيا احتراماً جديداً في حلف الناتو وتعزيز مكانتها. منذ بدء الغزو الروسي، جدد عدد من القادة الأوروبيين العلاقات مع أنقرة، بمن فيهم رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، على الرغم من المعارك السياسية الأخيرة بين حكومته وأردوغان. ولكن يبقى على أردوغان أن يتقبله الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي ربطته به علاقة جيدة منذ فترة طويلة.

حين كان بايدن نائباً للرئيس، اعتبر المحاور الرئيس مع تركيا بين عامي 2013 و2016، لكن العلاقات تدهورت عندما ألقى أردوغان باللوم على الرئيس باراك أوباما في انقلاب 2013 في مصر. (كانت تركيا حليفاً مهماً لحكومة الإخوان المسلمين في مصر، التي وصلت إلى السلطة في أعقاب الربيع العربي). في ذلك الوقت، كان أردوغان يشعر بالغضب أيضاً من الدعم الأميركي لـ"وحدات حماية الشعب" (YPG) المرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني" (PKK)، التي اعتبرتها الولايات المتحدة مفتاحاً لهزيمة "داعش". وبالاسترجاع، كان بايدن قد وعد بأن يكون الدعم، بحسب ما وصفته لغة السياسة الأميركية، "تكتيكياً ومؤقتاً وعابراً" ويهدف إلى جعل تلك السياسة تتحول إلى شيء أشبه بإعانة مفتوحة. وكذلك، شعر بايدن بدوره بالإحباط بسبب تراجع أردوغان عن التزام المعايير الديمقراطية وتقويض المؤسسات في تركيا، وتحديه للأولويات الاستراتيجية والسياسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وانتقاده المباشر المتزايد لإدارة أوباما. وبناءً على ذلك، لم يتأثر بايدن بالهجوم الساحر الأخير الذي شنه أردوغان. وفي قمة الناتو في بروكسل في أواخر مارس، بعد شهر كامل من الغزو الروسي، تجاهل بايدن أردوغان، ورفض طلب الرئيس التركي عقد اجتماع معه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى لو أدى تورط تركيا في أوكرانيا إلى إعادة تنظيم السياسة الخارجية التركية بشكل يجعلها أقرب إلى الغرب، فهناك خطر على أردوغان مصدره احتمال أن يكون بايدن وبعض القادة الأوروبيين متلهفين للغاية للتخلص منه لدرجة تأجيلهم أي تقارب مع أنقرة إلى ما بعد انتخابات عام 2023. في الوقت الحالي، يبدو أن أسهم أردوغان قد ارتفعت نتيجة لدبلوماسيته في استخدام المسيرات والدعم الحاسم الذي قدمته لأوكرانيا. ولكن على افتراض أن التنافس الانتخابي سيكون حراً ونزيهاً، من غير المرجح أن يعاد انتخابه لولاية ثانية، ما لم ينتعش الاقتصاد التركي وينمو بأرقام مضاعفة خلال العام المقبل. في الوقت نفسه، بينما منحت المسيرات تركيا إمكانية القيام بما يفوق قدراتها في السياسة الدولية، إذا تعرض اقتصادها لمزيد من الانهيار بسبب مواجهة حاسمة مع بوتين أو ببساطة لأن الأسواق ستتجنب بلداً أصبح فيه حكم القانون مزحة يستخف بها، سيكون أردوغان قد أهدر نفوذ أنقرة الجديد ومستقبله السياسي.

المزيد من تحلیل