Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا في دوامة الركود التضخمي

خفض توقعات النمو تحاصر أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بسبب التضخم والحرب الأوكرانية

تواجه ألمانيا مزيجاً مرعباً من التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف (رويترز)

كشفت بيانات حديثة عن تباطؤ الاقتصاد الأوروبي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022، بسبب مزيج من التضخم المرتفع والتداعيات المبكرة للحرب في أوكرانيا.

وأظهرت بيانات الربع الأول الأولية أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 0.2 في المئة في 19 دولة تستخدم اليورو، مقارنة بالربع السابق. وكان هذا أضعف من النمو بنسبة 0.3 في المئة المسجل في الأشهر الثلاثة الماضية من عام 2021.

وفي غضون ذلك، ارتفع تضخم أسعار المستهلكين إلى 7.5 في المئة خلال أبريل (نيسان)، وهو أعلى مستوى منذ أن بدأ الاتحاد الأوروبي حفظ الأرقام القياسية قبل 25 عاماً.

خفض توقعات نمو أكبر اقتصاد في منطقة اليورو

وسجلت ألمانيا، وهي أكبر اقتصاد في المنطقة، نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المئة. وكان هذا تحسناً عن الانكماش الذي شوهد في الربع الأخير من 2021. ولكن، من المرجح أن وتيرة النشاط تباطأت قرب نهاية الفترة من يناير (كانون الثاني) حتى مارس (آذار) بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي.

وقال مكتب الإحصاء الألماني، في بيان، إن "العواقب الاقتصادية للحرب في أوكرانيا لها تأثير متزايد على التنمية الاقتصادية قصيرة المدى منذ أواخر فبراير".

والأربعاء الماضي، خفضت الحكومة الألمانية توقعاتها للنمو لهذا العام إلى 2.2 في المئة، وحذرت من ركود إذا انقطعت إمدادات الغاز الروسي.

وتتعرض قاعدتها الصناعية الضخمة بالفعل لضغط هائل من أسعار الطاقة المرتفعة للغاية واضطرابات الإمدادات العالمية التي تفاقمت بسبب الحرب والعقوبات. وانكمش إنتاج التصنيع هذا الشهر، لينخفض إلى أدنى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2020، وفقاً لمسح أجرته وكالة "ستاندرد أند بورز غلوبال"، وهو ما قد يؤدي إلى ركود طويل الأمد.

وتواجه ألمانيا، وجزء كبير من أوروبا، ركوداً تضخمياً مصحوباً بركود ومزيج مرعب من التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف.

وفي فرنسا، توقف ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا في الربع الأول، مع استقرار الناتج المحلي الإجمالي والتضخم إلى مستوى قياسي جديد. رد المستهلكون بإغلاق محافظهم، إذ انخفض الإنفاق الأسري بنسبة 1.3 في المئة في فترة الأشهر الثلاثة. فيما كان أداء إيطاليا أسوأ، إذ انكمش اقتصادها بنسبة 0.2 في المئة في الربع الأول.

التضخم في ألمانيا عند أعلى مستوى في 73 عاماً

وأججت الحرب الروسية الأوكرانية، التضخم العالمي، الذي بدأ يتسارع العام الماضي مع إعادة فتح الاقتصادات بعد حالات الإغلاق الوبائي، مما تسبب في زيادة الطلب على الطاقة والسلع. وفي الوقت الحالي، أدت العقوبات الغربية على صادرات الفحم والنفط الروسية، وجهود الاتحاد الأوروبي لخفض استهلاك الغاز الطبيعي، إلى ارتفاع الأسعار مرة أخرى. وتسببت العقوبات المفروضة على روسيا، وهي مصدر رئيس للمعادن، في مزيد من التدافع في سلاسل التوريد.

لكن الاقتصاد الألماني، وهو أكبر اقتصاد في أوروبا، معرض للخطر بشكل خاص. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، اعتمدت ألمانيا على روسيا في نحو 46 في المئة من استهلاكها من الغاز الطبيعي في عام 2020. ومن المرجح أن يكون هذا الرقم قد انخفض منذ بدء الحرب، لكن أي انقطاع مفاجئ في الواردات من روسيا سيكون "كارثياً" للمصنعين.

وتشير البيانات إلى أن التضخم السنوي لأسعار المنتج في ألمانيا، وهو سعر السلع التي تغادر المصانع، تجاوز 30 في المئة خلال مارس، وهو أعلى مستوى منذ 73 عاماً. وتتغذى الأسعار عند بوابة المصنع على تضخم أسعار المستهلكين، الذي وصل إلى أعلى مستوى في 41 عاماً عند 7.3 في المئة خلال الشهر الماضي. وفي كلتا الحالتين، كان ارتفاع أسعار الطاقة هو المساهم الأكبر. لم يكن هناك ارتياح في أبريل الحالي، إذ ارتفعت أسعار المستهلك بنسبة 7.4 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وفقاً لتقدير أولي.

وهزت الأسعار المرتفعة بلداً طالما افتخر باقتصاده المستقر، وما زال يحمل خوفاً عميقاً من نوع التضخم المفرط في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه ساعد الحزب النازي على الوصول إلى السلطة. يقول تاماس فونيو، الأستاذ المشارك في التاريخ الاقتصادي في جامعة بوكوني، إن شهية ألمانيا للطاقة الروسية الرخيصة نسبياً والموثوق بها كانت لفترة طويلة ميزة تنافسية، وساعدتها على تجاوز الأزمات الاقتصادية الماضية. وأضاف "أصبحت هذه الميزة الآن مسؤولية".

أضرار "هيكلية" للاقتصاد الألماني

وتعهد قادة الاتحاد الأوروبي بخفض استهلاك الغاز الروسي بنسبة 66 في المئة قبل نهاية هذا العام، وكسر اعتماد الكتلة على النفط والغاز الروسي بحلول عام 2027. وقالت وزارة الاقتصاد الألمانية الشهر الماضي إنها خفضت بالفعل حصة روسيا من إجمالي الغاز والواردات من 55 إلى 40 في المئة.

لكن التوقف المفاجئ سيكون كارثياً. وبعد أن هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإغلاق الصنابير إذا لم تدفع الدول بالروبل، بدأت الحكومة الألمانية أول خطة طوارئ من ثلاث مراحل قد تؤدي إلى تقنين الغاز. والأسر والمستشفيات لها الأولوية على العديد من الشركات المصنعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقطعت شركة الطاقة الروسية العملاقة "غازبروم" إمدادات الغاز عن بولندا والمجر، الأربعاء، لأنها لم تسدد مدفوعاتها بالروبل. ويخشى عدد كبير من المحللين الاقتصاديين أن تكون ألمانيا هي التالية.

ووفقاً للبنك المركزي الألماني، فإن الانهيار المفاجئ سيقطع نحو اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني في عام 2022. وذكر تحليل أجرته خمسة من أكبر المعاهد الاقتصادية في البلاد هذا الشهر، أن الحظر المفاجئ سيؤدي إلى فقدان 550 ألف وظيفة خلال عامي 2022 و2023.

ويرى سيباستيان دوليان، مدير الأبحاث في معهد سياسات الاقتصاد الكلي، أنه من المحتمل أن يظل الغاز الطبيعي مكلفاً بعد الحظر أو قطع الإمدادات لفترة طويلة جداً. وحذر من "أضرار هيكلية" للاقتصاد الألماني إذا ما أوقفت روسيا الغاز، وهو ضرر سيكون من الصعب التعافي منه أكثر من الأزمة المالية لعام 2008... يمكن أن يؤدي ذلك إلى ركود عميق في الأقل، وربما يستمر لفترة أطول بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمن".

مخاوف التضخم المصحوب بالركود

وربما يتجه الاقتصاد الألماني إلى الركود. فقد خفض مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني، وهو مجموعة استشارية حكومية، في أبريل الماضي، توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 من 4.6 في المئة إلى 1.8 في المئة، بسبب التضخم والحرب في أوكرانيا.

وانكمش إنتاج التصنيع هذا الشهر، لينخفض إلى أدنى مستوى له منذ يونيو 2020. وقد يؤدي تراجع الثقة إلى ركود طويل الأمد. يقول دوليان إن "خطر الركود يزيد على 50 في المئة في الوقت الحالي".

في الوقت نفسه، تكافح الشركات والبلدان مع نقص الأغذية الأساسية والمواد الخام. على سبيل المثال، أسهم الارتفاع الصاروخي في أسعار الطاقة في انخفاض إنتاج الزنك، وهو معدن يستخدم لحماية الفولاذ، في حين أن الغزو الروسي لأوكرانيا قد عرض الإمداد العالمي للقمح للخطر. ويمثل كلا البلدين معاً نحو 30 في المئة من تجارة القمح العالمية.

وفيما قالت الرابطة الألمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة إن بعض أعضائها خفضوا الإنتاج بسبب النقص، يرى كبير الاقتصاديين في الاتحاد، هانز يورغن فولز، أن "تخفيضات الإنتاج ليست نتيجة نقص الكهرباء، أو ارتفاع أسعار الكهرباء، ولكن لأن ليس لديهم مواد لإنتاج السلع". وأضاف "على سبيل المثال، الألمنيوم والصلب وكل شيء آخر ينقصه العرض الآن في جميع أنحاء العالم بسبب العقوبات المفروضة على روسيا".

وأثارت الحرب في أوكرانيا مخاوف من انخفاض صادرات المواد الخام من المنطقة. وارتفعت أسعار النيكل، وهو المعدن المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية، إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في أوائل مارس الماضي، لتتضاعف إلى 100 ألف دولار للطن المتري، مما دفع بورصة لندن للمعادن إلى تعليق التداول.

وهذه أخبار سيئة لصناعة السيارات في ألمانيا، التي لا تزال تكافح نقصاً في رقائق أشباه الموصلات. وقد أدت التأخيرات في ميناء شنغهاي الصيني، أحد أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم، بسبب الإغلاق الصارم لفيروس كورونا في المدينة إلى تعكير صفو سلاسل التوريد العالمية في الأسابيع الماضية. ولا يمكن أن تأتي الاختناقات في وقت أسوأ بالنسبة إلى المستوردين الألمان.