بوريس جونسون أسير الوهم بأن بريكست من دون اتفاق يزيد حيوية بريطانيا

يرغب المرشح لزعامة حزب المحافظين بالمضي في مشروع الخروج من أوروبا مما سيُلحق أشد الضرر بالاقتصاد البريطاني

جولة اولى من التنافس بين قادة حزب المحافظين أعطت المقدمة لبوريس جونسون ويليه جيرمي هانت (وكالة أ.ب.)

يبدو أن اصحاب الاسماء التي تزدحم بها القائمة الطويلة للمرشحين لزعامة حزب المحافظين، في حالة تخدير تام. ولم يفقدوا صوابهم لتعاطيهم مادة غريبة أثارت أكبر موجة من الندم منذ أن تعرّض هنري الثاني، بمحض إرادته، للجلد على أيدي الرهبان ، وإنما بسبب البريكست، الذي أصبح أشبه بالإدمان على عقار مخدّر كلما تعاطيت بعضه زادت حاجتك إلى المزيد من هذه المادة التي تحملك على الهلوسة. ولهذا يقول جونسون، في إطار محاولته لإخراج البلاد من الاتحاد الاوروبي، بدون صفقة إن البرلمان سيصادق على الخروج من دون صفقة بحلول أكتوبر(تشرين الاول) المقبل. وها هو دومينيك راب،  وزير البريكست السابق، الذي يبدو وكأنه ضيّع رشده تماماً،  يردّ على جونسون معتبراً أن اقتراحه هو مجرد "كلام فارغ، هل هذا هو أفضل ما يمكنك أن تفعله. سوف أغلق البرلمان لتمرير مشروع الخروج من دون صفقة، قسراً."

هذا ما يسوقونه تحت تأثير الهلوسة من أفكار تضعهم في مصافّ  كيث ريتشارد عضو فرقة الرولينغ ستونز كما كان في سبعينات القرن الماضي، وهي فترة قال لاحقاً إنه بالكاد يتذكر اي شيء عنها.

ولكن ، إذا تأملنا جونسون في ضوء محاولته اقتحام ميادين الاقتصاد، لوجدناه حالياً أقرب ربما إلى أغنية فرقة "البيتلز" المعنونة "لوسي مع الماسات في السماء " Lucy in the Sky with Diamonds هائما بعقله في بحر من الخيال. لقد تعهد بخفض الضرائب بنحو 10 مليارات جنيه إسترليني على أن يعوّض هذا المبلغ  من أموال الصندوق الذي أنشأه وزير المال لسدّ الحاجات الناجمة عن البريكست، وهو أمر يجعلك تنفجر ضاحكاً، كما قد يصف جونسون نفسه حالة كهذه.

نعم، ينبغي أن تصدق عينيك .. إن الأمر يتعلق بالصندوق الذي أسسه فيليب هاموند على سبيل الاحتياط في إطار الاستعداد للتعامل مع الضرر الناجم عن إخراج بريطانيا المحتمل من الاتحاد الاوروبي، بالطرق التي كان يلوّح بها زملاؤه.  والحقيقة ان جونسون يقترح طريقة للخروج من الاتحاد الاوروبي من شانها أن تكبّد بريطانيا أفدح الخسائر الممكنة على الإطلاق جرّاء البريكست.  فماذا كان يدخن بحق السماء حتى يتخيل أنه سيكون في الاحتياطي النقدي لوزارة الخزانة، حين يتسلم رئاسة الحكومة، فلس واحد ليبدّده على تخفيضات ضريبية؟

إذا نجح جونسون بطريقة ما في فرض خروج كارثي من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة على جمهور متردد، سيعاني الاقتصاد من حالة تراجع حاد. ولن يعود بإمكاننا ان ندخل بحرية إلى أكبر سوق في العالم يشتري ما يقرب من نصف صادراتنا، وأيضاً إلى أسواق البلدان الأخرى الشريكة التي تفاوض معها الاتحاد الأوروبي على صفقات تجارية مواتية. وستواجه المملكة المتحدة إذا خرجت بهذه الطريقة من الاتحاد الأوروبي، حالة طوارئ اقتصادية ستكون أزمة "شتاء السخط"  بالمقارنة معها أشبه برحلة سعيدة على طريقة الهيبيز.

لكن الأوضاع قد تزداد سوءاً، إذ يشير جونسون إلى أنه سينفق مبلغ 9.6 مليار جنيه إسترليني المتخيل على التخفيضات الضريبية ليس فقط لمن هم أكثر ثراء ولايزالون على رأس عملهم، بل سيكون الأغنياء المتقاعدون هم من يستفيد من هذه التخفيضات بشكل اساسي؛ من الفحش أن يتم ذلك في وقت يعاني فيه الأشد فقراً من التقشف. سيحدث هذا إذا وصل جونسون إلى رئاسة الوزراء،  لأن خطته تتمثل في انتزاع بعض الموارد من ميزانية التأمين الوطنية التي لا يساهم فيها المتقاعدون.

ونظرا إلى أننا قد بلغنا أعلى المستويات تاريخياً لجهة غياب المساواة بين الأجيال، فهذا الاقتراح مثير للدهشة (دعونا نستعير على مضض واحداً من التعابير التي يرددها جونسون). و خطة جونسون هذه هي على طرفي نقيض مع المقاربة التي وضعها حزب الديمقراطيين الأحرار لتنشيط سوق العمل أيام تحالفه مع المحافظين. إن اقتراح جونسون الوهمي يهدف إلى مكافأة الكسل. وباعتبار أن خدماتنا العامة تعاني منذ سنوات من تخفيض  في الانفاق، يبقى من الصعب التفكير بسياسة أكثر قدرة من هذه على بث الفرقة ، لفرضها على بريطانيا الممزقة بسبب البريكست.

وحتى بمعايير جونسون، تعتبر هذه السياسة مثيرة للريبة، وهي ترمي إلى تحقيق هدف واحد، لاعلاقة له بمصلحة البلد، بل هو يتمثل في إغواء أعضاء حزب المحافظين البالغ عددهم 160.000 عضواً اغلبهم من المتقدمين في السن،  للتصويت لصالحه في انتخابات الزعامة. حسنًا، لقد سبق لجونسون أن استعمل عبارات بذيئة للقول "تبا للأعمال".  وبنفس هذا المنطق  سيخّرب البلاد. ففي ظل جونسون سيكون مصير فكرة الحكومة المسؤولة، في حد ذاتها، الهلاك.

فهل نحن إذن أمام مأساة؟ هناك بديل منطقي للغاية وسأوضحه كمرشح في انتخاباتنا نحن لاختيار زعيم جديد لحزب الديمقراطيين الأحرار. إذا قررنا عدم الخروج من الاتحاد الأوروبي، فإننا سنجني ثمار ذلك. ومن الممكن استثمار الأموال، التي اضطر هاموند لوضعها جانبا بسبب تصميم زملائه المحافظين على تنفيذ البريكست، لإعادة بناء بريطانيا، وخاصة في المناطق "المهمشة" التي صوّت أبناء الكثير منها للخروج.

لقد عانت هذه المناطق من التبعات السلبية لاستخدام الآلات والعولمة وأزمة الائتمان، لذلك من الصواب أن نستثمر في التدريب والبنية التحتية والتكنولوجيا الخضراء لإنعاش اقتصادات هذه المناطق  وجتمعاتها، وهذه هي الأهم. فبدلاً من أطروحة جونسون التي من شأنها أن تجلب الخراب الاقتصادي والاضطرابات المدنية للبلاد، سيساعد هذا الاقتراح  على شفاء الجراح الرهيبة التي خلفتها البريكست.

إذن، هذه هي خطتي: أن نستخدم هذه الأموال ، البالغة بحسب هاموند 15 مليار جنيه إسترليني وبحسب جونسون 26 مليارا، للمضي بالبلاد إلى فترة جديدة من الازدهار، بدلاً من انفاقها على معالجة تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة.

من جهة ثانية، انا أعمل بالشراكة مع الأحزاب المختلفة لصدّ هجوم دومينيك راب على الديمقراطية، وأبحث  أيضا في إمكانية تصويت البرلمان بحجب الثقة عن جونسون إذا صار رئيسا للوزراء، ومن ثم تشكيل حكومة موقتة لتنظيم استفتاء حول بريكست. ويبدو أن احتمالات وصوله إلى سدة السلطة قد تزايدات بعد إعلانه أخيراً عن هذه "الخطة" للتخفيض من الضرائب التي يدفعها الاثرياء.

وكما قال روري ستيوارت وزير التنمية الدولية صادقا، يعمل جونسون على تسميم الدماء التي تجري في عروقنا. لكن ما يعجز اي مرشح من حزب المحافظين، بمن فيهم ستيوارت نفسه، على الاعتراف به هو أن جونسون يعتبر ذلك الطبيب المجنون الذي يضخ المادة السامة في الدم. أما المخدر المميت فهو في الحقيقة البريكست نفسه.

© The Independent

المزيد من آراء