Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انعدام الفرص جراء "بريكست" أمر مكشوف وموغ سيتولى القضية

أرقام ألمانية صدرت يوم تعيين رييس موغ وزير فرص "بريكست" أظهرت تراجعاً في صادرات المملكة المتحدة إليها العام الماضي

طابور الشاحنات أصبح منظراً مألوفاً في دوفر (وكالة الصحافة الفرنسية عبر غيتي إيمجز)

إن حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون يمكن أن تكون قد تحولت لما يصفه الأميركيون عادةً بـ"حريق خارج عن السيطرة" ــ وربما يبدو (هذا الحريق) مشؤوماً إلى درجة أكبر ــ لكن على الأقل فإن بوريس جونسون لم يفقد حسه الفكاهي.  

تعيين جايكوب رييس موغ في منصب "وزير الفرص المتاحة نتيجة بريكست" كانت أبرز النكات التي أطلقها جونسون منذ فترة. كان يمكنه لو أراد أن يطلق على رفيقه الوزير "الإيتوني" (نسبة إلى مدرسة النخبة المعروفة في إيتون Eton - نحو ثلاثين ميلاً غرب العاصمة لندن)، وزيراً لشؤون الفيلة الزهرية pink elephants، أو وزير الدولة لشؤون أفاعي البحر، أو حتى "يتيس" yetis ووحش خليج لوخ نيس Loch Ness monster.

حسنا، ربما سننسى ما ذكرناه آنفاً. رييس موغ هو شخصية غير مريحة، وكان لتعيينه وقع هو بمثابة تناول كأس من الغثيان البارد cup of cold sick في مناطق الشمال الإنجليزية. فوحش "لوخ نيس" المعروف بنيسي Nessie، قد يظهر وبطريقة عفوية للعيان لملاحقة رييس موغ ومساعديه وطردهم إلى جنوب حائط هادريان (وهو الجدار الذي بناه الإمبرطور الروماني هادريان للفصل بين الأراضي الإنجليزية ومناطق شمال الحائط أي اسكتلندا التي كانت تعتبر مأهولة من قبل متوحشين) لو تجرأ أن تطأ قدماه تلك المناطق الشمالية.

لكن ذلك الكائن الأسطوري يبقى متخيلاً وبنفس نسبة "فرص بريكست" التي من المتوقع أن يقوم ريس موغ في استغلالها.

وحدها النكتة تتطور، والأسوأ، هو ما كشفت عنه اللجنة البرلمانية لحسابات المالية العامة، والتي أظهرت بشكل فاضح حقيقة مشروع جونسون وحجم الضربات التي تتلقاها الشركات البريطانية والاقتصاد البريطاني، في تقرير نشر بعد مجرد ساعات على صدور قرار تعيين [ريس موغ].

وقالت اللجنة البرلمانية المؤلفة من جميع الأحزاب البريطانية إن إجراءات الكشف الجمركية التي بدأ تطبيقها منذ مطلع هذا العام بدأت تثقل كاهل القطاع التجاري البريطاني بمصاريف إضافية، وأدت إلى تراجع في حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي الذي، وتذكّروا هنا، يبقى أهم الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذه هي الخلاصة. فإن انسحبتم من إحدى أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، واستبدلتموها بسلسلة من القيود القاسية ــ فمن الطبيعي أن يكون لذلك تأثير كبير [على الاقتصاد وحركته في بريطانيا].

أنا لا أريد أن انتقد عمل أعضاء هذه اللجنة البرلمانية المحترمين، والتي لطالما قامت بعمل جيد ونشرت ما هو مفيد من التقارير، ولكن خلاصة التقرير تؤشر إلى ما هو معروف وواضح بشكل بديهي مسبقاً.

هدف اللجنة البرلمانية هو توجيه الحكومة نحو بذل الجهود مع الاتحاد الأوروبي لتذليل العقبات، وعلى الحكومة أن تقوم بذلك. المشكلة تكمن في أن الحكومة تفضل أن تبقي العلاقات مجمدة للغاية مع الاتحاد الأوروبي ولأسباب بحت سياسية. ريس موغ وهو وزير تسبقه سمعته، وخصوصاً فظاظته في التعامل بدل دبلوماسيته، وهو ما لن يكون عاملاً مساعداً في هذا المجال.

ومن الأدلة الإضافية على المشاكل التي تسببت بها الحكومة لقطاع الأعمال البريطاني، وتلك الفرص التي حظرتها على القطاع ــ بدلاً من أن تكون قد وفّرتها ــ جاءت بفضل الأرقام التي نشرها مكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني. تلك الأرقام أظهرت تدهور حجم الاستيراد الألماني من بريطانيا بنسبة 8.5 في المئة إلى 32.1 مليار يورو (أي نحو 36.61 مليار دولار أميركي) خلال 2021. وتغطي تلك الأرقام السنة الأولى منذ توقيع جونسون لاتفاقية التجارة و(عدم) التعاون مع أوروبا في فترة ما بعد "بريكست" التي تم التوصل إليها في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2020.

إن إجراء مقارنة للأوضاع التجارية مع الدول الأخرى فاضح إلى درجة كبيرة. فمجمل البضائع التي وردت إلى القارة الأروبية كمجموعة تجارية عظمى ارتفعت بنسبة 17.1 في المئة على مختلف الصعد خلال العام المذكور نفسه لتسجل ما مجموعه 1.202 تريليون يورو (أي نحو 1.37 تريليون دولار أميركي).

فكما كان متوقعاً خلال عام اعتبر عام عودة الانتعاش الاقتصادي المدفوع بإجراءات تخفيف الإغلاق وتوفير اللقاحات، تضمن ذلك زيادة بـ16.8 في المئة بنسبة الاستيراد (الألماني) من دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولكن هذه الأرقام أظهرت أيضاً ارتفاعاً بنسبة 20.8 في المئة لحجم الاستيراد من الصين.  

ماذا عن "الفرص الاستثمارية" البريطانية الأخرى التي كان من المفترض أن تلغي أثر هذا التراجع وتعوض عن هذه الجروح المُعيقة؟ لقد كانت هناك مؤشرات قليلة جداً على تلك الفرص الاستثمارية جاءت على شكل توقيع اتفاقيتين سيئتين للتجارة مع دول مثل نيوزيلندا وأستراليا، والتي تصب في مصلحتهما، ولكن فائدتهما للمملكة المتحدة يبقى أمراً مشكوكا فيه بأفضل الأحوال. بعض التحليلات كانت قد أشارت إلى أن أضرار الاتفاقية الموقعة مع نيوزيلندا تفوق فوائدها.

الحكومة البريطانية تراجعت وعادت إلى سردية إصدار وعود ترضي المعارضين الأزليين (لأوروبا في حزب المحافظين) بـ"خفض الإجراءات المُعيقة" كجزء من حملتها التي أطلق عليها "اللحم الأحمر" red meat المخصصة لتحسين شعبية جونسون المهزوزة في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، لكن الإجراءت المُعيقة الحقيقية مصدرها الاتفاق الذي وقعته هذه الحكومة بنفسها. فالتكلفة، بمعنى حجم الفرص التجارية الضائعة مع ألمانيا وحدها، تزيد بأضعاف على أي منافع أسطورية يمكن تحقيقها في مستقبل باهت وغير واضح المعالم.

من جديد هل نحن نردد ما هو بديهي للغاية؟ نعم بالطبع.

لكن مثل هذه الأرقام الواردة من ألمانيا، والتقارير مثل تلك الصادرة عن اللجان البرلمانية البريطانية تحتاج بالتأكيد إلى الإضاءة على تفاصيلها. فهي تزيل كل الغموض الذي تحاول بثه الحكومة حول الموضوع.

لقد قيل لنا إن جونسون أراد أن يحصل ريس موغ على وظيفة ذات بعد اقتصادي. إلا إذا كان يقصد رغبته في أن يكون مقتصداً في قول الحقيقة ــ وماضيه يشير إلى أن هذا الأمر تحديداً هو ما يعتقد جونسون أنه جزء أساسي من وظيفته (الجديدة) ــ وعندها سيطرح ريس موغ أرضاً.

فنجاح زمرة جونسون التي لا تتعلم من أخطائها أظهر استمرار رواج العروض الكوميدية على الشاشة الفضية، وأعتقد أن (تعيين ريس موغ) سيكون مناسباً لنكتة مضحكة جديدة. المشكلة هي أن "بريكست" ليست أمراً مضحكاً عندما يتعلق الأمر بتأمين مستقبل بريطانيا وفرصها.

© The Independent