الحرب التجارية تثير مخاوف المؤسسات الدولية ومجتمع الأعمال الأميركي

"صندوق النقد" و"البنك الدولي" يخفضان التوقعات للنمو العالمي والناتج الإجمالي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

في خضم المعركة التجارية مع الولايات المتحدة، تمتنع بكين عن التعبير عن أقل قلق بشأن اقتصادها. وبدا ذلك من خلال موقفين: تجاهل الرئيس الصيني شي جين بينغ حتى الآن لقاء الرئيس الأميركي، وتأكيده أن الصين تتمتع بنمو مضطرد وبسوق عملٍ ديناميكية وبارتفاعٍ في دخل مواطنيها. وشدد على أن بلاده "لديها ما يكفي من الوسائل والثقة لمواجهة المخاطر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرب تصريحات

هذه الثقة أثارت فيما يبدو، الرئيس دونالد ترمب الذي سارع إلى التهديد قبل يومين بفرض رسوم جمركية كبيرة على نحو 300 مليار دولار من الواردات الصينية إذا لم يجتمع الزعيم الصيني شي جين بينغ معه في وقت لاحق من هذا الشهر. وأوضح في لقاء مرتجل مع شبكة "سي إن بي سي"، "أنه كان من المقرر أن يلتقي الزعيم الصيني خلال قمة (مجموعة العشرين) في أوساكا، لكن مسؤولي بكين رفضوا تأكيد اللقاء". وردّ جينج شوانغ، المتحدث بإسم وزارة الخارجية الصينية، "بأن بلاده لا تريد حرباً تجارية، لكننا لسنا خائفين من خوضها. وإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لإجراء مشاورات على قدم المساواة، فإن بابنا مفتوح على مصراعيه، لكن إذا أصرت على تصاعد الاحتكاكات التجارية، فسنرد عليها بحزم ومثابرة".

قلق أميركي

ويبدو أن ترمب سيواصل استخدام النهج العدائي مع دول عدة، معتبراً أنه السبيل الوحيد الذي يحقق نتائج. ولم يظهر أي تأثر بالانتقادات المتزايدة من مجموعات الأعمال ومشرّعي "الحزب الجمهوري" الذين تساءلوا علناً عمّا إذا كان يسيء استخدام التعريفات الجمركية كأداة سياسية بطريقة يمكن أن تضر بالاقتصاد الأميركي. وقد تجاهل ترمب الانتقادات وقال "إن نهجه هو الوحيد الذي يحصل على نتائج". وأبدى مجتمع الأعمال الأميركي انزعاجاً واضحاً، فوفقاً لشركة "أوكسفورد للاقتصاد"، "يمكن للضرائب أن تغرق الاقتصاد المكسيكي في ركود خلال 2020، لكنها ستصيب حتماً النمو الأميركي بتراجع أقله 0.7 نقطة مئوية". وكان رئيس "الاحتياطي الفيدرالي الأميركي" جيروم باول أوضح أنه يراقب آثار الاضطراب الاقتصادي عن كثب.

عضو "مجلس الشورى السعودي" والاقتصادي الدكتور فهد بن جمعة له رأي آخر. فقد وصف "السياسة التي تمارسها واشنطن بأنها ناجحة وتخدم المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة، لأن التعريفات الجمركية ستصب في الخزانة الأميركية". ورأى رداً على أسئلة "إندبندنت عربية"، "أن هذه الإجراءات تأخرت وكان يجب اعتمادها قبل أعوام، كي لا تستغل الصين التسهيلات التي تحصل عليها من الولايات المتحدة". وتوقع "أن (تؤدّب) واشنطن الصين وغيرها من الدول التي استغلت الفجوة من خلال إغراق الأسواق الأميركية". وقال: "أعتقد أن بكين ستتراجع في النهاية وتستسلم للسياسة الأميركية". وجزم بأن الاقتصاد الأميركي سيتحسن على المدى المتوسط، وبشكل كبير على المدى الطويل.  

الصين أولاً

وكان الرئيس الأميركي انتقد ما اعتبره "خللاً تجارياً فاضحاً"، بحيث تستورد بلاده بضائع أكثر مما تصدّر. ويعتقد "أن هذا الاختلاف ناجم عن قواعد وسياسات غير عادلة تمتد إلى عقود"، مشيراً إلى "أن إعادة التوازن إلى التجارة ستوجد مزيداً من فرص العمل في بلاده. ويركز على المكسيك وكندا بشكل خاص، لإجبار الشركات الأميركية هناك على نقل عملياتها من تلك البلدان والعودة إلى الولايات المتحدة". لكن مع الحل المؤقت للمواجهة مع المكسيك، فإن التركيز ينصبّ على الصين. ففي العام الماضي تم فرض عقوبات استيراد كبيرة على السلع الصينية بقيمة 250 مليار دولار. واتُهمت بكين بدعمها غير العادل لشركاتها وسرقة الملكية الفكرية الأميركية وتدمير الشركات الأميركية من خلال غياب التوازن بين الواردات والصادرات.

وكان المسؤولون الصينيون وافقوا قبل نحو عام على التفاوض بشأن تغييرات في العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، لكن مسؤولي البيت الأبيض لاحظوا قبل أسابيع إن الصينيين بدأوا في التراجع، ما حدا بترمب إلى زيادة الضغط والتعريفات الجمركية. وسعت واشنطن إلى حد كبير، إلى حماية المنتجات الاستهلاكية الرئيسية مثل الإلكترونيات والسلع الأخرى، لكن ذلك سيتغير إذا ما واصل ترمب تهديده بمعاقبة بضائع إضافية بقيمة 300 مليار دولار، ما لم تبرم بكين صفقة معه.

البنك والصندوق

كيف تنظر المؤسسات الدولية إلى هذا الوضع؟

"البنك الدولي" خفّض توقعاته للنمو العالمي، الذي رجّح أن يصل إلى 2.6٪ هذه السنة بدلاً من 2.9٪ كما كان قد توقع في يناير (كانون الثاني). وأشار الرئيس الجديد للبنك ديفيد مالباس إلى "انخفاض في ثقة الأعمال وتباطؤ إضافي في التجارة العالمية وتراجع في الاستثمار في البلدان الناشئة والنامية". وتوقع أن تنمو التجارة العالمية بأضعف وتيرة لها منذ الأزمة المالية قبل عقد من الزمن. ولاحظ انخفاضاً في ثقة الأعمال وتباطؤاً إضافياً في التجارة العالمية وتراجعاً في الاستثمار في البلدان الناشئة والنامية. ويتوقع هنا "بن جمعة"، "أن تتحمل الدول النامية تكلفة كبيرة في المديين القصير والمتوسط، وستخسر الكثير من صادراتها". لكنه رأى أن ذلك "سيعلمها درساً بوجوب تعزيز تنافسيتها من خلال طرح منتجات جديدة تتيح لها التغلغل إلى الأسواق العالمية".

أما "صندوق النقد الدولي" فعدّل توقعاته لنمو ثاني لأكبر اقتصاد في العالم، وخفضها إلى نسبة 6.2٪ هذه السنة، و6٪ في السنة 2020، وهذا أقل من توقعاته السابقة (على التوالي 6.3٪ و6.1٪) فيما اعتُبر أبطأ وتيرة له في عقدين.

وأوضح تقرير له أن "المحرك الصيني بدأ في التباطؤ لأسباب هيكلية وداخلية، لكن اختبار القوة المتزايد مع واشنطن، حوّله إلى حرب اقتصادية شاملة، مع تداعيات ضارة به لا محالة". وأضاف "أنه منذ مايو (أيار)، فرض دونالد ترمب ضرائب عقابية جديدة على شريكه واعداً بالمضي قدماً فيها"، في وقت تتهيأ بكين للرد، مع تعريفات وتهديدات بالانتقام من شركات أجنبية تطلق عليها لقب "غير موثوق فيها".

وتخوفت كريستين لاغارد، العضو المنتدب لـ"صندوق النقد" "من أن تخفّض حرب التعريفات الجمركية الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0.5% في 2020. وسيشكل ذلك في تقديرها خسارة نحو 455 مليار دولار أميركي، وهو مبلغ أكبر من حجم اقتصاد جنوب أفريقيا".

وكان كينيث كانغ، نائب مدير منطقة آسيا والمحيط الهادئ لـ"صندوق النقد الدولي"، أكد أنه "إذا تعرضت التجارة الدولية للتهديد أو لأضرار، فإن نمو الاقتصاد العالمي سيتراجع". ويثير هذا التصعيد انزعاج المستثمرين، بحيث سجلت أسواق الأسهم الصينية تدفقات قياسية لرأس المال في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، (قرابة 12 مليار دولار) وفق أرقام "مورغان ستانلي".

ويرى الدكتور فهد بن جمعة "أن الوضع الاقتصادي الراهن في ظل الحرب التجارية سيكون له بالتأكيد تأثيرٌ على نمو الاقتصاد العالمي الذي سيتراجع، ولكن بنسبة بسيطة".

المزيد من اقتصاد