جيريمي كوربين يمضي بخطى ثابتة على طريق  الفوز بالانتخابات المقبلة

طالما لم تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن حزب البريكست سيسرق معظم أصوات حزب المحافظين

زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربين (أ.ف.ب) 

طالما بقينا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما سنفعله في المستقبل المنظور كما  أعتقد ، من المستبعد أن يفوز حزب المحافظين في أي انتخابات. في هذه الحالة، الأرجح أن يصبح جيريمي كوربين رئيسًا للوزراء. كنت قد عرضت سابقاً الأسباب الكامنة وراء الفرضيتين الأولى والثانية من هذه الأطروحة ، ولكن الفرضية الثالثة بحاجة إلى اختبار. والحق أننا أجرينا قبل ايام اختبارا حياًّ عليها، جاء على شكل انتخابات فرعية   لدائرة بيتربَرَه.

كان أداء مرشح المحافظين سيئًا، إذ خسر أكثر من نصف نصيب الحزب من الأصوات في الانتخابات العامة الأخيرة حين نافس مرشح المحافظين خصمه العمالي بضرواة على مقعد بيتربَرَه. وفي المقابل حقّق حزب البريكست بقيادة نايجل فاراج نجاحًا مهما، ما يعكس الغضب الشعبي من فشل الحكومة في إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع أن أداء حزب العمال كان سيئاً، فهو لم يصل إلى الحد الذي بلغه أداء حزب المحافظين من الضعف. وبالكاد فاز العمال بمايكفي من الأصوات للاحتفاظ بالمقعد.

من الممكن أن تقدم انتخابات بيتربَرَه تلك صورة مصغرة للانتخابات العامة المقبلة. طالما لم تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن حزب البريكست سيسرق معظم أصوات حزب المحافظين. بيد أن الولاء المتبقي لحزب المحافظين الحاكم بين ناخبيه التقليدين الاساسيين، علاوة على هوس أنصار فاراج بقضية واحدة، من شأنهما أن يمنعا حزب البريكست من الحلول محلّ المحافظين بشل كامل.

وهذا يعني أن أصوات أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي ستنقسم، ما يجعل من الصعب على أي من الطرفين الفوز بمقاعد برلمانية وفق نظام "الأغلبية البسيطة" الانتخابي المطبّق في بريطانيا.  كما ستنقسم أصوات المعسكر المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي هي الأخرى، لكن حزب العمال سيكون قادرًا على الدفاع عن مناطق نفوذه التقليدية، بشكل أفضل من  دفاع المحافظين عن مناطقهم.

وتُوفر نتائج انتخابات بيتربَرَه دليلا أفضل من انتخابات البرلمان الأوروبي، التي جرت قبل أسابيع، على كيفية نجاح هذا السيناريو. ففي الانتخابات الأوروبية، تفوّق الديمقراطيون الأحرار على حزب العمال ليصبحوا الصوت الرئيسي المناهض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

لكن في بيتربَرَه جاء الديمقراطيون الأحرار في المركز الرابع، وفازوا بـ 12% من الأصوات، ما يعني أن حصتهم من الأصوات كانت أعلى بـ 3 % من تلك التي حصلوا عليها في الانتخابات العامة، بعد سنوات من حشرهم جرّاء المنافسة بين المحافظين والعمال في دوائر هامشية يصعب الدفاع عنها. غير أنهم لم ينتزعوا في بيتربَرَه ما يكفي من الأصوات من حزب العمال لحرمانه من المقعد.

هذه ليست مجرد مسألة الفرق بين نظام "الأغلبية البسيطة" والنظام النسبي المتّبع في الانتخابات الأوروبية، التي كانت بالنسبة للناخبين فرصة، قبل كل شيء، للتعبير عن آرائهم  لجهة تأييد أو رفض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

كانت هناك قضايا أخرى في انتخابات بيتربَرَه الفرعية، كما هو الحال في الانتخابات العامة، مثل خدمة الصحة الوطنية والمدارس والإسكان والجريمة، وهي المسائل  التي ينجح حزب العمال عادة في التعامل معها أكثر من الديمقراطيين الأحرار.

يصف منتقدو كوربين سياسته المزدوجة حيال البريكست  بأنها كارثة، وهي فعلاً كذلك، ولكنها ليست كارثية بما يكفي لمنعه من الفوز. ومن يعرف كيف ستكون سياسة الحزب بشأن البريكست في انتخابات عامة؟ إذا استمر هذا البرلمان حتى عام 2022، فمن المحتمل تماما أن تشمل هذه السياسة العمالية إعادة التفاوض على صفقة البريكست وطرحها بعد التفاوض على استفتاء شعبي.

إن الفشل في تنفيذ عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي يعني أن من  الضروري مراجعة كل الافتراضات السابقة حول العمل السياسي. ربما نكون قد تجاوزنا "ذروة كوربين"، التي تمثلت في الإقبال الجماهيري بحماس على الانتساب للحزب لأنهم رأوا أنه يلتزم الاشتراكية الحقيقية، فذلك الحماس قد تلاشى. قد لا يتكرر الصعود المفاجئ في الشعبية الذي حقّقه الحزب بسبب بيانه الانتخابي لعام 2017، إلا أن نتائج انتخابات بيتربَرَه تُظهر كيف يمكن لفريق كوربين التراجع ومع ذلك إحراز النصر. وربما لن يكون حزب العمال بحاجة حتى إلى الحزب الوطني الأسكتلندي لتشكيل إئتلاف حكومي، إذا  توزعت الأصوات بين أربعة أو خمسة أو ستة أحزاب متنافسة على نحو مناسب.

كيف يمكن لهذا التنبؤ أن يُخطئ؟ أرى أن هناك احتمالان، والأرجح أن ثمة احتمالات أخرى لا أستطيع أن أتكهن بها. الأول هو أن يدعو بوريس جونسون، أو أي شخص آخر يصبح رئيس الوزراء الجديد، إلى إجراء انتخابات مبكرة بقصد الحصول على تفويض شعبي لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة. قد يعيد ذلك لحزب المحافظين العديد من الناخبين الذين استبدلوا حزب البريكست به، بيد أن هذه الدعوة ستنطوي على مجازفة كبيرة وقد تؤدي إلى تقسيم حزب المحافظين.

والاحتمال الثاني يتمثل في أن إيمانويل ماكرون أو زعيم آخر في الاتحاد الأوروبي سيرفض في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الموافقة على تمديد جديد للجدول الزمني لخروج بريطانيا من الاتحاد. وفي هذه الحالة، أعتقد أن البرلمان سيوافق على اتفاقية الانسحاب ، بدلاً من الخروج بدون صفقة أو إلغاء المادة 50. لكن يبدو أنه من غير المحتمل أن يخرج أي زعيم في الاتحاد عن الإجماع الأوروبي ويحاول إجبارنا على الخروج، لأن الاتحاد الأوروبي لن يرغب في المخاطرة بخروج بريطانيا بدون صفقة وفي تحمّل مسؤولية ذلك ايضاً.

لهذا السبب أعتقد أن رئيس الوزراء الجديد سيثير غضب جميع الناخبين المؤيدين للخروج وكذلك غضب الحزب الذي اختاره (او اختارها) للتو، إذا طلب من الاتحاد الأوروبي تأجيل موعد الإنسحاب المقرر في أكتوبر. وهذا سيؤدي إلى صعود حكومة عمالية إلى سدة الحكم في عام 2022 إن لم يكن قبل ذلك.

© The Independent

المزيد من آراء