مد وجزر في تاريخ العلاقة بين ليبيا والأمم المتحدة

مساعدة في نيل الاستقلال ومن ثم عقوبات اقتصادية وحظر جوي

سفير ليبيا لدى الأمم المتحدة المهدي صالح المجربي (رويترز)

جدّد مجلس الأمن الدولي قراره الخاص بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، مطالباً الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير عن تنفيذه في غضون 11 شهراً. واعتمد أعضاء مجلس الأمن الـ 15 بالإجماع القرار رقم 2473 الذي طرحت مشروعه بريطانيا، وتمدّد بموجبه الأذون الواردة في القرار 2420 (2018) حول التنفيذ الصارم لحظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا، لمدة 12 شهراً أخرى اعتباراً من تاريخ القرار في جلسة جرت خلالها مناقشة الأزمة الليبية أمس في 10 يونيو (حزيران) الجاري. وتقبع ليبيا منذ سقوط نظام القذافي تحت ما يشبه الوصاية الدولية على خلفية قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي كان من تبعاته تدخل قوات الناتو في الثورة الليبية في صف المعارضين لنظام القذافي ومساهمتها بشكل كبير في التعجيل بإسقاطه.

علاقة قديمة متجددة

تاريخ العلاقة بين ليبيا والأمم المتحدة قديم، بدأ منذ إعلان الاستقلال في 24 ديسمبر (كانون الأول) 1951 وقبله بقليل، إذ برزت القضية الليبية دولياً في مايو (أيار) 1942، إثر اندحار قوات المحور وانتقال العمليات الحربية من القارة الإفريقية إلى القارة الأوروبية. ومنذ ذلك الوقت، التقت المجموعة المتحالفة والمنتصرة في الحرب، أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا في بوتسدام ومن ثم في سان فرانسيسكو، لبسط النفوذ والسيطرة على مستقبل المستعمرات الإيطالية السابقة في أفريقيا، بما في ذلك ليبيا وأحالت هذه المسألة إلى التداول في مؤتمرات دولية عدة. قال الكاتب والمؤرخ الليبي عادل معيوف "بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية أمام قوات الحلفاء وعلى الرغم من خسارتها لمستعمراتها السابقة، إلا أنها ظلت من الناحية القانونية تتمتع بالسيادة على جميع تلك المستعمرات ومنها ليبيا، ولم توقع معاهدة الصلح بين إيطاليا المنهزمة ودول الحلفاء المنتصرة إلا في سبتمبر (أيلول) 1947، وبموجب هذا الاتفاق تولت الدول الأربع الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا) التصرف في المستعمرات الإيطالية، وانتدبت بريطانيا للوصاية على إقليم برقة وطرابلس، وفرنسا للوصاية على إقليم فزان".

تأسيس الأمم المتحدة والاستقلال

وبعد تأسيس ما عُرف حينها بعصبة الأمم وتالياً منظمة الأمم المتحدة، لتعزيز التعاون الدولي ومنع الصراعات في المستقبل، لم ينته التنافس بين الدول الكبرى بإنشاء هذا الجسم، خصوصاً بين الدول المنتصرة في الحرب، ولم يسهل حل المسألة الليبية والوصاية عليها، لذلك سلّم الأربعة الكبار المسألة الليبية إلى هيئة الأمم المتحدة في سبتمبر 1948 وبدأت مناقشتها في أبريل (نيسان) 1949. وقال عمر حسين بوشعالة، الباحث وأستاذ العلوم السياسية الليبي إن إحالة الملف إلى الأمم المتحدة لم يحل الأزمة والصراع بين الدول المنتصرة في الحرب، بل فتح باباً جديداً للخلاف بينها حول ليبيا. وأضاف "يبدو أن مجلس وزراء الخارجية للدول الأربعة الكبرى في ذلك الوقت، وافق من حيث المبدأ على أن المستعمرات الإيطالية السابقة يجب أن تكون تحت الوصاية وفقاً للنظام الذي وضعته الأمم المتحدة، ولكن حدث خلاف كبير حول شكل الوصاية والدولة أو الدول التي يُعهد إليها بتولي سلطة الإدارة، فتقدمت الولايات المتحدة بخطة "الوصاية المشتركة" تحت إشراف الأمم المتحدة والتي تستمر عشر سنوات، تمنح في نهايتها ليبيا استقلالها".

مطامع الدب الروسي

وأوضح بوشعالة "رأى الاتحاد السوفييتي أنه بحكم الخبرة الكبيرة التي اكتسبها في إقامة علاقات الصداقة بين الشعوب متباينة القوميات، يفضّل أن يعهد إليه بإدارة منطقة طرابلس، مقترحاً على المجلس أن عشر سنوات تكفي لإعداد البلاد للاستقلال. وأكد وزير خارجية الاتحاد السوفيتي مولوثرف، أن النظام السوفييتي لن يدخل هذه البلاد منفصلاً عن النظام الديمقراطي الذي يرغب فيه الشعب. وأشار إلى أن بلاده تريد أن يكون لها منفذ إلى البحر الأبيض المتوسط، بخاصة في منطقة طرابلس. لم تكن فرنسا ولا بريطانيا على استعداد لقبول الاقتراح السوفييتي، في حين كانت بريطانيا على استعداد لتأييد الاقتراح الأميركي بوصاية مشتركة بشروط، لكن فرنسا لم تكن مستعدة لقبوله حتى ولو من حيث المبدأ، إذ كانت تخشى أن يُحدِث الاستقلال أثراً في مستعمراتها الأفريقية".

تحقيق الحلم

تعمق الصراع حول ليبيا بإحالة الموضوع إلى الأمم المتحدة، وعملت بعض الدول الكبرى على الملف الليبي في اتفاقات سرية بغية تمريرها داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ أنجزت إيطاليا وبريطانيا اتفاقاً سرياً بينهما في صورة مشروع يفضي إلى تأجيل استقلال ليبيا لمدة عشر سنوات، تتولى خلالها بريطانيا الوصاية على إقليم برقة، وإيطاليا على إقليم طرابلس وفرنسا على إقليم فزان، وقُدم المشروع الذي عُرف بمشروع بيفن – سفورزا للأمم المتحدة للتصويت عليه وتمريره في شهر مايو 1949. تطلّب تمرير المشروع، موافقة ثلث الأعضاء الحاضرين، ونجح الوفد الليبي في إقناع ممثل دولة هايتي في اللحظة الأخيرة لإسقاط المشروع، وفعلاً قلب وفد هايتي الكفة لصالح استقلال ليبيا وفشل مشروع بيفن – سفورزا، وقد كرم الليبيون دولة هايتي بإطلاق اسمها على أحد شوارع مدينة طرابلس. بعد ذلك صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مقترح قدمته دول العراق والهند وباكستان وأميركا ينص على منح ليبيا استقلالها قبل يناير (كانون الثاني) 1954، ونص القرار الذي اتخدته هيئة الأمم المتحدة على وضع دستور للدولة الجديدة، تقرره جمعية وطنية تضم ممثلين عن الأقاليم الثلاثة، وتعيين مفوض خاص من الأمم المتحدة للمساعدة في صياغة الدستور وإنشاء حكومة مستقلة. كلف المفوض السامي أدريان بلث وهو دبلوماسي هولندي موفد من الأمم المتحدة، لجنة لصياغة الدستور ترأسها عمر شنيب، واستلم أمانة السر سليمان الجربي، مع الاعتماد على الاستشارات القانونية لكل من عمر لطيف مندوب مصر في الأمم المتحدة وعوني الدجاني مندوب السعودية، ومن ثم قُدم الدستور إلى اللجنة الوطنية برئاسة الشيخ أبو الاسعاد العالم التي وافقت عليه بإجماع أعضائها الستين، وبعد ذلك قدّم أدريان بلث تقريره إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت الدستور تمهيداً لتحقيق الحلم وإعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951.

أزمة لوكربي

سارت العلاقة بين ليبيا والمنظمات الدولية على رأسها مجلس الأمن والأمم المتحدة بهدوء وشكل طبيعي حتى عندما قاد الملازم آنذاك معمر القذافي عام 1969 انقلاباً عسكرياً على النظام الملكي الذي تولى الحكم بدعم دولي. وفي بداية تسعينيات القرن الماضي، اتُهم نظام القذافي بتدبير عملية تفجير وإسقاط طائرة "البان أميركان" الأميركية فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988، ونتج من ذلك عقوبات اقتصادية قاسية فرضها مجلس الأمن على ليبيا وحظر جوي امتد لعقد كامل.

الحصار والعشرية الصعبة

نص القرار رقم 748 المؤرخ في 31 مارس (آذار) 1992، على عدم السماح لأية طائرة بالإقلاع من إقليمها أو الهبوط فيه أو التحليق فوقه إذا كانت متجهة إلى ليبيا أو قادمة منها، ما لم تكن الرحلة قد نالت الموافقة، على أساس وجود حاجة إنسانية مهمة بموافقة لجنة مجلس الأمن، كما حظر القرار تزويد ليبيا بأية طائرة أو قطع غيار، وعدم توفير خدمات الهندسة والصيانة للطائرات الليبية، أو منح شهادة الأهلية للطيران إلى الطائرات الليبية. اعتُمد القرار بغالبية 10 أصوات مقابل لا شيء، مع امتناع خمسة أعضاء عن التصويت من الرأس الأخضر والصين والهند والمغرب وزيمبابوي. وجاء في القرار أنه يجب على جميع الدول الأعضاء تنفيذه والالتزام به، اعتباراً من 15 أبريل 1992، واستمر حتى عقد نظام القذافي صفقة مع الغرب دفع بموجبها تعويضات ضخمة لذوي الضحايا في بداية الألفية الجديدة وأُغلق الملف بعد معاناة صعبة عاشها الشعب الليبي نتيجة الحصار الاقتصادي.

الثورة وتدخل الناتو

عندما اندلعت الثورة الليبية في 17 فبراير(شباط) 2011 وواجه نظام القذافي المحتجين خلالها بالقوة المفرطة، عاد الملف الليبي إلى التداول على طاولة مجلس الأمن، مفرزاً قرارات عدة تدين القمع وتسعى إلى حماية المدنيين في بنغازي والمدن الليبية. بدأت هذه القرارات مع القرار رقم 1970 لمجلس الأمن الذي دان فيه العنف واستخدام القوة ضد المدنيين وطالب بوقفه، وأحال الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، وحظّر بيع السلاح إلى ليبيا، ومنع السفر عن عدد كبير من الشخصيات الليبية على رأسهم القذافي وأبنائه وجمّد أموالهم. وتلى ذلك، القرار 1973 الذي صدر في 17 مارس 2011 الذي بموجبه فُرض حظر جوي على ليبيا جوهره حماية المدنيين في بنغازي التي أرسل إليها القذافي رتلاً عسكرياً ضخماً لإخضاعها وإخماد الثورة فيها. وكان القرار باباً لتدخل الناتو ومساعدة الثوار في القضاء على النظام، وبذلك انتهت حقبة حكم القذافي في ليبيا بتحرير طرابلس في 20 أغسطس (آب) 2011.

إنشاء بعثة الدعم

 لم ينته دور هيئة الأمم المتحدة عند هذا الحد، بل أنشأت بموجب القرار رقم 2009 الصادر في  سبتمبر 2011 بعثة للأمم المتحدة للدعم تحت قيادة الممثل الخاص للأمين العام ما زالت تمارس أعمالها حتى اليوم، وتشرف على مشروع الحوار السياسي بداية من اتفاق مدينة الصخيرات المغربية. وبموجب هذه القرارات، ما زالت ليبيا حتى اللحظة تخضع لعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية، منها تجميد أرصدتها المالية في الخارج التي تُقدر بمئات المليارات ومنع توريد السلاح لها الذي جُدّد لعام إضافي . ويرى خبراء ليبيون أن الأمم المتحدة إذا كانت قد أسهمت بشكل كبير في إنشاء الدولة والعمل على استقلالها والحفاظ على وحدة أراضيها في بداية العلاقة بينهما في خمسينيات القرن الماضي ، فهي أيضاً لعبت دوراً سلبياً بعد ذلك في فترة التسعينيات، إذ فرضت  حصاراً اقتصادياً خانقاً وتدخلّت إبان الثورة الليبية وتخلت عنها بعدها وتركتها للفوضى والتصارع، إضافة إلى الدور السلبي بكل المقاييس لبعثاتها الأممية التي أشرفت على جلسات للحوار السياسي، فعمّقت الأزمة حتى دفعت بها إلى مرحلة التحارب، بدلاً من تحجيمها وحلها.