"اندبندنت عربية " تفتح السجال حول الترجمة من العبرية إلى العربية: مبالغة في تهمة التطبيع... ومعرفة ادب العدو ضرورة في زمن العولمة

كتب إسرائيلية تملأ المكتبات ... قراء يقبلون عليها وآخرون يقاطعونها

قارئ فلسطيني في مكتبة (يوتيوب)

 أثار المقال الذي نشرته "اندبندنت عربية" للكاتب الجزائري أمين الزاوي بعنوان "لماذا يخشى العرب ترجمة الأدب الإسرائيلي إلى لغتهم" (الخميس 6 يونيو ) سجالا في وسائط التواصل الاجتماعي، بين مؤيدين للترجمة عن العبرية وآخرين رافضين إياها بصفتها خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل. هنا تحقيق حول قضية ترجمة الادب الإسرائيلي الى العربية يشارك فيه مترجمون وكتّاب عرب.

  عدم الاعتراف بإسرائيل هو موقف يرتبط بقناعة يسهل تفهمها، إلا أن الاتكاء عليه لرفض ترجمة الأدب المكتوب باللغة العبرية إلى اللغة العربية هو أمر إشكالي، فيه أخذٌ وردٌ في أوساط المثقفين العرب، خصوصاً حين يُفسَّر على أنه يعني بالضرورة القبول بالدولة العبرية وتجاوز كونها كياناً مصطنعاً ترتبت على وجوده مأساة تشتيت ملايين من الشعب الفلسطيني، وبقاء ملايين آخرين منهم تحت ذُلّ احتلال عنصري بغيض. 

والثابت في صدد ترجمة أعمال لكتاب إسرائيليين إلى اللغة العربية ونشرها في القاهرة هو أنها شملت على سبيل المثل مذكرات حاييم وايزمان وجولدا مائير‏، وبن غوريون‏، ومناحيم بيغين تحت شعار "اعرف عدوك". وهناك دار نشر مصرية قررت التخصص في نشر ترجمات الأدب العبري. هي "الدار العربية للنشر" التي تجمَّد نشاطها تماماً في السنوات الأخيرة واختفى صاحبها الكاتب أمين المهدي عن الأنظار بعد أن نشر في تسعينيات القرن الماضي رواية عاموس عوز "حنا وميخائيل" بترجمة رفعت فودة‏. أما الهيئة العامة لقصور الثقافة، فنشرت رواية ديفيد غروسمان "الرياح الصفراء" عام ‏1999‏ وترجم حسين سراج رواية إيلي عمير "ياسمين" التي نشرتها دار ابن لقمان في المنصورة شمال مصر. وترجم الروائي المصري نائل الطوخي عن العبرية رواية "تشحلة وحزقيل"، للكاتب ألموغ بهار، وصدرت عام 2016، عن دار "الكتب خان" في القاهرة، كما ترجم كتاب "الأمة والموت"، للمؤرخة عيديت زيرتال، ونشرته دار "ميريت عام 2010، وكتاب "من النكبة إلى غزة... هو لا يزال احتلالاً"، ويتضمن مقالات وقصائد لإيلان بابيه ونشرته دار العين في القاهرة عام 2009. ويعد نائل الطوخي المشهور بمدونته الإلكترونية "هكذا تحدث كوهين" أشهر المتحمسين لترجمة الأدب العبري إلى اللغة العربية. وسبق أن نُقِلَ عن صاحب رواية "نساء الكرنتينا" قوله: "أنا لا أفهم فكرة التطبيع وضد التجاهل فهو الحل الأسهل والأغبى، لكن مع مقاطعة إسرائيل كدولة... يمكننا أن نحكم على أي رواية عن طريق الترجمة، ولا نستطيع أن نحكم على الأدب الإسرائيلي في المجمل، ولكن يمكن أن نحكم على رواية أو نص كلٍ على حدة والحكم على الأدب كله اختزال".

وترجم أستاذ الدراسات العبرية في كلية الآداب في جامعة عين شمس إبراهيم البحراوي، كتاب "أضواء على الأدب الصهيوني" وأصدرته دار "الهلال" في القاهرة عام 1972، ويتضمن دراسة في أدب الحرب الإسرائيلي، تلقي الضوء على قصائد وقصص قصيرة، لتبيان مدى تأثرها بـ "حرب الاستنزاف" التي شنتها مصر على أهداف إسرائيلية عقب هزيمة 1967. ويرى البحراوي الذي أشرف أخيراً على فريق عمل لترجمة وثائق إسرائيلية عن حرب 1973 من العبرية إلى العربية، أن الأدب الإسرائيلي "ضعيف ولا يستحق الاهتمام، ولكن هناك عدداً من رسائل الماجستير والدكتوراه تحوى نصوصاً شعرية وروائية وقصصية ومسرحيات ترجمها الدارسون لاستخدامها في النقد التطبيقي، ولكن من الصعب نشرها فى كتب مستقلة، خصوصاً بعد أن وقّعنا على اتفاقية الملكية الفكرية من ناحية، والتزامنا المقاطعة الثقافية مع الصهاينة من ناحية أخرى، وبالتالي فالطريق المتاح لتحقيق معادلة استمرار المقاطعة الثقافية، مع تحصيل المعرفة الضرورية عن المجتمع الإسرائيلى عبر الأدب، هو طريق الدراسات الأدبية التي تتناول الأدب الإسرائيلي وتقدم نماذج مختارة، حتى لا نقع تحت طائلة السطو على الكتابات الصهونية". 

جابر عصفور: حقوق الملكية

 

يقول المدير السابق للمركز القومي المصري للترجمة  المفكر جابر عصفور: "لا توجد مشكلة في الترجمة من العبرية إلى اللغة العربية إلا في حقوق الملكية الفكرية، التي ستذهب غالباً إلى ناشر صهيوني، ومن ثم ستصب في مجالات تهدف إلى المزيد من التنكيل بالشعب الفلسطيني الرازخ تحت نير الاحتلال الإسرائيلي ويالتالي سيكون ناشر الترجمة العربية والقائم بها أيضاً عرضة لإدانة من المحيط إلى الخليج. ولكن يمكن أن تنتفي المشكلة إذا تمت الترجمة من لغة وسيطة مثل الإنجليزية أو الفرنسية في حال وجود كتب لإسرائيليين موضوعيين ينتصرون للحق الفلسطيني. وعموماً أنا مع الترجمة في إطار حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن عرَف لغةَ قومٍ أمِن شرهم"، وكنت أطبق ذلك خلال إدارتي للمركز القومي المصري للترجمة وكذلك خلال إشرافي على المشروع القومي للترجمة عندما كنت أميناً عاماً للمجلس الأعلى المصري للثقافة، بأن أقرّر ترجمة أعمال تدخل في هذا السياق ولكن لا يترتب على ترجمتها دفع حقوق ملكية فكرية، ومنها كتاب "قصص اليهود" تأليف لويس جنزبرج وصدرت ترجمته إلى العربية عام 2002. وهناك مثلاً كتاب لمؤرخ إسرائيلي معروف بصهيونيته لكنني أرى أن ترجمته إلى اللغة العربية تدخل في نطاق الضرورة الملحة. الكتاب عنوانه "العاقل... تاريخ مختصر للنوع البشري" ومؤلفه هو يوفال نوح هراري، وترجمه إلى العربية المترجمان العُمانيان حسين العبري وصالح بن علي الفلاحي، بعد أن تصدّر في نسخته الإنكليزية مبيعات الكتب بحسب قائمة "نيويورك تايمز"، وتمت ترجمته إلى أكثر من 45 لغة منذ صدوره عام 2011.

شريف بكر: معرفة العدو

 

يقول مدير دار "العربي" للنشر في القاهرة شريف بكر: "لا نستطيع أن ننشر عملاً إسرائيلياً مباشرة لتجنب مخالفة قرارات منع التطبيع مع إسرائيل. ولكن من الممكن أن ننشر العمل نفسه عبر وكيل أدبي أوروبي إلا أننا قد نواجه عقبة أن معظم الكتب الإسرائيلية التي تظهر أنها منحازة إلى العرب لا تخلو من آراء مفادها أن لإسرائيل الحق في الوجود حتى ولو على حساب هؤلاء العرب. عموماً أنا مع رأي الصحافي المصري الراحل محمود عوض بشأن ضرورة معرفة العدو، لكن يظل السؤال: ما الذي ينبغي أن نعرفه بالضبط؟ فمحاولة بناء العلاقات الثقافية فيها نوع من التطبيع والاعتراف بالكيان نفسه وهو - على ما أعتقد - ما يرغب هو فيه. نحن في دار "العربي" سبق أن نشرنا ترجمة اليهودي الفرنسي آمنون كابليوك الذي يفضح دور إسرائيل في مذابح صبرا وشاتيلا، وبالتالي ليس عندنا مشكلة في أن ننشر ترجمات مماثلة ولكن من لغة وسيطة لتجنب تهمة التطبيع، مع أني شخصياً أفضل الترجمة من اللغة الأصلية خصوصاً أن لدينا في مصر والعالم العربي عموماً مترجمين كثيرين عن اللغة العبرية يعانون ضيق سوق عملهم ومنهم مثلاً المصري نائل الطوخي".  

احمد فؤاد: شروط الترجمة

ويقول أستاذ اللغة العبرية وآدابها في جامعة الإسكندرية أحمد فؤاد: "من نافلة القول أهمية دراسة الأدب فهو وفقاً لباحثين كبار: "تعبير عمّا كان وما يكون وما سيكون وما يفترض أن يكون"، ويمكن من خلاله تبين صراعات نفسية، وتوجهات معيّنة، وهو ما يجعل دراسة أدب الجار أمراً بالغ الأهمية، وتزداد الأهمية عندما يكون الجار معتدياً طامحاً في التمدد، ولا يحترم القوانين وقرارات الشرعية الدولية، أو الأخلاق والتعاليم السماوية غير المحرّفة، ولا يرتكز إلا على جدارة القوة العسكرية."

ويرى أن الأدب العبري الحديث منذ نشأته عام 1781 -في إطار ما يعرف باسم حركة التنوير اليهودية (هسكالاه)- لعب دور "بوتقة الصهر" بين المهاجرين من أصول وثقافات متنافرة، وأراد لفترة أن يكون مجنداً مباشراً لخدمة الفكرة الصهيونية والتغطية على جرائمها حتى ولو كان هذا من طريق تفريغ شحنة الضمير من خلال عدد من الأقلام المستنكرة بعض الجرائم. "وفي ضوء ما سبق أرى أنه لا غضاضة في ترجمة الأدب العبري إلى العربية، بل على العكس أرى أن هناك تقصيراً في هذا المجال المطلوب ضمن خريطة معرفية لإدارة الصراع بشكل علمي، ولكن أقترح أن تكون هناك ضوابط لتلك العملية وربما تقلل من مخاوف كل من يرفض التطبيع. ومن بين تلك الضوابط التي أطرحها بالطبع للنقاش العام عبر "اندبندت عربية":

 أن تتم الترجمة من اللغة العبرية وليس من خلال لغة وسيطة، ألّا يتم فرض نص معين على المترجم أو الناشر، بل يتم الانتقاء بعيون مصرية متخصصة مشهود لها بالثقافة الوطنية، ألا يُترك القارئ المصري العربي في مواجهة النص وحيداً، بل يتم التدخل بمقدمة وافية أو تحليل مختصر للأهداف والمزاعم وفحوى المصطلحات، ويمكن أن يتم كذلك التوضيح في هوامش لما يحاول المؤلف الإسرائيلي تسريبه أو ترسيخه أو ما يحاول إنكاره وتجاهله من خلال العمل الأدبي. تفويض مكاتب محاماة فلسطينية أو من فلسطينيي الداخل (فلسطيني الـ 48) للحصول على موافقة المؤلف إذا كانت هناك ضرورة لها مع الإقرار بموافقته على عدم حصوله على مقابل مالي".

وأضاف :"الترجمة في النهاية يمكن أن تكون محل تقييم بالاستفادة من عتبات النص، وخلفية المؤلف وتاريخه والحوارات السابقة التي أدلى بها عن العمل الأدبي على سبيل المثل. وهو التقييم الذي يجب أن يضم تخصّصات مختلفة؛ سعياً إلى إدارة مواجهة –لا تبدو نهاية لها في الأفق القريب- ثقافية بشكل فعال يحصن الرأي العام ويمده بمستجدات ضرورية للمشهد لدى "جار السوء".

وائل فاروق: معرفة الاخر

 ويقول أستاذ الأدب العربي في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو (إيطاليا) وائل فاروق: "يخشى العرب ترجمة الأدب المكتوب بالعبرية إلى اللغة العربية لثلاثة أسباب؛ أولها توظيف قطاع من النخبة قضية التطبيع الأخلاقية توظيفاً أيديولوجياً لتصفية حسابات لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية أصلاً، وثانيها ضعف القدرة المعرفية والعلمية على مواجهة الأكاذيب والدعاية الصهيونية التي قد تتضمنها هذه الكتب المترجمة، فإسرائيل أكثر تقدماً علمياً ومعرفياً وقد يسهّل لها فتح باب الترجمة توظيف هذا التقدم في صراعها معنا، وثالثها فقدان معظم دوائر النخب الثقافية والإعلامية للصدقية أمام الجماهير العربية وهو ما سيضعف قدرتهم على مواجهة الانحيازات الثقافية والدينية والعرقية التي حتماً ستتضمّنها هذه الكتب، وهذه الأسباب تجعل المنع والرقابة والقهر التي تجاوزها الزمن الخيار الوحيد أمام من بيدهم سلطة اتخاذ القرار، ولنا في تجربة نشر كتاب "الملاك" الذي راح ضحيته الناشر المصري خالد لطفي مثالاً وعبرة.

لم يعد المنع ممكناً في عالمنا المعاصر، وبالتالي لن يحمي المجتمع من أي دعاية مغرضة أو أي حرب معلوماتية إلا بناء صدقية للخطاب الثقافي والإعلامي في المجتمعات العربية.

لا أفهم كثيراً في صناعة النشر وما قد تفرضه من شروط وتعقيدات ولكني أعتقد أن معرفة الآخر صديقاً كان أم عدواً فريضة لا يمكن أن تقوم بها عن المجتمع أجهزة الأمن ولن يواجه أكاذيب الأعداء إلا كاتب أو مبدع أو فنان تمثَّل جيداً هذا الآخر واستوعب ثقافته، وبالتالي أنا مع الترجمة عن العبرية مباشرة على أن يصاحب الترجمات مقدمات تضعها في سياقاتها الصحيحة. ليس في الترجمة والنشر أي تطبيع، التطبيع يعني العمل معاً والتعاون لتحقيق أهداف مشتركة، أما النشر الذي يهدف إلى إيقاظ الوعي على خطر التراجع الثقافي أمام الآخر، ويؤدي إلى إثارة الهمم لمواجهته فهو عمل وطني لا بد منه".

محمد علي عزب: بين اليهودي والصهيوني

ويقول الكاتب المصري محمد علي عزب: المقولة التى صدَّر بها الزاوي مقاله خلَط فيها بين ما هو يهودي وما هو صهيوني، ثم إن اعتبار الزاوي أن الأدب يصنع جسوراً متينة للسلام بين الشعوب هو فى غير محله، فالكيان الصهيوني ليس شعباً بل هو مجموعة لصوص ومحتلين. هذه الاعتبارات لا تصلح مبررات لترجمة الأدب الصهيوني. أدباء الكيان الصهيوني هم جزء من ذلك الكيان، ولكن هذا لا يمنع من ترجمة الأدب الصهيوني للتعرف على ما يكتبه هؤلاء من منطلق "اعرف عدوك"، بل والتحاور مع الأدباء الصهاينة حول رؤيتهم إلى القضية الفلسطينية. ليس هذا تطبيعاً أو اعترافاً بالكيان الصهيوني، ولا صناعة جسور سلام متينة مع الشعب الصهيوني كما قال الزاوي، إنما هو من قبيل معرفة كيف يكتب هؤلاء وكيف يفكرون، وسيكون ذلك في صالحنا".

سمير جريس: قيمة العمل

ويقول المترجم عن الألمانية المصري سمير جريس: أنا رأيي في هذا الموضوع مختصر جداً: ترجمة الأدب برأيي لا علاقة لها بتطبيع مع أحد أو معاداة له. الفيصل هو قيمة العمل الأدبي، وألّا يكون محض دعاية أيديولوجية سخيفة. وقديماً قالوا: اعرف عدوك".

صلاح النصراوي: مزايدات

ويقول الصحافي والروائي العراقي المقيم في القاهرة صلاح النصراوي: "قبل سنوات عدة قمتُ بترجمة رواية الكاتبة الفرنسية الإسرائيلية فاليري زيناتي "عندما كنتُ جندية" بعد أن قرأتَها بالإنجليزية وأثارت انتباهي شكلاً وموضوعاً. وعلى الرغم من إدراكي المواقف المعارضة لترجمة الأدب الإسرائيلي إلى العربية إلا إنني كنتُ، ولا أزال، أعتقد أن الاعتراضات بشأن نقل ذلك الأدب إلى لغتنا لا تتسم بالحكمة ولا بالموضوعية وهي تدخل إما في خانة الجهل والغباء أو في خانة المزايدات المبتذلة التي عانت منها القضية الفلسطينية على مر تاريخها المرير. تقدمتُ إلى أحد الناشرين البارزين في القاهره بالترجمة لطبعها إلا أنه لم يكلف نفسه عناء الرد، وعذرتُه لأني كنت متيقناً من خشيته من السهام التي قد تطاله، ولم أكرر التجربة. ثم جاءت الثورات العربية وأخذت من مشاغلنا بها ومن حياتنا ما أخذت حتى نسيتُ تلك الترجمة وخشيت أن تختفي من ملفات الحاسوب أو يطوي نسختها الورقية الغبار. وها أنا أقدمها على مدونتي في فيسبوك متسلسلة، متحملاً كل مسؤولية أدبية وسياسية وأخلاقية عن ذلك. لقد عشتُ حياتي كلها لصيقاً بقضية فلسطين ومأساة شعبها وفترات طويلة قريباً من فصائلها المناضلة ومن قيادتها التاريخية وأكاد أجزم أن مَن ضيَّع فلسطين وألحق بشعبها تلك الكارثة هي الحماقة التي أعمت أجيالاً من العرب عن معرفة الإسرائيلي وكيف يفكر ويعمل وهي المقاربة التي كان ينبغي أن تصدم كل عربي منذ أن قال موشي ديان إن العرب لا يقرأون".

هشام مشبال: صورة الآخر

ويقول الباحث والروائي المغربي هشام مشبال: "على الرغم من أن الأدب ينزع دائماً إلى أن يكون جمالياً، إلا أنه لا يستطيع أن يتخلص من الأيديولوجيا. إنه بهذا المعنى يحمل معتقدات وأفكاراً ويسعى إلى التأثير في الآخر وتوجيهه. في سياق هذا الجدل بين الجمالي والأيديولوجي، لم تُعنَ حركة الترجمة العربية للأدب العبري بالنصوص العبرية المختلفة. فقد رأت فيها مجرد نصوص محمَّلة بالأيديولوجيا وأنها محرِّضة وعدائية. وأعتقد الكثيرون أن فعل الترجمة يمثل أحد وجوه التطبيع مع إسرائيل. لقد تجنب المترجمون العرب الأدب العبري عقوداً طويلة، خشية وتقية واعتقاداً راسخاً منهم بأنه أدب عنصري واستعماري غير إنساني أو جمالي.

بيدَ أن هذه الخشية أو التجاهل، يثير إشكالاً حقيقياً يتعلّق بصورة الآخر. هل يمكننا فهم عقلية الإسرائيلي وعاداته وتقاليده والبنية الفكرية للمجتمع الإسرائيلي بمعزل عن قراءة آدابه وفنونه؟ على امتداد عقود طويلة، أسهم الأدب في تكريس ثقافة الإمبريالية في كل المجتمعات. وعملت مراكز بحث غربية على قراءة المجتمعات الأخرى من خلال نصوصها. تُعدّ اللغة هنا مدخلاً لفهم الآخر وتمثلاته. وفي سياق الصراع العربي الإسرائيلي، سعى باحثون مصريون إلى ترجمة الأدب العبري خصوصاً بعد حقبة الستينيات حيث كانت الحاجة ملحة إلى فهم العدو. لكنها تظل محاولات غير منهجية، ولا تحيط بكل النصوص.

في هذا السياق أتساءل: ما الدور الذي يضطلع به أساتذة اللغة العبرية في الجامعات العربية، وفي دول المغرب العربي على وجه الخصوص، إذا لم يسهموا في فهم هذا الأدب العبري والإحاطة به وترجمته وتقديمه إلى القارئ العربي؟ 

أتصوّر أن الترجمة الحقيقية والشاملة والمنهجية للأدب العبري بمنحيَيه الأيديولوجي والجمالي، تمثل محاولة حقيقية لفهم هذا الآخر. أما القطيعة مع منتجه الأدبي فلن يعمّق سوى فكرة العزلة والتقوقع على الذات. إن ترجمتنا النصوص العبرية ليست تطبيعاً بقدر ما هي محاولة لفهم البنية العقلية للإسرائيلي وتحليلها. 

خالد المعالي: طهرانيات مزيفة

ويقول  الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي صاحب دار "الجمل" التي نشرت ترجمات لكتب اسرائيلية: "يسودُ في الثقافة العربية شعورٌ طهرانيّ مزّيف، وهذا الشعور قائم على عدم الكتابة عن السلبيات والاقتصار على الإيجابيات، وأي كاتب يشذّ عن هذا العُرْف يُتهم بطلب الشهرة والعالمية على حساب وطنه وشعبه، مهما كانت درجة التخلّف والانحطاط الذي نرزح فيه. لا يضاهي هذا الشعور الطهراني إلا التفكير القروي الذي يعتبر كل سكان القرى الأخرى لهم قرون وذيول.

وهذا ينطبق أيضاً على الكتب التي نترجمها عن اللغات الأخرى، فنحن نختصر ونحذف ونلوي أعناق الحقائق، بل نرد على المؤلف الأجنبي ونخطئه ونتهمه بشتى التهم وذلك قبل أن تصل الترجمة إلى القارئ، أي أن الكتاب المترجم قد قُتل في مهده، كما يتصوّر المترجم. أي باختصار نحن مجتمع مُغلق، في قلعة مسوّرة – حاله حال العائلات الكثيرة، التي تحاول إخفاء إدرانها خلف الجدران العالية. والانقراض، حالها حال العائلات التي تتزاوج فقط في ما بينها. الأدب الذي نكتبه أو نترجمهُ مرآة عاكسة، ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، وهي تعكس كلّ شيء، ولا يمكن التحكّم به من خلال التصورات الطهرانية المزيّفة".

"الشعر يكتبهُ الجميع" بحسب لوتريامون، وهذا ينطبق على جميع اللغات، القراءة سفر، حتى بالمعنى العسكري. حالها حال اكتساب اللغات. أن نعرف الآخر مهما كان، هو أن نزيد من الثقة بالنفس. ومن يعرف أكثر يمكنهُ أن ينتصر ولو بعد حين. كم كانت تجربة ابن فضلان في رحلته مذهلة أو تلك المشاهد التي تركها أسامة بن منقذ حول "الحروب الصليبية". أو حتى صورة صلاح الدين الأيوبي في البلاد الأوروبية. الجميع يمكنهُ الغناء. أما تفاصيل الصراعات فعلى الحكماء "من مختلف المشارب" إنجازها. وترجمة الأدب العبري ومؤلفات المؤرخين الإسرائيليين الجدد لا تشذّ عن هذا المسار. إقرأ "فيكتوريا" لـ سامي ميخائيل، "قصة عن الحب والظلام" لـ آموس عوز، ومؤلفات المؤرخين الإسرائيليين الجدد وسوف تعرف... على سبيل المثل لا الحصر. المعرفة ليست نقصاناً، هي إضافة".

المزيد من ثقافة