Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رمي الأحذية من بوش إلى السودان... حطّ من شأن الصحافة

من لا يستطيع تقبّل الرأي الآخر كيف له أن يحاور ويسأل ويُسائل؟

هؤلاء تعرضوا لـ"رشقات" من الأحذية (تندبندنت عربية)

"لدي رسالة أريد أن أوصلها لكم من الشعب السوداني". بهذه العبارة، اعتلت الصحافية صفاء الفحل منبر وكالة الأنباء السودانية (سونا)، في الخامس من أبريل (نيسان)، لترشق من عليها السياسي التوم هجو بحذائها. فما كان من هذا الأخير إلا أن بادلها الإهانة بابتسامة، قائلاً "الرسالة وصلت".

فعلاً، الرسالة وصلت، وترددت أصداؤها في العالم العربي بأسره وربما أكثر، بفعل تداول الفيديو على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن بريد الرسالة، الحذاء في هذه الحالة، أنزلها إلى دركه، فلم يقبل بها حتى مؤيدو فحواها. فاضطرت الفحل للاعتذار من هجو وزملائها ومنصة "سونا"، لأن ما فعلته وإن كان "بروح ثورية" على حد قولها، إلا أنه لا يمثل طموحات الثورة السودانية المنادية بالديمقراطية. ولعل أبسط وأهم قواعد الديمقراطية، احترام الرأي الآخر وتقبّله.

وبغض النظر عن الدوافع وراء خطوة مماثلة، أكانت عفوية انطلاقاً من مشاعر انفعالية، أو متعمّدة لتحقيق أهداف شعبوية، لم تكن هذه أولى حوادث رمي السياسيين بالأحذية ولن تكون الأخيرة. فهذه الوسيلة التي أثبتت قدرة على جذب الانتباه على نطاق واسع، تظهر كل حين وآخر في مكان ما بحذاء أحد ما. إليكم أبرزها من حول العالم.

 
 

جورج بوش

من دون منازع، تتصدر هذه الواقعة قائمة أشهر حوادث رمي السياسيين بالأحذية. مسرحها بغداد، و"بطلها" الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، أو بنظر البعض، الصحافي العراقي منتظر الزيدي.

فخلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2008، في إطار زيارة وداعية للعراق في ختام عهده، استطاع الرئيس الأميركي الـ43 الإفلات من حذاءين رماهما عليه الزيدي صارخاً، "هذه قبلة وداع من الشعب العراقي أيها الكلب".

بوش الذي أثار إعجاب الكثيرين بسرعته في تفادي الضربة، أكد أنه لم يشعر "بأدنى تهديد" من الحادثة. وقال ممازحاً، "كل ما أذكره أن الحذاء يحمل قياس 10".

هذه الحادثة جعلت من منتظر الزيدي "بطلاً" في نظر الكثيرين في العالم العربي، وراح البعض يزايدون بعرض مبالغ طائلة لشراء الحذاء الذي رمى به بوش. وتكثفت الدعوات للإفراج عنه بعدما حُكم بالسجن عامين، غير أنه لم يُمضِ خلف القضبان سوى تسعة أشهر "لحسن السلوك".

وعلى الرغم من ذلك، لم ينجُ الزيدي من "كارما" فعلته. فبعد نحو عام، وخلال مؤتمر صحافي كان يقيمه في باريس، تلقى ضربة بحذاء من صحافي عراقي اتهمه بالولاء لـ"الديكتاتورية"، صارخاً في وجهه "وهذا حذاء آخر لك".

وعلى غرار بوش، تمكّن الزيدي من تجنّب الحذاء، ودافع عن نفسه قائلاً، "عندما استخدمت هذه الطريقة كان ذلك ضد الاحتلال، وليس ضد مواطن عراقي"، وأكد أنه مستعد لتكرار ما فعله مع بوش إذا أتيحت له الفرصة، وحتى مع خلفه باراك أوباما "مهما كان لون جلده أو أصله أو دينه".

رئيس وزراء الصين

الضجة التي أثارها حذاء الزيدي، شجّعت الكثيرين على السير في خطاه.

فبعد أقل من شهرين، كان الحذاء من نصيب رئيس الوزراء الصيني ون جيا باو، في الثاني من فبراير (شباط) 2009، أثناء مؤتمر صحافي في جامعة كامبردج في لندن.

الفاعل كان باحثاً ألمانياً في الجامعة عمره 27 سنة، يُدعى مارتن جانكي. احتجّ على استضافة رئيس الوزراء الصيني في حرم الكلية، فوصفه بالـ"دكتاتور" ورماه بالحذاء، لكنه سقط على بعد متر منه.

وفي الشهر نفسه، رُمي السفير الإسرائيلى في السويد بيني داغان بحذاء ووابل من الكتب أثناء إلقائه محاضرة بجامعة ستوكهولم.

رجب طيب أردوغان

بعد سنة، في فبراير 2010، لم يكد رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان (منصبه حينها وهو حالياً الرئيس التركي)، أن يتمم فرحته بتكريم ناله بمدينة إشبيلية الإسبانية، حتى تلقى حذاءً أثناء توجهه إلى السيارة في ختام الحفل. غير أن الشاب الذي رمى الحذاء وهو يهتف "عاشت كردستان"، لم يستطع إصابة هدفه.

بول بريمر

حذاء الزيدي بوجه بوش لم يكن كافياً على ما يبدو لشفاء غليل بعض العراقيين، فكانت المحاولة الثانية عام 2013، من نصيب بول بريمر، الحاكم المدني الأميركي السابق للعراق.

هذه المرة، المسرح كان قاعة في البرلمان البريطاني، حيث كان بريمر يتحدث في لقاء حضره صحافيون وسياسيون وعدد من أبناء الجالية العراقية. وطلب شاب يدعى ياسر السامرائي طرح سؤال، وبعدما استهل الكلام بالتعريف عن نفسه، قال إنه يحمل إلى بريمر رسالتين، "واحدة من صدام حسين وواحدة من الشعب العراقي"، ليسرع من ثم برميه بفردتي حذائه، من دون أن يصيبه.

بريمر الذي تلقى الأمر بضحكة، حاول حتى التقاط الحذاء، وتوجه للشاب قائلاً، "عليك بتحسين تصويبك إذا أردت القيام بخطوة من هذا النوع".

هيلاري كلينتون

وبما أن الأمر أصبح متوقعاً لدى السياسيين الأميركيين، باتوا يبادلونه بالمزاح. فوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون تعرّضت بدورها لضربة حذاء في عام 2014، عندما رمته باتجاهها امرأة أثناء مؤتمر صحافي في لاس فيغاس من دون أن تصيبها، ومازحت كلينتون الحضور قائلةً، "لحسن الحظ أنه ليس أفضل مني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

محمود أحمدي نجاد

الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد في سوريا أتى بدوره بحذاء للرئيس محمود أحمدي نجاد. وقعت الحادثة في فبراير 2013 بمصر، أثناء زيارة أحمدي نجاد مسجد الحسين في القاهرة، حيث حاول شاب رشقه بحذائه وهو يصرخ بصوت عال "جبان".

الحوثيون

لم تغب الأحذية عن الحرب اليمنية كذلك. ففي عام 2015، قذفت الصحافية ذكري العراسي القيادي في جماعة "أنصار الله" حمزة الحوثي بحذاء، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، قائلةً إن ثلاثة من أسرتها قتلوا بنيران الميليشيات الحوثية في مدينة عدن.

وفي نوفمبر 2018، تعرض عبد السلام جابر، وزير الإعلام المنشق عن حكومة الحوثيين، لاستهداف بحذاء خلال مؤتمر صحافي في السفارة اليمنية في الرياض.

وزير موريتاني ورئيس وزراء باكستاني

في موريتانيا، كان المستهدف عام 2016، وزير الثقافة والناطق باسم الحكومة محمد الأمين ولد الشيخ، أثناء مؤتمر صحافي استغله الصحافي الشيخ باي ولد محمد لرمي حذائه على الوزير، متهماً إياه بالكذب، لكنه لم ينجح بإصابته.

وفيما فشلت محاولات عدة بإصابة الهدف رمياً بالحذاء، نجح رجل في مارس (آذار) 2018، بإصابة رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف في صدره، أثناء زيارته مدينة لاهور شرق البلاد.

بيض وطحين وصفع

غير أن الأحذية ليست الشيء الوحيد الذي رُشق به السياسيون. فبعضهم رُشق بالبيض، كما حصل مع المستشار الألماني هيلموت كول عام 1991 أثناء جولة له في شرق البلاد، ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون خلال حملته الانتخابية عام 2019، وكذلك السيناتور الأسترالي فرايزر مانينغ الذي كسر المراهق ويليام كونولي بيضة على رأسه عام 2019 بسبب تصريحاته المسيئة للإسلام.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتعرض للرشق بالبيض عامي 2017 و2021 فقط، بل تعرّض أيضاً لصفعة على وجهه من قبل شاب خلال زيارة إلى جنوب فرنسا. أما سلفه فرانسوا هولاند فكان تعرّض لهجوم بالطحين عام 2012.

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لم ينجُ أيضاً من رشقات معارضيه، وجاءت إحداها عام 2004 أثناء جلسة استجواب في مجلس العموم، حين ألقى عليه رجل مسحوقاً بنفسجي اللون.

أما إحدى أسوأ الرشقات، فكانت من نصيب رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني، الذي ضُرب عام 2009 بمجسّم معدني لكاتدرائية ميلانو، ما تسبّب له بجرح ونزيف.

احتجاج... ولكن!

قد يبرّر البعض هذه الأفعال انطلاقاً من حرية التعبير والاحتجاج، ومشاعر الغضب تجاه السياسيين. وهو أمر قد يعقل النظر فيه إذا ما صدر عن مواطن متألم وجد نفسه عاجزاً عن إيصال صوته. حينها، قد يكون للتبرير عذر يستند إلى المشاعر الإنسانية الانفعالية.

غير أن المقاربة تختلف جذرياً عند صدور أفعال كهذه عن صحافيين، إذ تنم عن فشل مهني وسقطة مدوية لصاحبها. فالصحافة مهنة تقوم على جمع الأخبار والمعلومات بدقة وتحليلها بغية إيصالها للجمهور بكل مصداقية وأمانة، بموضوعية ومن دون تحيز، وفق ما تنص جميع مواثيق شرف الصحافة.

وليس الالتزام بهذه المبادئ من باب الأخلاقيات المهنية فحسب، بل من باب المسؤولية أيضاً، التي تحتمّ على الصحافي إدراك معنى أقواله وأفعاله، وما قد تحمله من تداعيات وما قد تنقله من مُثُل لآلاف الجماهير، فلا تتحول إلى مصدر إساءة له وللمتلقي على حد سواء.

وكما أن إساءة السياسيين للصحافيين مرفوضة حتماً، نفترض أن العكس صحيح أيضاً. والأمثلة هنا كثيرة، من صفعة الرئيس اللبناني الأسبق الياس الهراوي الشهيرة عام 1988 للصحافي حسن صبرا، إلى مهاجمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب المستمرة لوسائل الإعلام ومراسليها، وصولاً إلى خلفه جو بايدن الذي نعت الصحافي بيتر دوسي بالـ"غبي ابن عاهرة"، لمجرد طرحه سؤالاً لم يرُق لسيد البيت الأبيض. وإذا كنا نطالب المسؤولين والسياسيين باحترام الصحافيين، فعلى هؤلاء أيضاً التزام حد أدنى من المعايير الأخلاقية أثناء ممارسة عملهم.

في المحصّلة، إن كان الصحافي نفسه، حارس الحريات و"وكيلها"، عاجزاً عن قبول الاختلاف، فمن عساه يقبله؟ وإن كان الصحافي نفسه عاجزاً عن القيام بمهامه بتجرد، فبأي حق يعتلي المنابر العامة ليحاور ويسأل ويُسائِل؟ وإن كنا نقلّد الصحافة وسم المهنة السامية للدور الذي تلعبه في تنوير المجتمعات وتنميتها، فكيف لنا أن نقبل استبدال القلم والعقل واللسان بالحذاء؟