Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا وراء التهديد بطرد رئيس البعثة الأممية من الخرطوم؟

تقرير "يونيتامس" أمام مجلس الأمن حول الملف الحقوقي أشعل "هواجس العسكر" والحكومة تحدد "مؤشرات المستقبل"

اتُهم تقرير البعثة الأممية إلى السودان بعدم الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف السياسية (اندبندنت عربية - حسن حامد)

فتحت تهديدات رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق الركن عبدالفتاح البرهان بطرد رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي بالسودان (يونيتامس) فولكر بيرتس جدلاً واسعاً حول حيادية البعثة، بينما رأى آخرون أن التهديدات لم تكن مفاجئة في ظل هواجس العسكريين المتنامية منذ فترة طويلة تجاه الوجود الأممي في البلاد، وعدم رضاهم عن أداء وتحركات بيرتس منذ البداية.

وثيقة وإجراءات

في هذه الأجواء المشوبة بالتوجس والشكوك، اتهم تقرير البعثة أمام مجلس الأمن نهاية مارس (آذار) الماضي بعدم الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف السياسية بما فيها الجيش، وتجاهل المؤشرات الإيجابية الداخلية على الأرض مما أوجد سبباً مباشراً لتحذيرات وتهديدات البرهان بطرد رئيس البعثة الأممية، وانعكس موقف رئيس مجلس السيادة الانتقالي على المستوى الإجرائي في قرار من حكومة السودان تقديم وثيقة متكاملة للأمم المتحدة وبعثتها في الخرطوم، تتضمن برامج ومقترحات ورؤى حول كيفية التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، بما يتطابق مع المهمات التي كلفت بها البعثة.

وقالت وزارة الخارجية السودانية إن الحكومة شرعت على الفور في اتخاذ سلسلة من الإجراءات التي من شأنها إعادة توجيه عمل بعثة "يونيتامس" بحيث تلتفت إلى الجوانب الأخرى الأساس في تفويضها، مثل دعم "اتفاق جوبا" للسلام ودعم تنفيذ البرتوكولات الأخرى الملحقة بالاتفاق، وحشد الموارد اللازمة للتحضير للانتخابات بدلاً من تركيز كل نشاط البعثة على الجانب السياسي فقط.

وذكرت الوزارة في بيان لها أن لجنة عليا متخصصة تعكف الآن على إعداد خطة متكاملة لمطالب حكومة السودان من البعثة الأممية وفقاً لأولويات الحكومة في ما يختص بدعم الانتقال وصولاً إلى إجراء الانتخابات، وسيتم تسليمها للأمم المتحدة في القريب العاجل، بخاصة أن البعثة تم نشرها بطلب من حكومة السودان.

اللقاء العاجل

وبعد ساعات قليلة من تهديد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بطرد رئيس البعثة فولكر بيرتس على خلفية تقريرها أمام مجلس الأمن الدولي، جمع الطرفين لقاء عاجل تضاربت المعلومات في شأن مخرجاته وما دار فيه من نقاش وتداول، ففي حين أكد المتحدث الرسمي باسم البعثة الأممية أن بيرتس ناقش مع البرهان سبل الخروج من الأزمة السياسية وتحقيق الانتقال الديمقراطي وتهيئة البيئة المواتية للعملية السياسية التي تضطلع كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و"الإيقاد" بتسييرها، بثت وسائل الإعلام المحلية عن مجلس السيادة السوداني ما يشير إلى تأكيد  بيرتس استعداده لمراجعة أية معلومة غير دقيقة قد تكون وردت في تقرير البعثة.

وفي السياق، لم يستبعد أستاذ العلوم السياسية على الأمين بابكر أن يكون تهديد البرهان بطرد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة وما تلاه من إجراءات مقدمة فعلية للترتيب لمثل هذا الإجراء مستقبلاً، بالنظر إلى حملة التعبئة ضد البعثة التي رافقت ذلك.

وأشار إلى أن الخطوة تعبر بشكل أو آخر عن انزعاج المكون العسكري من المواقف المبدئية للبعثة ورئيسها في شأن الحريات والتحول الديمقراطي والعملية السياسية برمتها، مبيناً أن الأمم المتحدة تمثل المرجعية في العلاقات الدولية التي تقوم على الحرية والديمقراطية والسلام واحترام حقوق الإنسان، وكل من يمثلها لن يستطع الحياد عن تلك المبادئ والقيم، فكلها تناهض الشمولية والتسلط والقهر واستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين.

تجديد الاتهام

من جانبه، اتهم رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل تقرير البعثة الأممية بالانحياز وعدم التوازن وتسميم الأجواء مع الجيش وتعقيد مهمة الاتحاد الأفريقي وعدم الإشارة إلى الأسباب التي قادت السودان إلى الوضع المتأزم الحالي، بخاصة في ما يتعلق بفشل قوى الحرية والتغيير (قحت) وانقساماتها وصراعاتها التي تسببت في تعطيل كل إصلاحات الفترة الانتقالية، وتشبثها بالسلطة الانتقالية كاملة بعيداً من أسس وشروط الحكم الانتقالي أو التفويض الانتخابي.

رئيس حزب الأمة أشار إلى أن بقاء أو إبعاد رئيس بعثة "يونيتامس" بات مرتبطاً بمدى التزامه العمل خلف الاتحاد الأفريقي والابتعاد من الانحياز والتحول نحو الحياد، ولم يستبعد أن يطلب رئيس مجلس السيادة الانتقالي من الأمين العام استبداله، كما توقع أيضاً أن يأتي اللقاء اللاحق لسفراء المجموعة الأوربية (ترويكا) مع البرهان في سياق وساطة للحيلولة دون المضي قدماً في تهديده مقابل أن يلتزم الأخير الحياد.

الفاضل دعا القوى السياسية إلى التوافق والعمل المشترك مع الوساطة الثلاثية لإعادة ترتيب المسار الانتقالي والتوافق على ترتيبات دستورية وبرنامج انتقالي واقعي، والتأكيد أن الفترة الانتقالية ليست للصراع على السلطة وإنما جسر للعبور إلى انتخابات حرة تفضي إلى قيام برلمان منتخب وحكومة ديمقراطية.

في السياق ذاته، كتب وزير العدل السابق في حكومة عبدالله حمدوك نصر الدين عبد البارئ في تغريدة عبر "تويتر"، "إن الحكومة الحالية تسير على خطى النظام السابق في معاداة الأمم المتحدة والانزعاج المتصاعد من قيامها بمهماتها وهذا من أقوى البراهين على عودة النظام السابق الذي عزل البلاد عن العالم بدورانه في المحاور الإقليمية بلا جدوى".

من جانبه، عزا أمين العلاقات الخارجية بحزب المؤتمر السوداني فؤاد عثمان التهديد بطرد بيرتس إلى انزعاج وتخوف العسكريين وحاضنتهم السياسية، كون تقرير البعثة الأممية جاء بما يعزز ويتطابق مع إرادة وتصميم الشعب السوداني على إسقاط انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما حوله إلى مصدر رعب وخوف بالنسبة إليهم، مشيراً إلى أن من سيسقط الانقلابات والديكتاتوريات كان دائماً هو الشعب السوداني بكل فئاته وليس غيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عودة العزلة

أمين العلاقات الخارجي بحزب المؤتمر أشار إلى أن تشدد العسكريين في التعامل مع البعثة الأممية من شأنه أن يدخلهم في مواجهة صريحة مع المجتمع الدولي، مما سيؤدي إلى مزيد من العزلة وعودة السودان لمربع العقوبات والانتكاس في علاقاته الخارجية، بعد أن كان قد بدأ يستعيد وضعه الطبيعي وعلاقاته مع الإقليم وبقية العالم إبان حكومة الفترة الانتقالية قبل انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

وأشاد عثمان بموقف البعثة وتأكيدها أنها غير محايدة في ملف حقوق الإنسان وألا تراجع عن ذلك، مشيراً إلى أن قوى الحرية والتغيير أشادت بالتقرير الأممي الأخير للبعثة وما تضمنه من حقائق عن الأوضاع في سودان ما بعد الانقلاب، وهو ما أزعج وأرهب الانقلابيين، على حد وصفه.

في المقابل، قلل المحلل السياسي مرتضى موسى بشير من احتمال تطور الجدل والمواقف الحالية إلى مواجهة قد تنتهي بطرد ممثل الأمم المتحدة فعلاً، معتبراً أن تهديدات البرهان كانت بمثابة لفت نظر بطريقة لا تخلو من الحدة والخشونة السياسية والدبلوماسية.

كذلك اعتبر بشير أن اللقاء السريع بين البرهان وفولكر هدف إلى طي هذه الصفحة بعودة الأوضاع لطبيعتها من حيث التزام كليهما العملية السياسية التي تفضي إلى استكمال التحول الديمقراطي في البلاد وفق المبادرة الأممية وتفويض البعثة في ذلك الخصوص.

المحلل السياسي توقع كذلك أن يُسرع التوتر الحالي خطوات المرحلة المقبلة من المبادرة تفادياً للمحاذير والتداعيات والتعقيدات الاقتصادية والسياسية والأمنية، نتيجة تأخر الوصول إلى حلول للأزمة السياسية المستفحلة التي تطاول أمدها وأفرزت أزمات أخرى جديدة تهدد البلاد.

ترحيب وإشادة

وكان المكتب التنفيذي لقوى إعلان الحرية والتغيير رحب بما ورد في تقرير البعثة الأممية من إجراءات لخلق بيئة مواتية، بخاصة إلغاء حال الطوارئ وإطلاق المعتقلين ووقف العنف ضد المتظاهرين السلميين. وقال المكتب في بيان له، "لا يمكن الحديث عن عملية سياسية تحقق الحكم المدني الديمقراطي من دون تهيئة المناخ المناسب وتحقيق إجراءات بناء الثقة، وعلى رأسها الإفراج عن جميع المعتقلين ورفع حال الطوارئ ووقف العنف ضد الحركة الجماهيرية".

البيان أشاد بالموقف الواضح للأمين العام للأمم المتحدة من انقلاب "25 أكتوبر" وضرورة إعادة الحكم المدني الديمقراطي والإدانة الصريحة لانتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما جرائم القتل والاغتصاب والاعتقالات وغيرها من الانتهاكات، مجدداً الدعم للعملية السياسية التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة بمشاركة الاتحاد الأفريقي.

وعلى صعيد متصل، أعلنت مجموعة دول ترويكا (الولايات المتحدة والنرويج وبريطانيا) دعمها القوي لتسهيل مجهودات عملية الحوار السياسي بين السودانيين تحت رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة "الإيقاد"، والمتوقع أن يؤدي إلى قيام حكومة انتقالية ومدنية مقبولة.

وأوضحت القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى السودان السفيرة لوسي تمالين في تصريح صحافي عقب لقاء سفراء المجموعة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، أن الاجتماع كان صريحاً وبناء.

وأوضح نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالخرطوم دانيال وايس عقب لقائه عضو مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار أنه تم الاتفاق على تعزيز مبدأ الحوار لتجاوز الأزمة السياسية الراهنة عبر إيجاد بيئة مواتية لها.  

وكان الفريق البرهان ندد في معرض تهديده بطرد بيرتس بما وصفه بـ "تجاوز الرجل تفويض البعثة الأممية وتدخله السافر في الشأن السوداني"، خلال خطابه في حفل تخريج ضباط جدد من الكلية الحربية نهاية الأسبوع الماضي.

وقبل شهرين شهدت الخرطوم مسيرات ومواكب اتهمت بأنها من تنظيم أنصار النظام السابق من الإسلاميين، وصلت إلى مقر البعثة الأممية تطالبها بكف يدها عن التدخل في الشأن السوداني، رافعين شعارات "السودان ليس للبيع"، ومطالبين بطرد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة من السودان فولكر بيرتس.

المزيد من تحلیل