Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطة إنقاذ الاقتصاد التونسي في انتظار "قبلة الحياة"

دعوات لتسريع قرارات الحكومة لإنقاذ البلاد من الضائقة المالية

توالت ردود الفعل بعد إعلان الحكومة التونسية جملة من الإجراءات العاجلة لإنعاش الاقتصاد الوطني، على خلفية الأزمة التي يعانيها منذ سنوات، والتي أدت إلى ضائقة مالية وعجز في الموازنة.

وتعتبر الإجراءات "آنية" في انتظار الانتهاء من وضع استراتيجية كاملة للإصلاح الهيكلي، الذي تنكب الحكومة على إعداده، لانتشال المؤسسات التونسية من الانهيار، واستعادة نشاط ما توقف منها، بواسطة الدعم المالي ودفع التصدير وتطوير القوانين والرقمنة.

مسؤولون وخبراء تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" اختلفت مواقفهم بين مستحسن وداع إلى تسهيل تنفيذ هذه الإجراءات، وبين منتقد لقائمة من التراتيب، التي اعتبرها مجترة بحكم الإعلان عن اعتمادها من قبل حكومات سابقة من دون تنفيذها.

في حين بدا الإجماع حاصلاً حول ضرورة السعي إلى ضمان التنفيذ لهذه القرارات، التي تبقى نوايا في حال عدم تسهيل تطبيقها على أرض الواقع، خصوصاً أنها لا ترقى إلى مرتبة القوانين.

عقد من الركود

ارتكزت الإجراءات الفورية على إنقاذ المؤسسات، التي عانت طوال العقد الماضي من تداعيات الأزمة السياسية والاجتماعية، التي أدت إلى ركود النشاط الاقتصادي، بدءاً بفعل عدم الاستقرار، مروراً بأزمة كورونا، وصولاً إلى تجميد البرلمان في يوليو (تموز) 2021، ثم حله منذ أسبوع من قبل الرئيس قيس سعيد.

وفقاً لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، وهي جهة حكومية، أغلق 13 في المئة من المؤسسات الصغرى والمتوسطة ذات رأس المال الأجنبي أبوابها جراء الأزمة الصحية، وأعلن 46 في المئة من أصحاب المؤسسات التونسية أنهم يواجهون صعوبات. وذكر 39 في المئة منهم أنهم يعانون من نقص في التمويل وصعوبات في التزود بالمواد الأولية بنسبة 50 في المئة ونقص في الطلب بنسبة 48 في المئة.

كما تراجعت الاستثمارات الخارجية الوافدة على تونس عام 2021 بنسبة 0.5 بالمئة لتبلغ 1.876 مليار دينار (627.4 مليون دولار)، مقابل 1.885 مليار دينار (630.4 مليون دولار) خلال 2020. وسجل الاستثمار الخارجي المباشر، خلال عام 2021، ارتفاعاً بنسبة 0.6 في المئة مقارنة بعام 2020، وتراجعاً بنسبة 25.6 في المئة و32.7 في المئة مقارنة بعامي 2018 و2019. بينما لم تتجاوز نسبة الاستثمار في المجمل 13 في المئة.

اتساع العجز الجاري

مجلس إدارة البنك المركزي التونسي كشف منذ أيام عن اتساع العجز الجاري إلى 1.06 مليار دينار (354 مليون دولار) خلال الشهرين الأولين من عام 2022 مقابل 878 مليون دينار (293 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، وتقلص احتياطي العملة الأجنبية إلى 22.6 مليار دينار (7.55 مليار دولار) يوم 4 أبريل (نيسان)، متيحاً تغطية 124 يوم توريد فقط.

واتسع العجز الجاري لتونس، خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2022، على الرغم من الأداء الجيد لمداخيل الشغل. وذكر مجلس إدارة البنك المركزي أن مستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية لتونس بلغ بتاريخ 29 مارس (آذار) 2022 ما قيمته 22.7 مليار دينار (7.59 مليار دولار)، أي ما يعادل 124 يوماً من التوريد مقابل 23.3 مليار دينار (7.79 مليار دولار)، ما يساوي 133 يوماً من التوريد عام 2021.

بينما سجلت انتعاشة نسبية للنشاط الاقتصادي، وبلغت نسبة النمو 3.1 في المئة عام 2021. بعد أن كانت التوقعات في حدود 2.9 في المئة. وأرجع المركزي التونسي هذا التطور على مستوى النمو إلى "انتعاشة نشاط الخدمات المسوقة والأداء الجيد للقطاعين المعملي وغير المعملي".

وانعكس العجز المسجل على نسبة التضخم، التي بلغت 6.7 في المئة، وفق المعهد الوطني للإحصاء (حكومي). الأمر الذي أثر بالسلب في المقدرة الشرائية ونسب الفقر، حيث توقع البنك الدولي أن يرتفع عدد الذين يقفون على حافة السقوط في براثن الفقر إلى 20.1 في المئة، بينما بلغت نسبة البطالة 18 في المئة.

الأمر الذي أدى إلى تدحرج التصنيف الائتماني لتونس إلى CCC من قبل وكالة فيتش رايتنغ وCaa1 مع آفاق سلبية من قبل وكالة موديز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الإنعاش القديم المتجدد

أعلنت الحكومة التونسية، هذا الأسبوع، عن حوالي 50 إجراء، بهدف إنعاش الاقتصاد. من أهمها دعم السيولة للمؤسسات المالية، وتيسير النفاذ إلى التمويل من أجل المحافظة على النشاط والتشغيل، بالتوازي مع خلق خطوط تمويل لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والعمل على إعادة تنشيط الاستثمار عبر اعتماد إجراءات استثنائية للتسريع في إنجاز المشاريع الحكومية المعطلة، وتنشيط الاستثمار الخاص، خصوصاً بالنسبة للمؤسسات الجديدة ومشاريع القطاع الفلاحي والطاقات المتجددة. وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورقمنة الخدمات، والسعي إلى تحسين خدمات النقل البحري، إضافة إلى تسهيل الإطار القانوني للأعمال بتطوير النصوص القانونية، وتبسيط الإجراءات لدفع التصدير.

وتسعى تونس من خلال هذه الخطوة إلى استعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين داخلياً والمانحين في الخارج، وحماية النسيج المؤسساتي بما يسهم في استرجاع النشاط الاقتصادي، عبر تحريك الاستثمار العمومي والخاص والعمل من أجل الرفع في مستوى النمو بصفة تدريجية.

يشار إلى أن الحكومة التونسية السابقة قدمت بدورها قانون إنعاش للاقتصاد وتسوية مخالفات الصرف، وصادق عليه البرلمان التونسي المنحل في يوليو (تموز) 2021، لكنه قوبل برفض من قبل البنك المركزي التونسي، بسبب تضمّنه إجراءات تؤدّي إلى عرقلة قيادة السياسة النقدية وإشكاليات تطبيقية من شأنها أن تعيق حسن تنفيذه وفق مؤسسة الإصدار.

أهمية التفعيل السريع

عضو المكتب التنفيذي لكونفيدرالية المؤسسات التونسية "كوناكت"، أصلان بن رجب، رحب بالخطوات المتخذة لتنشيط الاقتصاد، واعتبر أنها تهدف أساساً إلى إرجاع الثقة إلى الفاعلين الاقتصاديين، خصوصاً في ظل الصعوبات المالية للشركات الصغرى والمتوسطة وتراجع الاستثمار وارتفاع نسبة البطالة، والأزمة الاقتصادية عموماً التي تشهدها البلاد.

وقال بن رجب إنه على الرغم من أن "إجراءات المحاور الأربعة المتعلّقة بـدعم سيولة المؤسسات وسنّ إجراءات لتنشيط الاستثمار وتسهيل الإطار القانوني لمناخ الأعمال وتبسيط بعض الإجراءات لدفع التصدير مهمّة لتنشيط الاقتصاد على المدى القصير والمتوسط، إلاّ أن القرارات العاجلة تبقى أوليّة لإحداث ديناميكيّة في النشاط الاقتصادي، ويبقى الأهم المنتظر هو الإصلاحات الهيكليّة العميقة للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية".

وعاد بن رجب ليتحدث عن نسق تجسيد هذه الخطوات المهمة، ومدى السرعة في تطبيقها، في ظل الوضع الملح، داعياً إلى التفعيل السريع لهذه القرارات، وذلك بإصدار النصوص التطبيقيّة في أقرب وقت ممكن لقانون التمويل التشاركي وقانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وقانون المبادر الذاتي.

كما حث على أهمية رفع العراقيل التي رأى أنها تكبّل قطاع الطاقات المتجددة، والتي ورد في نص الإجراءات العاجلة التشجيع على تسهيلها. إلى جانب وضع الآليات العاجلة التي تمكن من رفع مردودية النقل واللوجستيك. والعمل على تحسين القدرة التنافسية للنسيج الصناعي لتمكينه من خلق الثروة والارتفاع بمستوى النمو إلى المعدلات المطلوبة.

غياب المنهجية

أما المتخصص الاقتصادي أنيس وهابي فاعتبر أن الإجراءات المتخذة تبقى سجينة النوايا والأفكار في حال عدم وضع منهجية خاصة بها لتطبيقها على أرض الواقع، الأمر الذي لم يحصل في السابق، حيث تمت المصادقة منذ أقل من سنة على قانون الإنعاش الاقتصادي، لكنه اصطدم بعوائق عند تطبيقه، ولم يتم وضع التسهيلات اللازمة.

ويرى وهابي، أن "النقاط المضمنة في الوثيقة الراهنة أتت في شكل أفكار ونوايا أكثر منها إجراءات عملية، وهي النقاط نفسها التي تكررت من حكومة إلى أخرى بهدف الإصلاح، وهي تبقى مقترحات لا تتضمن مشروعاً متكاملاً للإصلاح بل مجرد شتات أفكار.

وخص وهابي بالذكر بعض النقاط، ومنها حذف الرخص الخاصة بعدة أنشطة، وقال إنها وردت بقانون الإنعاش الاقتصادي الذي أنجزته الحكومة السابقة وصادق عليه البرلمان المنحل. فيما لا تستحق بعض الإصلاحات وضع إجراءات خاصة بقدر ما تحتم جدية العمل واستعادة النظام وتبسيط الخدمات. مثلما تعلق بتحسين الخدمات بميناء رادس، الذي تعطله الفوضى والتراتيب الإدارية المعقدة وقلة النظام.

المتخصص الاقتصادي شدد على أن الإنعاش في تونس لا يحتاج إلى قوانين وتراتيب خاصة، بل العودة إلى العمل بالنسق المعتاد والتخفيف من الإجراءات. فوضع خطوط تمويل لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة هو أمر إيجابي للغاية، لكن بشروط وأولها تبسيط إجراءات التمويل عند التجسيد كأن يتم تمريره عن طريق البنوك الخاصة لهذه المؤسسات مثلاً. فالإصلاح الذي تحتاجه تونس ليستعيد الاقتصاد نشاطه يتعلق بالأساس بمنهجية عمل جديدة تتجاوز التراتيب المعقدة المعطلة للنشاط.