الشاعر المثالي خليل حاوي وسم يونيو الهزائم... بانتحاره

صاحب "نهر الرماد" عاش صراعا فلسفيا مأسويا

الشاعر خليل حاوي (يوتيوب)

بينما تتهاوى نظم فكريّة، في عالمنا العربي، ونعود القهقرى أجيالاً عديدة، وتستنقع أحوال الفرد والجماعة وسط فساد عميم، نستذكر الشاعر خليل حاوي، في شهر يونيو(حزيران)، شهر الهزائم (من 1967 الى اجتياح بيروت 1982) بعد غياب سبع وثلاثين سنة، انتحارًا (1982) في أندر ظاهرة شعرية شهدها الثلث الأخير من القرن العشرين.

وُلد خليل حاوي عام 1919 من والدين فقيرين، في قرية "الهوّية" بجبل الدروز، في خلال عمل الوالد بالبناء هنالك. وأرسل، في طفولته، إلى مدرسة ملكة ومرتا الإنجيلية البروتستانتية، في قرية الشوير. ومن ثمّ نقله والداه إلى مدرسة اليسوعيين، حيث تشرّب التعاليم الدينية فحفرت عميقاً في نفسه، وزادها تأثيراً موت إخوته الأربعة الذين ولدوا بعده بمرض غريب. وما لبث والده أن مرض ولزم الفراش، فقام خليل الفتى، ذو الحادية عشرة بأود العائلة، فزاول أعمالاً يدوية عديدة، إلى البناء وهي مهنة الوالد، من دون أن يتوقف عن القراءة والتثقف باللغتين الفرنسية والإنكليزية. ظلّ على حاله من البؤس إلى أن استعان به الجيش البريطاني مترجماً في ضواحي بيروت، سنوات عديدة، إلى أن توافرت لديه الإمكانات المادية ليعاود تعليمه من العام 1946، فنال الشهادة الثانوية في سنة واحدة، ودخل إلى الجامعة الأميركية في بيروت حيث نال شهادة البكالوريوس في الفلسفة، ومن ثم نال الماجستير بناء على رسالة بعنوان "العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد "وأرسل بعدئذ إلى جامعة أوكسفورد لنيل شهادة الدكتوراه في الفكر الحضاري بعنوان "جبران خليل جبران، إطاره الحضاري، وشخصيته، وآثاره.

بيد أنّ ذلك كلّه، عنيتُ المحطات المعلومة التي أوردناها عن لسان أخيه إيليا حاوي في كتاب له عن سيرة الشاعر، لا يسعه التعريف بكينونته ولا بمشاغله التي ملأت واصطرعت في روحه ووجّهت حياته الوجهات الخليقة بفرد ذي أنفة عالية، وذاتية تأبى الانصياع، وإحساسٍ نفّاذ في الحوادث والعالم والزمن، والتزام صارم بالمثُل والمبادئ حتى على حساب مصلحته وحياته. حتى ليصحّ القول عليه إنه من فئة الشعراء الذين يسبق تكوينُهم شعرَهم. بل هو أقرب ما يكون إلى الشعراء الفرسان منه إلى شعراء المنابر والصالونات الأدبية التي كان يتوالى افتتاحها في بيروت الخمسينيات إلى جانب صالات لعرض الرسوم والمنحوتات وغيرها. انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي برئاسة جورج عبد المسيح، وما لبث أن غادره على خلاف عقائدي وشعور غامر بالضيق من سطوة الحزب على ذاته، قائلاً: "للحزب الأعمار كلّها، أمّ أنا فلي عمرٌ واحد". وسرعان ما يمّم شطرَ العروبة أواسط الخمسينيات، وأنشد قصيدة مدوّية في ذم العدوان الثلاثي (إنكلترا، وفرنسا، وإسرائيل) على مصر عبد الناصر، غداة تأميم قناة السويس.

الشاعر التموزي

ولكن رُبّ سائل: ما الذي يميّز الشاعر خليل حاوي من غيره من الشعراء التموزيين الذين رأوا لزوماً الإفادة من التراث الرمزي لشعوب الهلال الخصيب، أمثال: يوسف الخال، وأدونيس، وجبرا إبراهيم جبرا، وبدر شاكر السياب؟ للإجابة أقول إنّ الثقافة الأكاديمية المعمّقة التي حصّلها خليل حاوي، في خلال إعداده أطروحة الدكتوراه في كيمبردج واطلاعه على الفلسفات الغربية والنتاج الشعري الغربي، ولا سيما ت. س. إيليوت ذا النزعة الجمالية والانتقائية العالية، وارتوائه من معين التراث الشعري القديم (أساطير شعوب بلاد ما بين النهرين وطقوسها) وإن مترجماً إلى الإنجليزية، جعلته أكثر هؤلاء الشعراء اعتناء بغربلة عباراته وكلماته وصوره الشعرية، أشدّهم سعياً إلى ترشيق تراكيبه وتحديثها، بدليل الفوارق الكبيرة التي يجدها القارئ بين طبعة مجموعته "نهر الرماد" الأولى (1961) وبين طبعتها الثانية عام(1972). ولئن اتّصف نتاج خليل حاوي الشعري بضآلته واقتصاره على خمس مجموعات شعرية (نهر الرماد، الناي والريح، بيادر الجوع، الرعد الجريح، وجحيم الكوميديا) دون غيرها، فإنّ نقاطًا عديدة يمكن تبيّنها بالمقارنة بينه وبين سائر الشعراء التموزيين:

أولاً – اعتبار الشاعر الصراع الفكري والأخلاقي الذي تمثّله لدى الفلاسفة العرب والأجانب (ابن رشد، ميلتون، هوبس، فريزر، المتصوفة...) مسألة شخصية جداً، تمسّه هو بالذات، سواء أكان مقيمًا في كيمبردج غصباً عنه لإتمام أطروحته، أو كان ساكناً في أحد شوارع الحمراء، إلى جانب الجامعة الأميركية، تعينه أمه على تدبّر أحواله. ولما كانت نظرته كذلك، فقد كان بديهياً أن يلتزم موقفاً سياسياً من العدو الإسرائيلي الذي اقتحم العاصمة بيروت وتصدّى له أبناؤها، بأن مضى إلى أقصى ما تتيحه ذاته الملتزمة فكراً وقولاً بالتنوير، عنيتُ الانتحار رفضاً لهذا الإذلال غير المسبوق لشعب وأمة ذات حضارة واقتدار.

ثانياً – اعتبار الشاعر التراث الرمزي، المستمدّ من مراجع غربية وأخرى شرقية، على النحو المذكور، معطى لا يحمل في ذاته معنى، وبالتالي ينبغي للشاعر أن يسكبه في تجربته وفي رؤاه وواقعه ويهبه مكانًا ودوراً أي دلالة فريدة وفياضة في إضاءاتها كلّما استعادتها القراءة المتأنية. وهذا الأمر يصدق أيضاً على الصور الشعرية المفردة التي يستحضرها من صميم استبطانه نوازع ذاته الواعية واللاواعية:

 ("في جسدي المغلول بالصّقيعْ/صفّى عروقي من دمٍ /محتقنٍ بالغازِ والسمومْ").

"هاتِ خبّرْ عنْ كنوزٍ سَمَّرَتْ

عينيكَ في الغيبِ العميقْ

قابعٌ في مطرحي من ألفِ ألفٍ

قابعٌ في ضفّة "الكنجِ" العريقْ" (البحار والدرويش)

"عمّقِ الحفرةَ يا حفّار

عمّقها لقاعٍ لا قرارْ

يرتمي خلفَ مدار الشّمسِ

ليلاً من رمادٍ

وبقايا نجمةٍ مدفونة خلفَ المدارْ" (لعازر عام 1962)

ثالثاً- يقين الشاعر العميق والثابت، على امتداد مدوّنته الشعرية، بالتشاؤم من الشرق والإنسان الشرقي بل من الحضارة الغربية برمّتها، والانتهاء إلى إعلان اليأس العارم من البشرية التي لن تشفيها الطقوس ("جسدُ اللعينةِ لن يطهّره العمادْ/ (وزّعتُ من جسدي، دمي/خمرًا وزادْ)، أيشقّ عن كبدي لينهشه الغرابْ/كادت تمزّقني الكلابْ...")، ولن تقيها من التشوّه العام، في رؤيا تعادل بجحيميّتها الأرض اليباب للشاعر ت. س. إيليوت. وهذا اليقين برؤيا أو نظرة شاملة إلى الوجود ما لا نجده لدى الشعراء التموزيين إلا في منتصف تجاربهم الشعرية، ما عدا الشاعر يوسف الخال ذا النزعة التطهرية البروتستانتية والمتفائلة نوعاً ما، من بدء تجربته الشعرية نهاية الأربعينيات.

رابعاً – إتقان الشاعر حاوي صناعة شعره، ولا سيما عمارته الشعرية، في مقابل التجريبية المطّردة لدى غالبية الشعراء التموزيين (من الشعر التقليدي، إلى قصيدة التفعيلة، فإلى الشعر الحرّ، وانتهاء إلى قصيدة النثر). ثم تفرّده ببنيان النشيد الشعري –لا القصيدة ذات القوام المعروف-المكوّن من مشاهد شعرية منسجمة ومتناسقة فيما بينها، من حيث موضوعها، ومتمايزة من حيث إيقاعاتها والبحور الشعرية التي نُظمت عليها.

وبعد، هل يعقل أنّ شاعرًا لبنانيًا عربيًا بحجم خليل حاوي، لم تخصّص باسمه قاعة واحدة من جامعة علّم فيها؟ ولا رُصد باسمه مركز للتنوير أو للبحث في شؤون الأدب والفنّ والفكر؟ ولا ابتعثت على اسمه الرمزي البعثات العلمية إلى الخارج من أجل إعانة هذا الشرق على الخروج من "كهوفه ومستنقعاته إلى الشرق الجديد؟!

المزيد من ثقافة