Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأميركي وليام بيري يتأمل العالم أمام الهاوية النووية

الاسلحة الفتاكة تعرض أمن البلدان نفسها للخطر والإنسان سيتنصر في النهاية

لوحة للرسام روبرتو ماتا تجسد الخراب (صفحة الرسام على فيسبوك)

في غمرة التلويح باستخدام الأسلحة النووية في الحرب الروسية - الأوكرانية الذي تمثل في وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوات الردع النووي في حال تأهب، وفي ورود تقارير استخبارية عن إمكان استعمال الروس أسلحة نووية تكتيكية ضد أهداف في أوكرانيا، مع ما يترتب على ذلك من قلق وذعر على المستوى العالمي، تصبح العودة لكتاب وزير الدفاع الأميركي وليام بيري في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون من الأهمية بمكان.

 الكتاب هو "رحلتي على شفا الهاوية النووية"، الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ضمن سلسلة عالم المعرفة بترجمة مالك عساف، ويندرج في إطار الجهود التي كان يبذلها وليام جيه بيري لإبقاء العالم بمنأى عن الكارثة النووية، وهو وزير الدفاع الـ 19 للولايات المتحدة الأميركية خلال الفترة الممتدة من فبراير (شباط) 1994 إلى يناير (كانون الثاني) 1994. والهدف من الكتاب، على حد تحديد صاحبه، "توعية الناس بالأخطار الجسيمة التي نواجهها، والتشجيع على اتخاذ الإجراءات التي من شأنها التقليل كثيراً من تلك الأخطار" (ص 19).

ولعل ما يضاعف من أهمية الكتاب إضافة إلى توقيت وضعه، هو صدوره عن شخصية مهمة أتاحت لها مسيرتها المهنية الطويلة وتقلبها في مواقع قيادية شتى وتنكبها العديد من المهمات الخطرة، الاطلاع على كثير من المعلومات السرية ومعايشة كثير من الأحداث التاريخية والخروج منها بنتائج مفيدة، لعل أهمها هو "أن الأسلحة النووية تعرض أمن الولايات المتحدة للخطر أكثر مما تعززه"، وهو يصف الكتاب بالقول إنه "مذكرات انتقائية عن رحلة حياتي في العصر النووي، وعن دوري في محاولة تشكيل هذا العصر واحتوائه، وأيضاً عن كيفية تغير طريقة تفكيري حيال التهديد الذي تشكله هذه الأسلحة اليوم" (ص 23).

 محطات الرحلة

انطلاقاً من هذا التوصيف يتناول المؤلف محطات رحلته المختلفة على شفا الهاوية النووية، بدءاً من ذلك الأحد المشؤوم من العام 1941، انتهاء بالافتتاحيات الخمس التي كتبها بالاشتراك مع جورج شولتز وهنري كيسنغر وسام نان، وجرى نشرها في صحيفة "وول ستريت جورنال" بين عامي 2007 و2013، وما تلاها من زيارات حول العالم للتوعية حول الأخطار النووية وشرح الخطوات اللازمة للحد منها، ومروراً بما بين البداية والنهاية من محطات مهمة، لا سيما أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

ينطلق بيري في رحلته من كونه أميركياً ومن وجود خطر نووي يتربص بالولايات المتحدة الأميركية يتمثل في الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا الحالية، ومن هذا المنطلق يسعى مع آخرين إلى مواجهة هذا الخطر بكل الوسائل المتاحة، العسكرية والسياسية والتكنولوجية والدبلوماسية، وهو يفعل ذلك من خلال المواقع المختلفة التي يتدرج فيها من ضابط في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية إلى مدير مختبرات الدفاع في سلفانيا إلى مؤسس شركة تعنى بجمع المعلومات الاستخبارية خلال الحرب الباردة إلى وكيل وزارة الدفاع إلى نائب الوزير فالوزير، وقد تراوحت المهمات التي قام بها بين تحليل البيانات وصور طائرات الاستطلاع والأقمار الاصطناعية والرادارات واعتراض إشارات الصواريخ الباليستية ورسم استراتيجيات المواجهة وأدواتها والمشاركة في تأسيس أنظمة الاستطلاع والتجسس والاعتراض والانخراط في ديبلوماسية المسار الثاني غير الرسمية وغيرها، والملاحظ أن موقفه من المسألة النووية يتطور من المواجهة السلبية في بدايات الرحلة المتمثلة في إرساء توازن الرعب بين القوتين العظميين إلى المواجهة الإيجابية في نهاياتها المتمثلة في المطالبة باتخاذ الإجراءات الآيلة للتخلص من الأسلحة النووية.

 لحظات حرجة

خلال رحلته "على شفا الهاوية النووية" يعيش بيري لحظات حرجة تشارف فيها الأزمة على الانفجار، ويشهد على لحظات أمل تفتح الأفق على الانفراج، أما الأولى فتبلغ الذروة في الكابوس النووي الذي عاشه من موقع محلل بيانات وصور طوال ثمانية أيام خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وكان يتوقع أن كل يوم منها هو الأخير له على هذه الأرض، إلى أن حال حسن الحظ والإدارة دون اندلاع حرب نووية وشيكة، لكن هذا لم يحل دون اندلاع سباق تسلح نووي بين طرفي الأزمة، ولعل الواقعة الأخطر في تلك اللحظة الحرجة هي ما سيعلمه بيري بعد سنوات من تلك الأزمة، من "أن أحد القادة السوفيات كان ينوي بالفعل إطلاق أحد طوربيداته النووية على المدمرة الأميركية التي كانت تحاول إجباره على الصعود بالغواصة إلى السطح، وما كان ليتراجع لولا أن ضباطاً آخرين كانوا موجودين على متن الغواصة أقنعوه بالعدول عن هذا الأمر" (ص31)، مما كان سيتسبب في حال حصوله في اندلاع حرب نووية لا تبقي ولا تذر.

لحظات أمل

أما لحظات الانفراج فلعل أبرزها يتمثل في اجتماع القمة في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يومي 11 و12 أكتوبر (تشرين الأول) 1986، بين الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ووزير خارجيته جورج شولتز من جهة، والرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف ووزير خارجيته إدوارد شيفرنادزة من جهة ثانية، وهو اجتماع تمخض عن اتفاقات تاريخية في شأن خفيض الأسلحة النووية. وتندرج في هذا السياق عملية تفكيك الأسلحة النووية في ثلاث دول نووية ولدت بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وهي أوكرانيا وكازاخستان وبيلاروس تنفيذاً لتشريع "نان لوغار" القاضي بمساعدة الدول الجديدة في التخلص من الأسلحة النووية السائبة.

ولا تقتصر رحلة بيري على القرن الـ 20 بل تتعداه إلى القرن الحالي، فيرصد فيه لحظات انفراج خلال الفترة الواقعة بين العامين 2007 و2010، وهي فترة "كانت تبعث على التفاؤل نظراً إلى التقدم الكبير الذي تحقق في مجال نزع السلاح النووي، وأيضاً لما اتسمت به تلك الفترة من حماسة حقيقية للمضي قدماً نحو عالم خال من الأسلحة النووية"، على حد تعبيره (ص 320 و321) من جهة، كما يرصد لحظات إحباط خلال الفترة الواقعة بين عامي 2011 و2014، "نظراً إلى تباطؤ وتيرة التقدم خلالها ثم توقفها نهائيا"، ويرى أن "تلك التطورات المحبطة لم تكن سوى مقدمة للتحول الكارثي للأحداث الذي بدأ العام 2014 عندما أرسلت روسيا قواتها إلى أوكرانيا" (ص 321) من جهة ثانية، وتأتي اللحظة الحرجة الراهنة لتعزز هذا الاستنتاج أو الرؤية.

 دروس وعبر

في كتابه الذي يشكل شهادة على العصر النووي، يمارس وليام بيري النقد الذاتي ويستنتج الدروس والعبر، ففي معرض نقده الاستراتيجية المعتمدة في مواجهة التحدي النووي يقول، "عندما أنظر إلى الوراء لأتأمل هذه الاسترتيجية وتلك الأسلحة، أجد أننا أظهرنا سلوكاً شبه بدائي، وأننا تصرفنا بتهور بالغ في ذلك العصر الجديد والمحفوف بالأخطار" (ص 80). وفي معرض الاستنتاج يذكر أن "عملية اتخاذ القرار في حالات الإنذار النووي تنطوي على خلل خطر، فهي تتوقع من الرئيس أن يتخذ هذا القرار المخيف في غضون دقائق وفي ظل سياق هزيل" (ص 107)، وهو استنتاج بناه على على إنذار كاذب بوقوع هجوم نووي تسبب به خطأ بشري في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، "وكان من الممكن أن تندلع حرب نووية كارثية من دون قصد" (ص 106)، ولعل الاستنتاج الأهم الذي يخرج به بعد هذه الرحلة الطويلة ويستبطن نقداً ذاتياً متأخراً، هو أن "الأسلحة النووية تعرض أمن الولايات المتحدة للخطر أكثر مما تعززه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد، إذا كان الكاتب قد صنف الأحداث التي يسردها في كتابه بـ "مذكرات انتقائية" عن رحلة حياته في العصر النووي ودوره في تشكيله واحتوائه وتغير طريقة تفكيره، مما يدفع إلى الاستنتاج أنا إزاء سيرة ذاتية لصاحبه، فإن تمحور هذه المذكرات حول قضية عامة على هذا القدر من الخطورة يجعلها أقرب إلى التاريخ والشهادة على العصر منها إلى السيرة الذاتية، على أن أهمية الكتاب وبمعزل عن التصنيف الأجناسي تبقى في التوعية بخطر الحرب النووية على الحضارة جمعاء، والدعوة إلى ضرورة الحد من الأسلحة النووية وصولاً إلى عالم خال منها، وهو جرس إنذار صادق في لحظة تاريخية حرجة، فهل من سميع؟

وعلى الرغم من حرج اللحظة وخطورتها، أختم هذه القراءة بما ختم به المؤلف نفسه كتابه من كلمات لوليام فوكنر ألقاها خلال تسلمه جائزة نوبل في ديسمبر (كانون الأول) 1950 حين قال، "لم تعد هناك مشكلات للروح. هناك فقط السؤال متى سأتعرض للتفجير"؟ أنا أرفض القبول بنهاية الإنسان. من السهولة بمكان أن نقول إن الإنسان خالد لمجرد أنه سوف يصمد، أي أنه عندما يقرع ناقوس القيامة للمرة الأخيرة وتكون أصداؤه قد تلاشت من آخر صخرة تافهة معلقة وسط سكون الأمواج في مساء يحتضر ويشهد آخر احمرار له في الأفق، حتى في ذلك الوقت سيتبقى هناك صوت واحد آخر لا يزال يتكلم، إنه الصوت الهزيل الذي لا ينضب للإنسان، أنا أرفض قبول هذا. أعتقد أن الإنسان لن يصمد فقط بل سينتصر" (ص 330).

المزيد من كتب