باريس تغازل واشنطن بتأييد إعادة التفاوض على "النووي الإيراني"

مصدر: تناقض موقف طهران بين القبول والرفض يشير إلى أزمة صناعة القرار داخلها 

الرئيس الفرنسي ماكرون يؤيد منع طهران من حيازة أسلحة نووية (أ.ف.ب)

لم تمض ساعات على لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في فرنسا للاحتفاء بالذكرى الـ75 لإنزال "نورماندي"، المعركة التي حسمت انتصار قوات الحلفاء على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية في السادس من يونيو (حزيران) عام 1944، حتى أبدى الرئيس الفرنسي توجها مغايرا للموقف الأوروبي نحو الاتفاق النووي الذي عقدته قوى دولية، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع إيران في يوليو (تموز) 2015.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال ماكرون "إن باريس وواشنطن تريدان منع طهران من حيازة أسلحة نووية، وإن المحادثات الجديدة ينبغي أن تركز على كبح برنامجها للصواريخ الباليستية وقضايا أخرى". وهو ما يعد تطوراً في اللهجة الأوروبية حيال الاتفاق النووي، (أو ما يعرف بخطة العمل المشتركة الشاملة JCPOA)، الذي وقعته الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، قبل أن تعلن إدارة الرئيس ترمب الانسحاب منه تماما في مايو (أيار) 2018، ليقتصر على 4 دول +1.

تغير الموقف الأوروبي

جاءت دعوة الرئيس الفرنسي لإيران بإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي، في الوقت الذي أكدت فيه ألمانيا، كقوى أوروبية كبرى دعمها مرارا، للاتفاق باعتباره مهما لأمن أوروبا، وهو ما أكده وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، منتصف مايو الماضي خلال جلسة مجلس الاتحاد الأوروبي، بقوله "لا أحد يرغب في أن تمتلك إيران قنبلة ذرية". وأشار إلى أن "دول الاتحاد تتمسك بوجهة نظر واحدة فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، وتعتبره مهما للأمن الأوروبي".

لذا فإن ما يبدو من تغير في الموقف الأوروبي يثير الكثير من التساؤلات بشأن مصير الاتفاق ككل في ظل الرفض الإيراني إجراء أي مناقشات بخلاف الاتفاق الحالي، فالمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي قال ردا على دعوة فرنسا إن "الحديث عن قضايا خارج نطاق الاتفاق سيؤدي إلى مزيد من انعدام الثقة بين بقية الأطراف الموقعة عليه".

 

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور محمد كمال لـ"إندبندنت عربية"، "إن ما يتضح من الدعوة الفرنسية أن هناك تحولا في المواقف الأوروبية يرتبط بتحول الموقف الأميركي فيما يتعلق بمسألة الحوار، فواشنطن تصر على عدم وضع شروط مسبقة للحوار مع إيران، في الوقت نفسه لا ترفض إيران الحوار بشكل عام، ومن ثمّ فتغير موقف الطرفين يترتب عليه تغير الموقف الأوروبي، وكل المؤشرات تدل على احتمال الحوار رغم التصريحات المتناقضة من الجانب الإيراني، التي تعكس التنازع حول عملية صنع القرار في طهران بين أطراف مختلفة إذ يتحدث البعض عن التفاوض فيما يُظهر معسكر آخر أكثر تشددا الرفض".

واستبعد كمال "أن يمثل هذا التطور تناقضا في المواقف الأوروبية، لأن الحوار يتضمن عدة قضايا تتجاوز البرنامج النووي، فهناك قضايا إقليمية تتعلق بالإرهاب والصواريخ الباليستية طويلة المدى، ويتوقع أن تتبنى المزيد من الدول الأوروبية قضية الحوار مع إيران، طالما أن الولايات المتحدة تتبنى حواراً غير مشروط".

فشل أداة دعم الأنشطة التجارية

وفي تصعيد مسبق خلال مايو الماضي، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني الانسحاب جزئيا من الاتفاق النووي، موضحا "أن طهران ستخفض التزاماتها بخطة العمل المشتركة الشاملة  (JCPOA)، لكنها لن تنحسب بالكامل". وأوضح "أن إيران ستحتفظ بفائض اليورانيوم المخصب والماء الثقيل، بدلا من بيعه لدول أخرى"، واضعا "مهلة 60 يوماً لتنفيذ مثل هذه الإجراءات ما لم تخفف الدول المتبقية الموقِّعة على الاتفاق، (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا وألمانيا)، القيود المفروضة على قطاعي البنوك والنفط".

وعلى الرغم من أن فرنسا وبقية الأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق أكدت مرارا تمسكها بالاتفاق، لكن كثيراً من الشركات في تلك الدول ألغت اتفاقاتها مع طهران تحت ضغوط مالية من الولايات المتحدة. وطوّرت هذه الدول آلية للالتفاف على العقوبات الأميركية من خلال "أداة دعم الأنشطة التجارية"، التي أُطلِقت في وقت سابق من هذا العام لتسهيل التجارة مع طهران. لكن حتى الآن، واجهت هذه "الأداة" تحديات ناشئة عن العقوبات الأميركية، وبالتالي فشلت في تحقيق التوقعات الإيرانية.

ويقول جون هانا، الزميل البارز لدى مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات في واشنطن، "بقدر ما أبدى الأوروبيون استياءهم من انسحاب ترمب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات، فإنهم كانوا عاجزين عن فعل شيء حيال ذلك، بغض النظر عن مدى جودة الآلية التي اعتمدها البيروقراطيون الأوروبيون للتحايل على العقوبات، كما أن الشركات الأوروبية الكبرى والبنوك وكبار رجال الأعمال ليس لديهم ما يمكنهم من تفاديها، ويرفضون تحمل مخاطر الوقوع في الجانب الخطأ".

استمرار الضغوط الاقتصادية

الأمر الأكثر أهمية هو إعلان الولايات المتحدة أواخر أبريل (نيسان) "أنها لن تمدد إعفاءات العقوبات إلى الدول التي واصلت استيراد النفط الخام الإيراني". ويمثل القرار تصعيداً كبيراً في حملة الضغط القصوى التي قامت بها إدارة ترمب، إذ كانت تستهدف دفع صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، مما أدى إلى إغلاق مصدر إيرادات النظام والعملة الصعبة بالكامل. وسرعان ما أصبح من الواضح أن التهديد حقيقي للغاية، فالشركات اليابانية والكورية الجنوبية توقفت عن الاستيراد على الفور، وحذت الهند وتركيا حذوها. وبحلول أوائل مايو أشارت الأدلة إلى أنه حتى شركات الطاقة الصينية الكبرى أوقفت عمليات الشراء من إيران.

ويرى الدكتور محمد كمال "أنه في ظل غياب الحوار ستزيد واشنطن من الضغوط الاقتصادية فيما لن تستطيع إيران تحمل هذه الضغوط. وبالفعل فرضت الولايات المتحدة الجمعة الماضية، عقوبات استهدفت أضخم مجموعة للبتروكيماويات في إيران، بسبب دعمها المالي للحرس الثوري، الذي صنفته الخارجية الأميركية كمنظمة إرهابية أجنبية في أبريل الماضي".

 ويعد قطاع البتروكيماويات ثاني قطاع بعد النفط من حيث الإيرادات الإيرانية، ولم يكن مشمولا بالعقوبات الأميركية من قبل، في تأكيد جديد على أن الولايات المتحدة ستستمر في فرض عقوبات على طهران.

ويشير كمال إلى "أن مفهوم ترمب للحوار لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق سريع، لكنه يريد إرسال رسالة للناخب الأميركي أنه استطاع إعادة إيران لطاولة التفاوض، وقادر على تحقيق اتفاق أفضل من سلفه السابق باراك أوباما".

المزيد من سياسة