Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حصار ماريوبول تكتيك بوتين للسيطرة على بقية المناطق الأوكرانية

السيطرة على المدينة والمرفأ ستعطي موسكو ممراً يربط بين الحدود الروسية وشبه جزيرة القرم

ما الذي جعل ماريوبول أكثر بؤرة دموية في هذه الحرب المستمرة منذ شهر؟ (أ ب)

الأمر ربما، وكما هي العادة في النزاعات العسكرية، قد يحدد مصير منطقة واحدة شكل الحرب برُمّتها. فخلال الأعوام الثلاثين الماضية ربما يمكنكم التعرف على مدن تم حصارها مثل سراييفو البوسنية، وحلب السورية، واليوم ماريوبول، المدينة والمرفأ على ساحل بحر آزوف في جنوب شرقي أوكرانيا.

تسعون في المئة من هذه المدينة الصناعية ومرفئها التجاري ترزح تحت أنقاض الدمار، بحسب تقارير أوكرانية. ربع سكانها، وربما أكثر من 400 ألف من أبنائها، غادروها، وربما بضعة آلاف منهم قد قضوا في المعارك. اللاجئون من المدينة يصفون مشاهد مروعة، فيما هم يروون كيف خسروا خلال أسبوعين فقط كل مظاهر الحياة والاحتياجات العصرية، من الطعام إلى التيار الكهربائي وشبكة توفير المياه. آخر الأمور الحياتية الضرورية التي فقدوها كانت شبكة الإنترنت التي تشغل هواتفهم النقالة، ما عدا نقطة واحدة تقع على مشارف المدينة، حيث ما زال من الممكن إجراء الاتصالات الهاتفية من هناك.

حجم الكارثة يمكن أن نكتشفه ربما أيضاً عبر ما وصفه الجانب الروسي عملياً بأنه "كارثة إنسانية فظيعة"، حتى ولو كانت موسكو تحمّل [الهجمات] "الإرهابية" التي شنّها الطرف الآخر (أي الأوكرانيون) المسؤولية عما أصاب ماريوبول. الحكومة الأوكرانية رفضت بشكل قاطع عرضاً [روسياً] لاستسلام المدينة، مع تأكيد المسؤولين في ماريوبول نيتهم القتال حتى النهاية.

وهذا يدعو لطرح سؤالين كبيرين: بماذا تتميز ماريوبول كي تتحول إلى المدينة المركزية التي تدفع ضريبة الدم في هذه الحرب المستمرة منذ شهر واحد؟ وهل ستصبح ماريوبول القالب، أو أنها أصبحت أصلاً المثال عن كيف تنوي روسيا إدارة القتال من الآن فصاعداً؟

الإجابة عن السؤال الأول أسهل من الإجابة عن السؤال الثاني. السبب الرئيس خلف قتال روسيا اليائس من أجل السيطرة على ماريوبول يعود إلى الجغرافيا. بالنسبة إلى روسيا ماريوبول هي مدينة مفتاحية تربط بين شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في 2014، إضافة إلى كل من منطقة دونيستك ومنطقة لوغانسك في إقليم دونباس، والتي سيطرت عليهما قوات انفصالية مؤيدة لروسيا خلال السنوات الثماني الماضية نفسها.

الاستيلاء على ماريوبول - أو على الأراضي المدمرة، حيث كانت تقوم يوماً تلك المدينة - يسمح لروسيا بفتح الطريق البري بين الحدود الروسية وشبه جزيرة القرم. في زمن الحرب، سيسهّل ذلك على موسكو نقل السلاح والمواد الإغاثية. ومن شأن (السيطرة على ماريوبول) أن يحول بحر آزوف إلى بحر روسي بامتياز بدلاً من كونه بحراً تشترك بمُشاطأته - وغالباً بمرارة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي - كل من أوكرانيا وروسيا.

لكن ربما أكبر منافع [السيطرة على ماريوبول] - وربما السبب الأساسي وراء جعل روسيا من السيطرة على ماريوبول أولوية لقواتها - هي تدعيم [تعزيز] سيطرتها على شبه جزيرة القرم أمنياً وتحسين خطوط إمدادها. أول ما قامت به روسيا في عام 2016 كان بناء جسر تم إنجازه بفترة قياسية يربط بين شبه جزيرة القرم والأراضي الروسية. وعلى على الرغم من بناء الجسر فإن موسكو لم تتمكن من التخفيف من حدة نقص [فداحة شح] المياه في شبه جزيرة القرم. تأمين خط بري يصل إلى القرم سيعني أن روسيا بإمكانها إعادة ربط شبكة المياه في القرم بالشبكة الروسية، وهكذا تكون موسكو قد حلت قضية لطالما تسببت لاحتلالها شبه جزيرة القرم بمشاكل منذ البداية.

لكنّ هناك أسباباً أخرى وراء تركيز روسيا على الهجوم عسكرياً على ماريوبول. أحد تلك الأسباب هي الثأر. ففي القتال الذي نشب بعد إطاحة الرئيس الأوكراني (السابق فيكتور) يانوكوفيتش Yanukovych في 2014، تم الاستيلاء على ماريوبول والسيطرة عليها من قبل القوات الانفصالية المناوئة لحكومة كييف، لكنها استرجعت [عادت إلى السلطات الأوكرانية] بعد نحو ستة أسابيع من القتال في مرحلة أخرى من تلك السنة. وحاول الانفصاليون بذل الجهد لاسترجاعها، ولكنهم فشلوا. الهزيمة التي أصابت الروس في هذه المدينة ربما تستدعي الثأر منها.

سبب آخر هو أن القوات التي نجحت في التفوق على الانفصاليين المدعومين من روسيا، ولا يزالون يسيطرون على أجزاء من المدينة المحاصرة ينتمون إلى ما يعرف بكتيبة آزوف Azov Battalion. فعندما يتحدث الروس عن ضرورة "تطهير أوكرانيا من النازيين" de-Nazifying تماماً كما تحدث الرئيس بوتين خلال إعلانه الحرب [ضد أوكرانيا] الشهر الماضي، فإن المقصود هنا من وجهة نظرهم هو كتيبة آزوف.

بدايات "كتيبة آزوف" كانت عملاً تطوعياً عبر تشكيل مجموعة شبه عسكرية تميزها علامات على ستراتهم بالأسود والأصفر لشعار يشبه "الصليب النازي المعقوف" أو swastika، واليوم تم ضم تلك الكتائب ضمن قوات الحرس الوطني الأوكرانية، وهم أقسموا على حماية الرئيس زيلينسكي، ولكن هذه وكغيرها من جماعات المتطوعين السابقين ينظر إليها الكثيرون على أن لديها جذوراً في جماعات اليمين القومي المتشدد التي كانت قد دعمت قوات الاحتلال الألماني ضد قوات الجيش الأحمر في نهاية الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. فالخط الفاصل بين اليمين القومي المتشدد والوطنيين الأوكرانيين قد يصعب تمييزه.

وتجمع مدينة ماريوبول خليطاً من العوامل التي تسهم في شرح الأسباب وراء استعداد الطرفين للقتال فيها حتى النهاية. من بين تلك العوامل الاعتبارات الروسية بخصوص ما تعتبره تعزيزاً لأمنها القومي [المهدد]، إضافة إلى تأمين وصول المؤن إلى شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى الثأر لهزيمة عسكرية [روسية] عمرها ثماني سنوات، وتطهير ما يعتبره كثير من الروس الميول النازية الخطيرة [هناك]. بالنسبة إلى روسيا إن السيطرة على ماريوبول هي هدف أساسي لاجتياح أوكرانيا. أما بالنسبة لكييف فإن نتيجة المعركة في ماريوبول ستحدد ليس فقط ما إذا كان سيبقى لديها ممر إلى بحر آزوف، بل أيضاً كم سيبقى من أراضي أوكرانيا تحت سيطرتها عندما يتوقف القتال.

وهذا يمهد للإجابة عن سؤالنا الثاني. فبعد إزالة مدينة ومرفأ ماريوبول التي يقطنها أربعمئة ألف أوكراني بفاعلية [عن الخريطة]، ومحاصرة ربما نصف عدد سكان المدينة بظروف أسوأ من القرون الوسطى، هل يكون هذا هو القالب الذي قد تعتمده روسيا وتلجأ لتطبيقه في مناطق أوكرانية أخرى؟ أم هل تنوي موسكو أن تجعل من ماريوبول درساً لتعتبر به مدن أخرى ــ لا سيما مدينتا أوديسا Odesa التي تعتبر المرفأ الأوكراني الأساسي والعاصمة كييف ــ لو رفضتا الاستسلام، و[درساً] لزعماء أوكرانيا الحاليين إن هم استمروا في القتال؟ أو ربما ستبقى ماريوبول حالة منفصلة هي ضحية موقعها الجغرافي وتاريخها الحديث.

الإجابة عن هذه الأسئلة ربما تعتمد على عوامل كثيرة، بما فيها أهداف روسيا على المديين القريب والبعيد. فربما ــ وعلى الرغم من أن حجم الاجتياح يستبعد مثل هذه الفرضية ــ يكون هدف روسيا الأساسي، وكما كان على الدوام، هو السعي إلى فتح ممر يربطها بشبه جزيرة القرم. إذاً، ومرة جديدة، فربما يكون هذا ما ستقبل به موسكو الآن، وذلك في ضوء ما أظهره الأوكرانيون من مقاومة. في تلك الحالة، ستسمح السيطرة على ماريوبول لروسيا بزعم النصر وإنهاء حملتها على أوكرانيا، لكن أوكرانيا وهي على حق هنا، ستعترض على قضم روسيا لأجزاء من أراضيها عن طريق الاجتياح غير المشروع، ولكن قد يكون ذلك هو الثمن الذي قد تدفعه كييف لإنهاء الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن، ومن الجانب الآخر، إذا كانت أهداف روسيا أوسع، ولو سارت حملتها العسكرية بشكل أقل سوءاً مما يتم تقديمه [حالياً]، فإن ماريوبول قد تستحوذ على المزيد من الأهمية كبوابة ليس فقط نحو شبه جزيرة القرم، بل وأيضاً نحو ساحل أوكرانيا على البحر الأسود بما في ذلك مرفأها الرئيس في مدينة أوديسا، وكل المناطق الأوكرانية إلى الشرق من نهر "دنيبير" Dnieper، أو حتى أن [تحتل موسكو] كل أوكرانيا بما فيها العاصمة كييف. إلى هذا المدى، فإن السيطرة على ماريوبول ستحدد إمكانية السيطرة على كامل أوكرانيا.

من الآن فصاعداً، وفيما قد يكون من الصعب ملاحظة أنماط معينة [للحملة الروسية]، فإن المعاملة التي تلقاها ماريوبول قد تبدو وكأنها مُغايرة لكل الدمار الذي خلّفته [القوات الروسية] في المناطق الأخرى. ثاني أكبر المدن الأوكرانية خاركيف Kharkiv، كانت قد عانت أيضاً من دمار كبير لحق بمبانيها ذات الرمزية المهمة مثل مبنى مقر حكومتها المحلية الذي تم تدميره عن بكرة أبيه، لكن المدينة بقيت تحت السيطرة الأوكرانية فيما يبدو أن القتال فيها قد تراجعت حدته، وربما يبدو وكأنه قد توقف تماماً. وهناك أيضاً بعض الأدلة على أن القوات الروسية قد اختارت ربما الالتفاف حول المناطق المدنية المأهولة، بدلاً من تدميرها أو الاستيلاء عليها ــ ولا ندري إن كان ذلك بقرار من اختيار القوات الروسية، أو جاء كتدبير لتلافي المقاومة الأوكرانية، وهو أمر يصعب البتّ فيه.

أمر غامض آخر قد يكون له صلة ــ بكل الخسائر التي تكبّدتها القوات الروسية وصعوبة تسهيلها فتح معابر إنسانية ــ فإن الخسائر بين المدنيين الأوكرانيين بقيت قليلة نسبياً حتى الآن، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار حجم الاجتياح الروسي. هل يعكس ذلك فاعلية الدفاعات الأوكرانية؟

للأسف، لن تكون هناك إجابات متاحة على هذه الأسئلة قبل أن يحدد مصير معركة ماريوبول ليتكشف [يتضح] ما تنوي روسيا فعله بعد ذلك، ما يمكن قوله هنا، هو أن ماريوبول قد تكون نقطة التحول الأولى في هذه الحرب ــ بغض النظر إذا كان مصيرها القاعدة أم الاستثناء [الذي تستمر على أساسه هذه الحرب].

© The Independent

المزيد من آراء