رغم الحروب التجارية... "المليونيرية الجدد" في تزايد بأميركا

موجة الأسهم الصاعدة تصنع ثروات طائلة في الولايات المتحدة

في وقت يعيش فيه الاقتصاد الأميركي حربا تجارية مفتوحة مع الشركاء التجاريين، وعلى رأسهم الصين، ثمة مؤشرات أخرى تكشف عن ثروات هائلة تضاف إلى الأميركيين متجاهلة ما يجري من حروب تجارية وسياسية ما وراء البحار، وتأتي معظمها من فورة الأسهم.

وكشف مجلس الاحتياطي الاتحادي، أمس، عن أن ثروات الأميركيين زادت أوائل العام الحالي مع ارتفاع أسعار الأسهم بقوة وانتعاش الأوضاع المالية للأسر، حيث قفز صافي ثروات الأميركيين إلى 108.6 تريليون دولار في نهاية مارس (آذار)، مرتفعا 4.5%، عن مستواه في نهاية ديسمبر (كانون الأول).

فورة البورصات

وتعيش البورصات الأميركية واحدة من أطول موجات الارتفاع منذ الأزمة المالية قبل 12 عاما، ولم تعترضها في مسيرتها سوى أخبار الحرب التجارية مع الصين بداية الشهر الماضي، والحرب التجارية مع المكسيك الأسبوع الماضي التي انتهت سريعا، وأعادت ارتفاع البورصات من جديد.

وقبل نحو عامين، ظهرت شكوك حول إمكانية استمرار البورصات الأميركية في تحقيق القفزات بعد تجاوزها أعلى المستويات التاريخية، خصوصا عندما قفز مؤشر "داو جونز" إلى 20  ألف نقطة، إلّا أن المحفزات كان تأتي للبورصات مع كل موجة شك، لتطيل عمر التفاؤل بالأسهم.

في الربع الأخير من 2017، اقترحت إدارة ترمب قانونا لتخفيض الضرائب على الشركات، الذي أصبح نافذا في بداية العام 2018، حيث خفّض ضرائب الشركات من 35% إلى 21%، ليشعل البورصات بعد ذلك نحو عام كامل.

الحرب التجارية

ثم جاءت الحرب التجارية مع الصين في شهر مايو (أيار) لتترك البورصات في حالة تذبذب، ورجح كثيرون أن الأسهم ستنهار في ظل الحروب التجارية، لكن البنك المركزي الأميركي خالف التوقعات بإعلانه الأسبوع الماضي عن إمكانية خفض أسعار الفائدة، وهو مؤشر كفيل برفع أرباح الشركات وتخفيض تكلفة الديون عليها، وبالتالي استمرار موجة الصعود.

وفي ظل هذه التوقعات، هناك دائما من يربح من قفزات الأسهم، وظهر أخيرا ما يُعرف بـ"المليونيرية الجدد" في الولايات المتحدة الأميركية الذين صنعوا أموالهم من ارتفاعات الأسهم المتواصلة، أو من الإدراجات الجديدة للشركات الأميركية في البورصات، وأغلبها أسهم التكنولوجيا. ومع أن الثروات تزيد في كل أميركا، إلا أن الثروات الأكبر تتركز في الغرب الأميركي، وفي ولاية كاليفورنيا تحديدا، حيث تعيش مدن مثل سان فرانسيسكو والـ"سيليكون فالي" فترات انتعاش لم تشهدها هذه المدن منذ 50 عاما.

المليونيرية الجدد

تحولت الأفكار التكنولوجية التي ظهرت قبل 10 سنوات إلى شركات عالمية، وأخذت منذ بداية السنة تُدرج في البورصات محققة ثروات طائلة لمؤسسيها والعاملين فيها. وأبرز هذه الشركات أوبر وليفت وزووم (Zoom) وبينترست (Pinterest) وغيرها الكثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يمر يوم في الولايات المتحدة إلا ويتم فيه الحديث عن مليونيرية التكنولوجيا، والتحولات التاريخية للاقتصاد الأميركي.

فمثلا قفز إدراج أسهم أوبر في مايو (أيار) الماضي بثروة العاملين في الشركة، منذ التأسيس والحاليين، إلى 3.25 مليار دولار.

وكانت شركة التسويق العقاري الأميركية "ريدفين" قالت في تقرير لها إن هذه الثروة تكفي لشراء كل المنازل المعروضة للبيع في مدن سان فرانسيسكو وبيركلي وأوكلاند الأميركية ويتبقى لديهم نحو نصف مليار دولار. وتعتبر أسعار المنازل في هذه المدن بين الأغلى في العالم.

اشتعال أسعار العقارات

وأحدثت هذه الثروات ارتفاعا إضافيا في أسعار العقارات، كما في سان فرانسيسكو حيث مقر "أوبر"، وفي الـ"سيليكون فالي"، التي تقع جنوب سان فرانسيسكو، وتتمركز فيها شركات التكنولوجيا الضخمة، مثل غوغل وفيسبوك وتيسلا.

وقد اتجه هؤلاء الأثرياء الجدد إلى شراء البيوت الجميلة في سان فرانسيسكو ومنطقة الـ"سيليكون فالي"، وهي البيوت المعروفة بألوان قوس قزح والتي تمتد على هضاب سان فرانسيسكو وعلى ضفاف جسر "غولدن بريدج" التاريخي.

وحالة الثروة الفجائية هذه أدت إلى ارتفاع كبير في الإيجارات، حيث يقول تقرير لـ"إندبندنت" إن متوسط الإيجار قفز إلى الضعف منذ العام 2010 ليبلغ حاليا نحو 4  آلاف دولار، بحسب موقع Trulia، بينما قفز متوسط سعر المنزل من 750 ألف دولار منذ 10 سنوات إلى 1.8 مليون دولار حاليا، بحسب بيانات Zillow.

أثرياء ومشردون

ومع أن هذا الأمر أوجد حالة من الامتعاض في الـ"سيليكون فالي" عموما، لعدم قدرة كثيرين على شراء منازل أو حتى على استئجار شقة، باتت مشاركة السكن والغرف أمرا عاديا في هذه المناطق، بينما هناك تحول الآن نحو السكن في السيارات وفي المنازل المتنقلة، أو ما يعرف بـRecreational Vehicle RV.

في المقابل، تتزايد أعداد المشردين في الشوارع الذين بلغوا نحو 7 آلاف مشرد.

وظائف وأموال غير محسوبة

لكن في المقابل، أحدثت شركات التكنولوجيا ثروات لمجمل الأميركيين وللاقتصاد الأميركي، الذي يدخل في أطول فترة نمو على الإطلاق لمدة عشر سنوات متواصلة في يوليو (تموز) المقبل.

فمثلا أوجدت "أوبر" و"ليفت" جيلا جديدا من السائقين الذين يعملون بأوقات حرة، وكثيرون منهم يعملون في الإجازات وفي أوقات فراغهم بالإضافة إلى دوامهم الرسمي، ما يصنع ثروات جديدة لم تكن متوقعة.

وخلقت شركات التواصل الاجتماعي وشركات تكنولوجية مثل غوغل ويوتيوب وفيسبوك و"بينترست" وغيرها، آلاف الوظائف والأعمال الحرة التي تتخذ من هذه المنصات مكانا لتسويق بضائعها ومنتجاتها أو تقديم الخدمات.

كما أوجدت "ايربي أن بي" فرصا تاريخية لأصحاب المنازل الأميركية الذين أخذوا يتقاسمون بيوتهم مع السائحين وزوار المدن نظير مقابل الإقامة في المنزل.

وأحدثت التطبيقات مثل  (Zoom)و "slack" ثورة أخرى في عالم الأعمال التي لم يعد تحتاج إلى وجود الموظفين في المواقع، وإنما يمكنهم العمل عن بعد من المنزل أو المقهى، وهو أمر أضاف ثروات لكثيرين واختصر الوقت والجهد والتكاليف على الشركات والموظفين.