بوريس جونسون أمام معضلتي رئاسة المحافظين ومآل بريكست

المتاهة التي يواجهها تستعصي حتى على أشد السياسيين حنكة وتمرساً

وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون المرشح الأوفر حظا لخلافة تيريزا ماي (رويترز) 

"ليس بوسعهم إخفاء بوريس بعيداً إلى الأبد". وصلت إلى مسامعي تلك الكلمات من نائب محافظ مؤيّد لمرشّح منافس لبوريس جونسون على رئاسة حزب المحافظين. وانخرطت غالبيّة النوّاب الذين تحدّثت إليهم في مقر الحكومة البريطانية بـ"ويستمنستر"، في أحاديث مماثلة من دون أن يدفعهم أحد إلى ذلك، وأياّ كان المرشّح الذي يدعمونه، بل حتى نوّاب من أحزاب اخرى.

إذ يدرك الجميع أنّ الذين يتولّون شؤون بوريس جونسون يحاولون جهدهم إبقائه بعيداً من أنظار العامة. بصفته الأوفر حظاً، لديه الكثير ليخسره من التدقيق فيه. وقد اتّسمت حملته حتّى الآن بالنظام والانضباط والفعالية.

وشملت حملته مقطع فيديو مؤلّف من مشاهد متفرّقة جُمِعَتْ سويّة، ويظهر فيه جونسون يجوب طرقات "بيتربوروغ" بحثاً عن الأصوات. كما أظهر الفيديو المرشّح يتحدّث بهدوء وأريحيّة إلى ناخبين تجاوبوا بشكلٍ جيّد مع مجاملاته.

ترافق ذلك مع سلسلة تصريحات من نوّاب أعربوا فيها عن دعمهم مسعاه إلى القيادة. مع نهاية هذا الأسبوع، حاز على 16 دعماً جديداً ممّا رفع مجموعه إلى 47 متقدّماً بشكلٍ كبير على مايكل غوف (32) وجيريمي هانت (31).

يختلف هذا بشكلٍ ملفت عن الارتباك والتردّد اللذين رافقا مسعاه السابق إلى تولّي القيادة، الذي نُسِفَ في يوم انطلاقه بسبب انشقاق غوف، مدير حملته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتساءل عدد من النوّاب إن كان بوسع جونسون أن يستمرّ في مجاراة فريقه مع دخول السباق الانتخابي مرحلته العامة، إذ سيحصل أوّل تصويت للنوّاب الأسبوع القادم. ولكن عندما اتّهم بعض النوّاب جونسون بالاختباء، كانوا يعنون أنّه يتجنّب الأسئلة الصعبة حول كيفية إخراجه بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

حتّى الآن، تمكّن من الإفلات ممّا يطلق عليه فريقه تسمية "تحديد المواضيع العريضة" أثناء لقاءاته الانتخابيّة مع النواب، التي استُثني الصحافيون منها. وسبق له أن أفاد علانيّة حتى في الفيديو الخاص بحملته، أنّنا سنخرج من الاتحاد الأوروبي "مع اتّفاق أو من دونه" في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

أُخبِرْنا من قِبَلْ نوّاب ممن حضروا اللقاءات الإنتخابيّة، أنّ جونسون استَبعد إجراء انتخابات عامة أو استفتاء آخر أو تعليق البرلمان كطرقٍ لضمان إنفاذ بريكست عندما تنتهي فترة تمديد المادة 50 في اخر أكتوبر المقبل.

ولكن، شكّلت تلك الأمور ضمانات هشّة فكأنها تقول "ليس عليكم القلق بشأن ذلك" بدلاً من تقديم التزاماتٍ محدّدة، وهو لم يخضع لاستجواب أو مساءلة صارمة حول الطريقة التي يعتزم من خلالها تنفيذ بريكست.

يورد جونسون أنّ الاتحاد الأوروبي سيمنح المملكة المتحدة اتفاقاً أفضل في حال هدّدنا بالخروج من دون اتفاق. غير أنّه يعني بالاتفاق الأفضل، ذلك الذي يخلو من ضمانة الحدود المفتوحة مع ايرلندا. ولن يوافق الاتحاد الأوروبي على ذلك، أولاً لأنّ الحدود المفتوحة هو مبدأ غير قابل للتفاوض وثانياً لأنّه لا يؤمن أنّ المملكة المتحدة ستغادر من دون اتّفاق.

يدرك قادة الاتحاد الأوروبي أن مجلس العموم لن يسمح بالخروج من دون اتفاق. ويعلمون أن فكرة تعليق البرلمان أو ايقافه، إبّان خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، ليست ممكنة. سيكونون قد شهدوا نهوض جون بيركو، رئيس مجلس النواب، مع كوكبة من المحامين الدستوريين، للإعلان عن قدرة البرلمان على التصدي لمحاولة عرقلة عمله.

ويجعل ذلك من الانتخابات المبكرة أو إجراء انتخابات جديدة، سبيلين وحيدين لكسر الجمود. وإلى ما لا نهاية، تدور الأحاديث في "ويستمنستر" حول تلك  الأسئلة. هل سيخاطر جونسون الذي يرى نفسه شخصية قدريّة لبريطانيا على غرار تشرشل، بالدعوة لإجراء انتخابات؟

في حال اختار إصراره على خيار " الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، إذا كان ذلك ضرورياً"، هل سيستعيد ناخبي "حزب بريكست"؟ هل سيتحتّم عليه تقديم مقعد في الحكومة إلى نايجل فاراج (رئيس "حزب بريكست") أو موقعاً في مجلس اللوردات؟ وهل سيستقيل فيليب هاموند وأمبر رود وديفيد غوك، أو أنّه لن يختارهم، أو أنّهم سيخسرون مقاعدهم أمام تحدّي "حزب بريكست"؟ وهل سيفوز جونسون بغالبية تضمن الخروجٍ من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، أو أنّه ببساطة سوف يسلّم رئاسة الحكومة إلى جيريمي كوربن بعد خوض انتخاباتٍ تُجرى حول مسألة التقشّف؟

لعل الخيار الأكثر أمناً هو الذهاب نحو استفتاء، وذلك الذي عارضه جونسون منذ يومين مستخدماً عبارة "بكلّ ما أوتيت من قوّة"؟ ولكن، سيتحتّم عليه حينها أن ينكس بوعده بعدم طلب تمديد آخر لعضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي لأنّه ما من وقتٍ لإجراء استفتاء قبل نهاية أكتوبر.

إضافة إلى ذلك، تبرز المشكلة الشائكة حول ما سيكون عليه السؤال، والأهم من ذلك، ما إذا كان البرلمان سيسمح له بطرحه. فهل سيسمح النوّاب بالخروج من دون اتفاق كخيارٍ للورقة الانتخابية؟ عليهم أن يفعلوا، لأنّه حتّى توني بلير صرّح بأنّ أيّ استفتاء لن يُعتبر صالحاً ما لم يكن خياراً. علماً أنّ معارضة بريكست من دون اتفاق هي النقطة الوحيدة التي تلقى تأييد الغالبية في مجلس العموم.

حتّى وإن تمكّن جونسون من الحصول على التشريع الذي يخوّله إجراء استفتاء من خلال برلمانٍ معلّق، فهل سيتمكن من الفوز به؟ وفي حال صوّت الناخبون لصالح البقاء فهل سيتحتّم عليه الاستقالة؟

الكثير من الأسئلة تنتظر رئيس حكومتنا العتيد. لعلّه سيبدأ بالإجابة عليها خلال الأسبوع القادم.

© The Independent

المزيد من آراء