فتح ملف "الرشى السكنية" لكبار المسؤولين والسياسيين في الجزائر

بدء العمل على إنهاء "المحافظة 49"

مدخل إحدى "إقامات الدولة" في الجزائر (مواقع التواصل)

في الأسبوع الأخير من شهر رمضان، تسبب نجل رئيس "حركة مجتمع السلم" الإسلامية سابقاً، أبو جرة سلطاني، بإصابة دركي على مدخل محمية الدولة الجزائرية المعروفة باسم "إقامة الساحل"، إثر اشتباك جرى بينهما قبل ربع ساعة من الإفطار، ليقضي ليلته الأولى في السجن ثم يُحاكم سريعاً ويصدر حكم بسجنه سنةً مع النفاذ. لم يكن هذا الأمر ليحدث ربما، قبل رحيل الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، حيث تحولت إقامة الدولة، إلى محمية لا مكان للقانون فيها.
ويرغب جزائريون في إطلاق النكات قبيل كل مسيرة تُنظَم يوم الجمعة، فيصدرون مناشير على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى اقتحام "إقامة الساحل" في الضاحية الغربية للعاصمة. ويقدم هذا الفعل أصحابه كنوع من "التنكيت" "لبث الرعب في قلوب المسؤولين الكبار"، في وقت ذكرت مصادر عدة، أن أكثر من 100 مسؤول سابق، أُبلغوا بقرار إخلاء الإقامة الرسمية في الأسابيع القليلة الماضية.
 

إقامة أمنية أصبحت "المحافظة 49"
 

واستُحدثت "إقامة الساحل" بموجب مرسوم تنفيذي صدر في كانون الأول (ديسمبر) 1992، والمتضمن إنشاء إقامة تابعة للدولة، كما تمّ استحداث مؤسسة تعنى بتسيير شؤونها بموجب المرسوم التّنفيذي الصادر عام 1997، والمتضمن إنشاء مؤسسة عامة لإقامة الدولة في الساحل والتي تُصنّف عقاراتها بغير القابلة للتنازل.
أول الخروقات ضد هذا المرسوم، أعلن عنها وزير السياحة السابق، عبد القادر بن قرينة، منذ أسابيع، إثر اعتقال مسؤول المحمية، الرجل القوي سابقاً، حميد ملزي، إذ قال إن "أوامر عليا لم تمكنه من حماية الجزء الغربي للمحمية حين قررت الدولة التنازل عنها لكبار المسؤولين بالدينار الرمزي".
وأدت رغبة مسؤولين سابقين في الانتقال للعيش في "إقامة الساحل" المطلة على أحد أجمل شواطئ العاصمة، إلى ظروف حياة غير معهودة لا علاقة لها بالواقع المُعاش في البلاد، ففُرضت إجراءات أمنية تمنع دخول الغرباء، كما وفرت السلطة كل مستلزمات الحياة لكبار المسؤولين داخلها. وظهر إثر ذلك شعار "من المحمية إلى المطار" أي أن السفر هو الداعي الوحيد لمغادرة تلك الإقامة، قبل أن تُسمى من باب السخرية "المحافظة 49"، أي محافظة تُضاف إلى محافظات الجزائر الـ 48 الرسمية وفق التقسيم الإداري.
 



"الإرهاب" قصة بداية "عزل المسؤولين"
 

وتحججت الحكومة في مطلع التسعينيات، بالظرف الأمني، فطلبت تحويل "نادي الصنوبر و"موريتي" إلى إقامة دولة، أي إلى محمية، واقتطعت مساحةً عقارية تقارب الـ40 هكتاراً كانت تابعة لمؤسسة تسيير المركز السياحي في نادي الصنوبر، في بلدية اسطاوالي، لتكون إقامة مؤقتة لهؤلاء، وتحظى بحماية أمنية خاصة وتدابير أخرى صارمة، لا تسمح لغير أبناء الوزراء والشخصيات.
وتوسع محيط الحماية في ما بعد ليشمل منطقة "نادي الصنوبر"، في ظل وصول أعداد أخرى إلى هذه "المحمية" بذريعة الخوف من الإرهاب، ما جعل المنطقة تشهد من سنة إلى أخرى أشغال توسعة وتأمين.

 

 

زروال رفض "فيلا" توسعة 2010

 
وإن كانت "إقامة الدولة" تأسست بذريعة حماية كبار المسؤولين من التصفيات الجسدية التي نفذتها "جماعات إرهابية"، فإن مبرر وجودها لم يعد أمنياً بعد تمكن الجزائر من دحر الإرهاب مع بداية الألفية الجديدة، لتتحول هذه الإقامة إلى "رشى سكنية" لكبار المسؤولين ونوعاً جديداً من الفساد الرسمي وفق تعبير صحافيين جزائريين. ففي الوقت الذي كانت أحزاب معارِضة تنادي بالتحقيق في دواعي استمرار تواجد "المحمية"، تمت توسعة وعائها شرقاً إلى مداخل بلدية عين البنيان، وذلك في العام 2010، فوق قطعة أرض خاصة وذات طبيعة زراعية.
ويمكن ملاحظة هندسة "الفيلات" المنشأة في تلك التوسعة، فهي فريدة من نوعها وفائقة البذخ، لمصلحة رؤساء سابقين للجزائر، مثل الشاذلي بن جديد، علي كافي، أحمد بن بلة، فيما رفض الرئيس السابق اليمين زروال استلامها، مكتفياً بـ"الفيلا" التي يملكها بإقامة "موريتي"، التي يُعتقد أنه حصل عليها بالدينار الرمزي، وحجته في الرفض كانت خلافه مع بوتفليقة، إذ اعتبر ذلك محاولة لاستمالته.
               

ملزي عصا الجنرال "توفيق" ضد من عصى
 

وإذا استعرضنا طبيعة المسؤولين الذين يسكنون "المحمية" حتى اليوم، يمكن ملاحظة أن بعضهم غادر الحكومة منذ عقدين من الزمن، إلا أنهم يحتفظون بالإقامات الفاخرة، كما تضم زعماء من المعارضة ورؤساء أحزاب، ما كشف عن علاقات مشبوهة بين عدد من الساسة والسلطة. وكانت السلطة الفعلية حتى وقت قريب في يد قائد الاستخبارات السابق الجنرال توفيق، الذي أُقيل من منصبه في خريف عام 2015، بعدما عمد إلى صناعة "جنرال مدني" على رأس المحمية، هو حميد ملزي التي تحول من موظف بسيط، إلى أحد أقوى رجالات السلطة.
وكان ملزي، الموجود حالياً في سجن الحراش في قضايا فساد، يشكل سلطةً مهمتها "تأديب المسؤولين غير المتعاونين"، فعلى الرغم من وجود مراسيم تنظم أحقية الوجود في الإقامة إلا أن منطق الخضوع بات الأساس، ليمنح ملزي هذه المساكن لمَن يتناسب واعتبارات عدة بعضها سياسي والبعض الآخر سري.


قوائم الطرد جاهزة

وأفادت مصادر مأذونة لـ "اندبندنت عربية" بأن وزراء في الحكومة الحالية يقيمون في فندق فاخر غرب العاصمة، بعدما كانوا مقيمين في "نادي الصنوبر"، ما فُهم على أنه "تمهل" في إعداد قوائم المستفيدين من هذه "المحمية" في مقابل الشروع في إبلاغ عشرات المسؤولين بضرورة إخلاء الفيلات التي يشغلونها. وأوردت صحف جزائرية أن القائمة تضم وزراء وجنرالات سابقين ورؤساء أحزاب ومدراء عامين لمؤسسات وطنية كبرى، وهؤلاء أخلوا الفيلات التي شغلوها قبل نهاية شهر رمضان الماضي.
وبرز من ضمن هذه الشخصيات كل من رئيسَي الحكومة السابقَين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، والرئيس السابق لحركة "مجتمع السلم" الإسلامية أبو جرة سلطاني، رئيس "حزب تجمع أمل الجزائر" عمار غول، الأمين العام السابق لـ "جبهة التحرير الوطني" جمال ولد عباس، رئيس حزب "الأمبيا" عمارة بن يونس، رئيس "حزب التحالف الوطني الجمهوري" بلقاسم ساحلي، وزعيمة "حزب العمال" المعارض لويزة حنون.
وشملت القائمة أيضاً، أسماء أكثر من 35 وزيراً سابقاً، من بينهم وزيرا الثقافة السابقَان عز الدين ميهوبي وخليدة تومي، ووزير الشؤون الدينية السابق محمد عيسى، ووزير الصحة السابق عبد المالك بوضياف، ووزير الداخلية السابق محمد يزيد زرهوني وآخرون.

المزيد من العالم العربي