الخرطوم... مدينة المتاريس تحكمها الشائعات

مع استمرار انقطاع الإنترنت وصعوبة التواصل بين المواطنين لا يبدو أن هناك حلاً للأزمة السياسية

لا تسير الحياة في الخرطوم على طبيعتها، فبعد فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش، تحولت إلى مدينة يصعب التنقل في شوارعها بالنسبة إلى المدنيين والعسكريين على السواء. كما توقفت حركة البيع والشراء في الأسواق الكبيرة. ومع الانقطاع المتواصل لخدمات الإنترنت في البلاد، وصعوبة التواصل عبر الرسائل النصية في بعض مناطق العاصمة، أصبحت الشائعات والأخبار غير الكاذبة سيدة الموقف.

هروب البشير

بدأت بعض وسائل الإعلام المحلية مساء الأربعاء (5 يونيو) نقل خبر مفاده هروب الرئيس المعزول عمر البشير من سجن كوبر في الخرطوم، ومعه بعض رموز النظام السابق. أحدث ذلك الخبر المتناقل شفاهة بين المواطنين لاحقاً، وعبر الرسائل النصية في بعض المناطق، موجة من الغضب، ودفع كثيرين للخروج إلى الشوارع في محاولة لتكوين مسيرات احتجاجية، لكنهم فشلوا أيضاً في ذلك نسبة لصعوبة التواصل، وفق بعض الإفادات التي أدلى بها مواطنون لـ"اندبندنت عربية".

ولمحاصرة الشائعة، أقدمت الشرطة السودانية على إصدار بيان أوصلته للصحافيين عبر المكالمات الهاتفية نظراً إلى صعوبة التواصل وعقد المؤتمرات الصحافية، أوضحت فيه أن الحديث عن هروب البشير وبعض رموز النظام السابق عارٍ من الصحة، وأن قوات الشرطة لم تسجل أي محاولة للهروب من سجن كوبر في الخرطوم، وأن قواتها تشدد الحراسة على السجن.

أحدث ذلك الخبر المفبرك موجة من الكراهية لقوات الشرطة التي تحظى بنظرة سخط مسبقة لدى المواطنين، نتيجة تعاملها الذي وصف بالقسوة مع المحتجين قبل سقوط نظام البشير، والمشاهد التي بُثت لاحقاً لحظة فض الاعتصام وأظهرت اعتداء عناصر عسكرية على المدنيين العزل لحظة هروبهم من ساحة الاعتصام.

استهداف مقار الشرطة

على الرغم من عدم ثبوت صحة نبأ هروب البشير، إلا أن بعض المواطنين حاولوا التجمع أمام مراكز الشرطة للتعبير عن غضبهم، متّهمين العناصر بالتواطئ مع رموز نظام البشير، وفق إفادات شهود عيان. ودليلاً على تأثير ذلك، اضطُرت الشرطة إلى إصدار بيان آخر نقلته هاتفياً أيضاً للصحافيين والمراسلين، عصر اليوم الخميس، قالت فيه إن" البلاد تشهد ظرفاً استثنائياً، دفع بعض الخارجين عن القانون والمنتفعين من الوضع الراهن والمتفلتين، أن يستغلوا الظرف باستهداف مقار وأقسام الشرطة في العاصمة وبعض الولايات، وحاولوا حرقها وإتلاف محتوياتها وإفراغ السجون الداخلية من المتهمين، إلى جانب محاولتهم نهب الأمانات وحرق السجلات".

وأورد البيان أن هؤلاء المنتفعين "أطلقوا شائعة محاولات اقتحام سجن كوبر وإطلاق سراح رموز النظام السابق، إذ إن هذا المسلك والاتجاه، يُعد مؤشراً خطيراً على إهدار سيادة حكم القانون وضياع الحقوق وإفلات المجرمين، وبالتالي يوقع كل من يشارك فيه تحت طائلة القانون". وأضاف البيان "إن قواتنا المناط بها حماية تلك المواقع والأقسام تنفذ القانون وحراسة المتهمين والتحفظ عليهم في الحق الخاص والعام وتُعنى بحمايتهم ريثما يقدموا إلى العدالة، وعليه فإن أي محاولة للمساس بتلك المقار ستواجه بحسم، مع العمل على تفويت الفرصة على أصحاب الغرض والمجرمين الرامين لإشاعة الفوضى". وأفادت الشرطة السودانية بأن تلك الإفرازات السالبة واردة الحدوث في مثل هذا الظرف، لكنها خاضعة للسيطرة والتحكم.

اشتباكات مسلحة

كان مكتوباً على مواطني الخرطوم أن يُقضّ مضجعهم لليوم الثاني على التوالي، فبعد محاولة الفض لم تنم العاصمة السودانية مترقبة أحداثاً جديدة متوقعة، وتجددت تلك الحالة من الترقب ليلة الخميس أيضا، إذ بدأ المواطنون وبعد عودة خدمة الرسائل النصية في بعض المناطق بتداول رسائل تحذيرية تطالب المواطنين القاطنين قرب الطرق الرئيسة وبعض المقار التابعة للجيش، مغادرة منازلهم والتوجة إلى مناطق آمنة، نظراً إلى احتمال وقوع اشتباكات مسلحة بين قوات الدعم السريع والجيش، بسبب اعتراض الأخير على فض الاعتصام واستخدام القوة المفرطة في ذلك. ونتيجة ذلك، خرج بعض المواطنين إلى الشوارع فجر الخميس في منطقة "الفتيحاب" بمدينة أم درمان، خشية تعرضهم للخطر، كما خرج بعض سكان حي بري الذي يقع قرب مقر قيادة الجيش في الخرطوم، لاستجلاء الأمر وظلوا كذلك حتى شروق الشمس.

وحاولت "اندبندنت عربية" التواصل مع الجهات الرسمية للتأكد من صحة تلك الأنباء، لكن غالبية المسؤولين امتنعوا عن التعليق والتصريح أو تعذر الوصول إليهم.

سيناريو الفوضى

من خلال تضارب الأنباء، بات واضحاً أن ثمة جهات تسعى إلى دفع البلاد للدخول في سيناريو فوضى لا يُعلم حتى الآن من هو المستفيد منه. فصعوبة التواصل في السودان نتيجة قطع الإنترنت والتشويش على الاتصالات والرسائل النصية، إلى جانب إقدام المحتجين على قطع الطرق الرئيسة والفرعية بوضع المتاريس الحجرية والاسمنتية، أحدثت شللاً تاماً لحركة النقل والمواصلات، كما أن هناك جهة لديها بعض الإمكانيات لنقل تلك الشائعات التي تثير الفوضى، فالرسائل تُنشر في زمن محدد وعلى نطاق واسع، يصعب في ظل الأوضاع الحالية أن تكون المسؤولة عنها، مجموعة أفراد بعينها.

كما وجد بعض المواطنين في أحياء متفرقة من الخرطوم أسلحة خفيفة مرمية على الأرض مثل الكلاشنكوف والمسدسات وذخائرها، وهي حالة لم تسبق أن شهدتها الخرطوم منذ فترة، وبات المواطنون يتساءلون عن وجود تلك الأسلحة في الطرق، ما دفع تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الاحتجاجات في البلاد ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير، إلى إصدار بيان ناشد فيه المواطنيين اتباع النهج السلمي، محذراً من التعامل مع تلك الأسلحة مجهولة المصدر ومعتبراً أن هدفها جر المواطنيين إلى مربع العنف.

ولم تصدر السلطات الرسمية تعليقاً على تلك الحالات المتكررة وفق إفادات بعض المواطنيين، فيما تعذر على "اندبندنت عربية" الحصول على تعليق رسمي.

موقف سياسي معتم

ولا تشير الوقائع إلى انفراج قريب في مسار الأزمة السياسية التي يشهدها السودان، فدعوة رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان إلى حوار مع الجميع من دون شروط، لم تجد القبول من المعارضة السودانية التي أكدت أن خيارها الوحيد هو إسقاط المجلس العسكري واستكمال الثورة.

المزيد من العالم العربي