Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإعلام في زمن الحرب... الرقيب يطلق الرصاص على الشاشات

أملت مصالح الغرب قرارات حجب ومنع لم يعتد اللجوء إليها فقط بل شجبها وندد بنظائرها التي تصدرها حكومات في مناطق أخرى من العالم

تهدد الحروب حيادية الإعلام في العقد الثالث من القرن الـ21 (أ ف ب)

تأتي الحروب منذ مطلع القرن العشرين محملة بسلاح إضافي يسير كتفاً بكتف المدرعات والمشاة والمدفعية والطيران والبحرية، حيث قوات إعلامية هادرة وفيالق إخبارية زاعقة وتحليلات مواقف دالة وتوجيهات لا حصر لها للرأي العام، تارة تجاه هزيمة بلون النصر وأخرى لنصر قوامه هزيمة، حتى تقييم الحرب أثناء دق طبولها، ثم دوران رحاها، وبعد أن تضع أوزارها تجد ماكينات الإعلام نفسها على رأس القائمة.

حرب روسيا في أوكرانيا في العقد الثالث من القرن الـ21 تأتي مفعمة بنتاج التطورات الكبرى والتقنيات العظمى التي حفل بها الإعلام على مدار العقدين الماضيين، وتكللت فيها قدرة الثورة الرقمية على صناعة محتوى وبثه وغرسه وإعادة تدويره وهيكلته وتطويعه بحسب الحاجة، وتبعاً للحالة وتوافقاً مع المصالح والغايات.

غاية الحجب

الغاية من الحجب والمنع بحسب الجهات الحاجبة تكون "حماية المتلقين من شرور البث". والقوس مفتوح أمام التفسيرات والتعليلات بين أقصى يمين حماية الأمن القومي ومجابهة أكاذيب الأعداء وأقصى يسار السيطرة على مصادر معلومات ومنابع تكوين الرأي العام بين الواقع عليهم فعل الحجب.

التعريف الأعم والأشمل للرقابة والحجب هو منع المحتوى سواء المكتوب أو المرئي أو المسموع الذي تعتبره الجهة الحاجبة مخرباً للصالح العام. يحدث ذلك في كل مظاهر السلطة دون استثناء، ولكن بأشكال ودرجات مختلفة بعضها فج وصريح، والآخر مخفف وملتوٍ.

وكعادة الحروب الكبرى التي تتضمن طرفين متحاربين ويقف خلف كل طرف نصف دول الكوكب، فإن المكون الإعلامي للحرب الروسية في أوكرانيا يقف على قدم المساواة مع المال والعتاد وحتى التلويح بالنووي.

وقد ولت وأدبرت عصور وقت كان المتلقون يكتفون بمتابعة ما تقدمه لهم السلطات الإعلامية في بلدانهم عبر الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية. كما تقلص عهد القنوات الموجهة من الدول إلى شعوب أعدائها الذين يسعون لمتابعتها سراً عبر موجات قصيرة أو طويلة مشوشة.

التشويش المختلف

التشويش في حرب روسيا في أوكرانيا مختلف قلباً وقالباً من حيث المحتوى والأدوات والغايات. لكن ضلوع الجميع على خط التشويش واللجوء إلى أدوات الحجب وأسلحة المنع وعتاد الاتهامات المسيسة في قلب الأخبار التي يفترض أنها منزهة عن ألوان الانتماءات الأيديولوجية والمصالح السياسية والغايات الاقتصادية هو الجديد الواضح والصريح في هذه الحرب العجيبة.

لم يكن عجيباً أو صادماً، بل كان متوقعاً ومعروفاً مسبقاً أن تأتي منصات الإعلام الروسي متخمة بأسباب الحرب "المنطقية" وعوامل دخول أوكرانيا "المستحقة" وغايات العملية العسكرية "السامية"، وكذلك أن يطل الإعلام الغربي بمحتوى يغلب عليه الطابع الخبري المكتفي في النشرات والأخبار العاجلة بنقل ما جرى دون نعوت عن الغزاة أو الفاتحين، والاعتداءات أو الاستحقاقات مع ميل متوقع لما يمثله المعسكر الغربي من قيم ومبادئ، وكذلك مصالح وتوازنات في الفقرات التحليلية.

طرفا نقيض الحرب الإعلامية

لكن ما يجري حالياً على طرفي نقيض الحرب الإعلامية مفاجئ ومباغت، ومنه ما وصل درجة الصدمة والرهبة. العنصرية والفوقية كشفتا عن وجهيهما بـ "صدق". هي "لحظات صراحة نادرة" مفعمة بإطلاق عنان لما يدور في العقل الباطن دون التقيد بوجاهة التسامح وقيد المساواة وحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قال الموفد الخاص لقناة "سي بي أس نيوز" الأميركية في أوكرانيا تشارلي داغاتا إلى أوكرانيا في رسالة مباشرة "مع خالص احترامي، فإن هذا ليس مكاناً مثل العراق وأفغانستان اللذين عرفا عقوداً من الحروب. إنها مدينة متحضرة نسبياً، أوروبية نسبياً، حيث لا ننتظر حصول ما يحدث".

وعلى الرغم من فداحة الكلمات، إلا أنها غيض من فيض في بحر الحرب الكلامية والمرئية والمسموعة التي تدق دون هوادة شرقاً وغرباً. قيم عديدة مثل الديمقراطية للجميع، واللاعنصرية دون حدود، والحرية بلا قيود، والتعبير بلا مكبلات في مهب الرياح الإعلامية في حرب روسيا في أوكرانيا.

 

 

حرب الحجب سبقت الغزو

حرب الحجب سبقت حرب الغزو. ففي أوائل فبراير (شباط) الماضي، وقبل الغزو الفعلي للقوات الروسية لأوكرانيا، أغلقت السلطات الروسية المكتب المحلي لـ"دويتشه فيله" (الألمانية) لديها، ومنعت بث برامجها عبر القمر الصناعي وكل وسائل البث الأخرى.

رد الفعل الأول للمتابعين للأزمة الروسية – الأوكرانية حينئذ دار في فلك اعتياد منهج الحجب والمنع الروسي، حيث قيم الديمقراطية وحرية التعبير والاختيار والإعلام ليست المعتاد أو المعمول بها. لكن كثيرين فوجئوا بمعرفة أن القرار الروسي بحجب "دويتشه فيله" كان رداً على منع بث قناة "روسيا اليوم" في ألمانيا، التي تتعرض لانتقادات عديدة في الغرب باعتبارها "أداة دعائية للكرملين"، وأنها "تروج لنظرية المؤامرة وتبث معلومات مضللة باسم الدولة الروسية".

وقتها لم يفت على الإدارة الأميركية الدخول على خط الشجب والإدانة، لكنهما جاءا من نصيب قرار الحجب الروسي فقط. المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس غرد قائلاً "الولايات المتحدة تدين قرار الحكومة الروسية إغلاق مكتب دويتشه فيله في موسكو".

صنبور التلاعب

صراع الإغلاقات والإغلاقات المضادة انفتح على مصاريعه. لكن الغريب أن هذه المصاريع شملت من كان يصف الحجب بالقهر والمنع بالقمع. قبل نحو أسبوع، أعلن كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل حجب كل من "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" الروسيتين دول الاتحاد، ضمن جهود الاتحاد الأوروبي "لمكافحة التضليل الروسي. واعتبر بوريل الحجب "خطوة حاسمة لإغلاق صنبور التلاعب الروسي بالمعلومات في أوروبا".

الغريب أن إغلاق الصنبور لم يقف عند حدود دول الاتحاد، بل سارعت بريطانيا التي خرجت من الاتحاد طواعية (بريكست) إلى إغلاق الصنبور ذاته كما فعلت دول الاتحاد. وزيرة الثقافة البريطانية نادين دوريس قالت إنها تأمل "ألا تعود آلة بروباغاندا بوتين الملوثة إلى الشاشات البريطانية مجدداً"، مشيرة إلى أن "روسيا اليوم لم تعد متاحة على الشاشات في البيوت البريطانية سواء عن طريق التلفزيون أو (سكاي) أو (فريسات) أو (فري فيو)".

وصعّدت دوريس من حجم الميل البريطاني الرسمي للحجب بقولها، إنه تم التواصل مع "ميتا" المالكة لكل من "فيسبوك" و"تيك توك" لمناشدتهما التوقف عن بث "روسيا اليوم" على منصاتها. وقالت، "الموقف المؤكد هو أننا لن نتوقف حتى نقنع كل مؤسسة سواء كان مقرها في المملكة المتحدة أو خارجها أن الشيء الخطأ هو بث الدعاية الروسية في البيوت البريطانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما قرر الفريق التنفيذي لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إيقاف تراخيص المحتوى للعملاء الروس.

وعقب تفجير البرج التلفزيوني في كييف قبل أيام، أطلقت "بي بي سي" ترددين إذاعيين جديدين على الموجات القصيرة لتصل أخبارها إلى مناطق في كل من أوكرانيا وروسيا لمدة أربع ساعات يومياً بالإنجليزية.

"دوما" يجرم "التزييف"

في المقابل، تبنى "دوما" (مجلس النواب) الروسي مشروع قانون يفرض عقوبات جنائية بالسجن وغرامات مالية على "المنشورات المزيفة التي تشوه سمعة الجيش الروسي، أو التي تدعو إلى فرض عقوبات على روسيا".

قرار "دوما" أجج سلسلة الركلات والضربات المتبادلة. أعلنت "بي بي سي" تعليق عمل صحافييها موقتاً في روسيا، رداً على القانون الجديد الذي وصفه مدير عام "بي بي سي" تيم ديفي بأنه "يبدو أنه يجرم عملية الصحافة المستقلة". لكن إنتاج "بي بي سي" للأخبار سيظل مستمراً من خارج روسيا.

يشار إلى أن روسيا حجبت موقع "بي بي سي" ضمن مجموعة من المنصات الإعلامية التي منعتها السلطات الروسية. في المقابل، أشار عدد من المنصات الإعلامية الغربية أبرزها "سي أن أن" و"إيه بي سي" و"سي بي أس" الأميركية و"راي" الإيطالية و"الإذاعة العامة الكندية" و"بلومبيرغ" أنها ستوقف موقتاً بث تقاريرها من روسيا، بسبب القانون الجديد و"حماية لمراسليها" مع تأكيد "استمرارها في نشر المعلومات المؤكدة وغير المضللة، ولكن من خارج روسيا".

التضليل ذهاب وعودة

المعلومات المضللة "ذهاب وعودة" هي سمة الحرب الروسية في أوكرانيا. بمعنى آخر، المعلومات المضللة (سواء كانت مضللة فعلاً أو قولاً فقط) حجزت لنفسها مكانة متميزة ضمن الصدارة. قوتها وبأسها وأثرها لا تقل أهمية عن قوة الدبابات وبأس المروحيات وأثر "الدرونز" (الطائرات المسيرة). كما أنها باتت متاحة للجميع يستخدمها ضد الجميع سواء كأداة حرب أو اعتبارها جريمة حرب.

 

 

أميركا تطارد "التضليل"

في سابقة عالمية، أصدر وزير الخارجية أنتوني ج. بلينكن بياناً قبل أيام عنوانه "استهداف النخب الروسية ووسائل التضليل الإعلامي وشركات الدفاع" جاء فيه، "إننا نستهدف اليوم النخب الروسية وشبكاتهم المالية وأصولهم، ووسائل التضليل الإعلامي الروسية الكبرى التي تسهم في زعزعة استقرار أوكرانيا، وشركات الدفاع في الاتحاد الروسي. كما نفرض ضوابط إضافية على تصدير النفط والغاز الروسي. وتوضح هذه الإجراءات أنه لا مكان يختبئ فيه الأفراد والكيانات الذين يدعمون حرب روسيا المروعة ضد أوكرانيا".

وأضاف بليكن، أن حكومته "تستهدف المتورطين في حملة التضليل والتأثير المزعزعة للاستقرار التي تشنها روسيا، بما في ذلك أفراد وكيانات موجودون في أوكرانيا"، وأن وزارة الخارجية أدرجت على لائحة العقوبات المسؤول الأكبر عن الدعاية في الاتحاد الروسي والمتحدث باسم فلاديمير بوتين ديميتري بيسكوف، و"أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية يعمل على إدراج 26 فرداً وسبعة كيانات مرتبطة بحملة التضليل الروسية الدولية، لا سيما تلك المدعومة من قبل أجهزة المخابرات الروسية. وتستخدم هذه الأهداف المنظمات التي تزعم أنها تعمل كمواقع إخبارية شرعية، ولكنها بدلاً من ذلك تنشر معلومات مضللة ودعاية قومية متطرفة للاتحاد الروسي".

وجاء في بيان آخر للخارجية الأميركية، أن جهودها تلك تستهدف الأفراد والمنظمات الروسية التي "تعمل على نشر معلومات مضللة والتأثير في الأفكار كجزء من غزوها لأوكرانيا". ووصفت الخارجية الأميركية ما تنشره هذه الكيانات بـ "الروايات الكاذبة التي تعمل على تعزيز الأهداف الاستراتيجية الروسية، وتبرير أنشطة الكرملين بشكل خاطئ".

نسبية الخطأ

نسبية الخطأ تطل برأسها وتهيمن على كل خطوة وكلمة وفعل على منصات الإعلام هذه الآونة. فما تحجبه دول غربية من منصات إعلامية روسية لحماية المتلقين من خطورة المعلومات المضللة والبروباغاندا الكاذبة، يقابل بحجب روسيا لمنصات إعلامية غربية للأسباب ذاتها. وحين أشار المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف إلى القانون الروسي الجديد في شأن "تجريم التضليل الإعلامي" بأن صدوره كان لحاجة ضرورية وماسة لمواجهة "الحرب الإعلامية غير المسبوقة على البلاد التي أطلقت من قبل الغرب ضد روسيا، على خلفية حرب المعلومات الدائرة"، فهو وصف الخطأ من وجهة نظر روسيا ومن منطلق مصالحها.

وجهة نظر دول الغرب ومصالحها أملت كذلك خطوات حجب وقرارات منع إعلامية لم يعتد هذا الجزء من العالم عدم اللجوء إليها فقط، بل اعتنق منهج شجبها وتنديدها كلما لجأت إليها دولة هنا أو هناك، وهو ما يعتبره البعض "انحرافاً" أو "تغيير مسار" أو "تعديل منهج" غير مسبوق، وربما عودة للنهج المكيافيللي، حيث "الغاية تبرر الوسيلة"، ولو كانت الوسيلة سيئة السمعة في الدول الديمقراطية، التي لامت ودانت بالأمس القريب لجوء دول عربية ضربتها رياح ما يسمى بـ"الربيع العربي" إلى حجب مواقع أو قطع إنترنت أو التضييق على مواقع التواصل الاجتماعي تجد نفسها اليوم في خضم "حرب عالمية ثالثة" منصتها افتراضية.

الربيع العربي

قبل ما يزيد على عقد بقليل، اعتبر عديد من دول العالم منصات التواصل الاجتماعي أداة للتمكين ووسيلة للتغيير في دول عربية عدة. ولأن هذه الدول لم تجد نفسها مثار شد وجذب على هذه المنصات، بل كانت مكتفية بالمتابعة وربما الإدارة من بعد، فهي لم تع حجم الضرر الحقيقي وكذلك المنفعة الواقعية وقدرتها على تغيير المصائر وتعديل الأقدار إلا بوقوع رحى الحرب الروسية في أوكرانيا.

يعتقد خبراء في الغرب أن هذه هي المرة الأولى التي تصبح فيها منصات التواصل الاجتماعي جزءاً رئيساً من الحرب. تمكين المواطنين في أوكرانيا من استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتوثيق ما يجري على الأرض عبر هاتف محمول يجعل من كل منهم مراسلاً حربياً. هذه حقيقة، لكنها قديمة شهدتها سوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا ولبنان وتونس من قبل. وهي الحقيقة التي خضعت كذلك للتأويل بحسب انتماء المشاهد وميله ومصالحه، سواء كان مواطناً آخر أو سلطة حاكمة، أو نظاماً أجنبياً له مصالح، وتحركه توازنات.

 

 

أول حرب سوشيال ميديا؟

الكاتب المتخصص في شؤون التواصل الاجتماعي بيتر سوتشيو يرى في مقال نشرته "فوربس" عنوانه "هل غزو روسيا لأوكرانيا أول حرب سوشيال ميديا؟" "أنه يمكن اعتبار أحداث (الربيع العربي) بروفة لكيفية استخدام السوشيال ميديا لتغطية الأحداث السريعة لإحداث التغيير أو إدانة مسالة ما، أو حتى إسقاط حكومات"، لكنه يضيف "أن حجم ونطاق السوشيال ميديا تغيرا كثيراً مقارنة مع عام 2011".

مقارنة مع عقد مضى، عدد مستخدمي "فيسبوك" تضاعف أكثر من ثلاث مرات، وكذلك "تويتر" و"إنستغرام" وغيرها. هذا يعني أن مقدمي المحتوى تضاعفت أعدادهم، كذلك المتلقون. من جهة أخرى، اعتاد مليارات البشر وتأقلموا تماماً مع فكرة حصولهم على تعددية مصادر الأخبار والمعلومات. لم يعد الصحافيون والمراسلون والمحللون المعتمدون المصدر الوحيد، لا سيما في أماكن الصراع والعنف التي ربما يصعب الوصول إليها.

ويرى سوتشيو "أن محتوى السوشيال ميديا في هذا السياق غيّر مفهوم الحرب لدى المتلقين تماماً، بسبب متابعة تفاصيل الحرب بعيون من يعايشونها ويتجرعون مراراتها، وليس صحافيين زائرين أو مهنيين يلتزمون قواعد بعينها".

هذا من شأنه تصعيب عمليه كتابة التاريخ من وجهة نظر مرتكبي العنف، حيث البث على الهواء مباشرة، وربما دون كلام، ويشير سوتشيو إلى "أن وضع السوشيال ميديا في أوكرانيا حالياً مختلف عما كانت عليه أوضاع الربيع العربي، إذ لا تتخذ الحكومة الأوكرانية خطوات لإسكات الأصوات، بل تبذل الجهود للإبقاء على المنصات مفتوحة".

المصالح تتصالح

وعلى الرغم من أن الوضع مختلف تماماً، إذ محاولات حكومات عربية في عام 2011 التضييق على منصات التواصل الاجتماعي كان سببه تعارض المحتوى مع ما اعتبرته مصلحتها أو المصلحة العامة، عكس الحكومة الأوكرانية حالياً، حيث يقف الحاكم والمحكوم على الجبهة ذاتها، إلا أن محتوى منصات التواصل الاجتماعي يفرض نفسه في الحرب الآنية قوة لا يستهان بها، وأيضاً لا يمكن التكهن بما تأتي به.

السلطات الروسية من جهتها بادرت بما كان متوقعاً. "الخدمة الفيدرالية الروسية للرقابة على الاتصالات وتقنية المعلومات والإعلام" اتخذت قرار "تقييد الوصول" و"إبطاء" تشغيل "فيسبوك" لأنه بدوره قيد وظائف حسابات وسائل الإعلام الروسية، وهو التقييد الذي وصفته السلطات الروسية الإعلامية بـ "انتهاك المبادئ الأساسية للإعلام الحر، ووصول المستخدمين الروس دون عائق إلى وسائل الإعلام الروسية على منصات الإنترنت الأجنبية".

تقييد الوصول

حجب "فيسبوك" أو "تقييد الوصول" له في روسيا قوبل برد حاسم ودال ومسيس أيضاً، من قبل شركة "ميتا" عبر تغريدة قال فيها رئيس الشؤون العالمية نيك كليغ، إن "الملايين من الروس العاديين سيجدون أنفسهم قريباً معزولين عن المعلومات الموثوقة ومحرومين من طرقهم اليومية للتواصل مع العائلة والأصدقاء، ويتم إسكاتهم من التحدث علانية، وإن الشركة ستواصل بذل كل ما في وسعها لاستعادة خدماتها حتى تظل متاحة للناس للتعبير عن أنفسهم بشكل آمن". بعدها بأيام قليلة، قررت السلطات الروسية حجب "تويتر" كذلك.

تماهي شركات التواصل والاتصالات والسوشيال ميديا العالمية مع أنظمة الحكم في الدور الكبرى في خانة واحدة، والتناسي والتعافي من ذكريات الأمس القريب الأليمة عبرت عن نفسها في تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض جان ساكي التي علقت على قرار روسيا بقولها "هذا ليس نهجاً جديداً بالنسبة إلى السلطات الروسية. نحن قلقون للغاية بشأن هذا القرار وأيضاً بشأن التهديد الذي تتعرض له حرية التعبير في روسيا".

يشار إلى أن العلاقات بين الإدارة الأميركية من جهة و"فيسبوك" و"تويتر" شهدت توترات خلال السنوات القليلة الماضية غير مرة، حين وُجهت اتهامات للمنصتين بضلوعهما في توجيه الرأي العام الأميركي في الانتخابات الرئاسية وكذلك نشر أخبار كاذبة أو مضللة والتلاعب السياسي، من شأنها أن ترجح كفة دون أخرى في السباق، إضافة إلى التعامل مع قواعد بيانات المستخدمين.

تستمر الحرب ضارية في أوكرانيا وآثارها أكثر ضراوة في أرجاء الكوكب. ويظل الإعلام بمنصاته التقليدية والجديدة، المهنية وتلك التي يصنعها المستخدمون طرفاً رئيساً فاعلاً في المعركة. هي حرب مستعرة يخوضها الجميع حكومات ومؤسسات إعلامية وأفراد. صار الحجب سلاحاً في أيدي الجميع، وأصبحت المعلومات المضللة اتهاماً في ملعب الكل، والمحتوى الخبري ملكة ينتجها من أراد، وتحليل المشهد وتكوين الرأي وتحديد الموقف جميعها يدين بكثير لـ"الترند"، ومن نجح في صناعته، والبروباغاندا، ومن تمكن من تجميلها.