Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تغير نمط السلوك السياسي خلال الثورة السودانية؟

كانت أوضاع البلاد مرشحة للانفجار في أي لحظة نظراً إلى حجم الفساد والفقر واستمرار الضائقة المعيشية واستمرار الحرب والنزاعات في مناطق مختلفة

سيطر على سلوك الثوار بعض الشجاعة رافقها اندفاع كبير (اندبندنت- حسن حامد)

بعد سقوط النظام الحاكم في السودان الذي استمر على مدى قرابة ثلاثة عقود، سيطر على سلوك الثوار بعض الشجاعة رافقها اندفاع كبير لدرجة لم يعد لنشدان السلامة قيمة مع تعريض أنفسهم للقتل من دون خوف أو وجل، بل إن توثيق حالات الإقدام تظهر انتشاءً منقطع النظير للحظات الحاسمة من مواجهاتهم مع العسكر وتحت ضرب الرصاص. وحالات أخرى وُثقت لشباب في استرخاء تام، وآخرون اتخذوا مجالس للتدخين وعقد محادثات تلفونية، كلها تحت وابل الغاز المسيل للدموع.

هذا ما امتلكه الثوار في الشارع السوداني، سعوا بسلوكٍ سياسي محدود في التظاهرات والعصيان المدني، إلى التعبير عن رأيهم، ورأت السلطات في البداية أنَّ ذلك يمكن أن يخفف حدة التوتر الاجتماعي والسياسي، ولما لم يصل هذا السلوك إلى أي حل أو إلى التوافق المطلوب بسبب التنافس والصراع، انفرط عقد هذا التوازن وتحول السلوك السياسي إلى مواجهات عنيفة، قلصت فرص حسم الصراع على أحقية الثورة ونتائجها أياً كانت، بين القوى السودانية المختلفة.

هذا السلوك السياسي شكلته الثورة التي لم تكن ممكنة إلا بتخلق بيئة واسعة من الاستياء الشعبي من السلطة الحاكمة ومن الضيق بالكيانات السياسية الأخرى، فكان سلوك الفرد عملية ثورية متكاملة في الشارع، ولكنها لا تزال إلى الآن تفتقر إلى العمل السياسي المنظم.

ولهذا فإنه يمكن افتراض أن تغييراً جوهرياً حدث للسلوك السياسي بين الأمس واليوم، أي بين الثورات السودانية في عهود سابقة، وبين ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. ولكن اللافت أنّ تظاهرة 26 فبراير (شباط) الماضي، أخذت ملمحاً مظهرياً من ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وأبريل (نيسان) 1985، وظهر فيها آباء وأمهات وأجيال ربما شهد بعضهم تلك الأحداث.

وفاق مؤقت

كانت أوضاع البلاد مرشحة للانفجار في أي لحظة، نظراً إلى  حجم الفساد والفقر واستمرار الضائقة المعيشية واستمرار الحرب والنزاعات في مناطق مختلفة، وارتفاع وتيرة التمرد وازدياد التهميش. وكانت حكومة "الانقاذ" تمارس ديكتاتورية تفاقمت إلى نزعة استبدادية، فلم تجيء الثورة منفصلة عن الماضي ولا هي بعيدةً من الواقع.

وفي الوقت الذي تشهد الثورة حقبة جديدة تميزت بالزخم الثوري الميداني، فقد كشفت عن نكوص الأحزاب السياسية عن التقليد الثوري المعروف، وذلك ببروز نهجٍ جديد تجاوز ديكتاتورية داخلية بدت في تشبث قادة بعض الأحزاب بمناصبهم وتوريثها لأبنائهم خصوصاً الأحزاب الطائفية، إلى ديكتاتورية أخرى مُورست لإزالة الخصم.

كما نشأ تحالف يشجع الشارع على العنف، حوى أحزاب متشاكسة في الأصل، ولكنها اتحدت ضد عدو واحد وهو النظام السابق وركزت جهودها على عدم ظهوره من جديد، ما يعني أن هذه التحالفات ليست مبدأية في ذاتها أو قائمة على ما يجمع بينها وبين المكونات السياسية الأخرى غير الهدف الذي يُفترض أن الجميع تجاوزه بسقوط النظام.

ولم يقتصر التماهي على هذه المكونات، وإنما صارت نغمة ثابتة في كل البيانات الصادرة من مجلس السيادة الانتقالي الذي يظهر بثيمة صارت معروفة وهي الدعوة إلى المشاركة السياسية للجميع "ما عدا المؤتمر الوطني"، وتبرز كعبارة تسكينية في اتجاه كسب وفاق مؤقت، ولا تحمل أي استراتيجيات لما بعد هذه المرحلة.

من ناحية أخرى، تتعامل الحكومة الانتقالية بمكونيها المدني والعسكري مع الثورة على أنها مرحلة فاصلة لم يكن بمقدور القوى السياسية تجنبها، لا سيما أن الثورة لم تستطع إنهاء الصراع الداخلي بين القوى السياسية وبقية المكونات العسكرية مثل الحركات المسلحة.

ومع أنها تواءمت معها من قبل ضد النظام السابق، فما يجمعها الآن هو عدم السماح لأعضاء النظام السابق بالقفز على الثورة، ولكن في النهاية ومن وراء هذه الخلافات ربما تؤسس هذه المرحلة الضبابية لجعل السلطة في يد العسكر. وما يؤيد ذلك أنّ هذه الثورة لم ينتج منها الاتساق الذي ينتج عادة من التغييرات السياسية المعروفة.

دماء جديدة

كان الإطار المحرّك للثورة هو الاستبداد السياسي، إضافة إلى تدهور البنى الاقتصادية والاجتماعية، ما مهّد لتفجير الوضع بشكل أشبه بالمفاجئ وبقوة، ومع ذلك فقد أضرت التلقائية بقوة الثورة وحماسة الثوار.  

ولكن ثمة تشابكاً بين هذه التظاهرات أثناء هذه الثورة والتظاهرات التي سبقتها ضد نظام البشير منذ عام 2005، وانتهت تظاهرات ذلك العام التي قادها الجناح المسلح الذي يمثله "مؤتمر البجا" ضد الحكومة مطالباً بإنهاء التهميش في شرق السودان، بوقوع ضحايا في مدينة بورتسودان، ثم 2013 التي خلفت ضحايا ومفقودين أكثر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شهدت هذه الثورات جميعها عنفاً ضد المواطنين وعقبها تماهٍ من القوى السياسية والحركات المسلحة مع النظام، وبعدها حصل كثيرون كانوا في دكة الانتظار على مناصب سياسية، واستمال النظام آخرون بالمال والسلاح.

 

 

وعلى الرغم من مقدرة الثورة وحتى بلوغها عامها الثالث على حشد الآلاف للخروج في تظاهرات مستمرة من دون كلل أو ملل، إلا أن افتقارها للقيادة السياسية الواضحة أقعدها عن الوصول إلى السلطة، فمن وصل إلى هناك لم يكن مرضياً عن أدائهم وبدا تصويرهم كمتسللين وناشطين سياسيين وليسوا سياسيين حقيقيين، أو حتى تكنوقراط. أتاحت هذه الهنات للعسكر الدفع بقرارات 25 أكتوبر التي لم يستطع الغرب حتى الآن وصفها بأنها انقلاب.

أما ما يخص الخبرة التي تمنحها ثورة ما إلى المجتمع الذي يمر بتلك التجربة، فإننا لا يمكن أن نضع استنتاجات على نحو واسع نظراً للاضطراب في السلوك السياسي من قِبل الحكومة والمواطنين تحت الضغوط الداخلية والخارجية.

كما يبدو أن الثورة الحالية استنزفت كل طاقة الثوار ما يجعلها في حاجة إلى ضخ دماء جديدة. وإن كان يُتوقع أن يعقب الثورة ازدهار سياسي واقتصادي واجتماعي، فهذا ما لم يحدث إلى الآن، بل ازدادت الأوضاع سوءاً عما كانت عليه. وإن كانت الثورة دلالة على صحة المجتمع وتغير سلوكه السياسي من الرضوخ للأمر الواقع والخروج من الضعف، فإنها من ناحية أخرى تعني أن الحكومة مرت بحالة تدهور عنيفة أو عملية تآكل من الداخل، لأسباب منها الصراع على النفوذ.

غالبية صامتة

إن القيود التي وضعها النظام السابق ضد الأفراد والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي كانت ترفع أصواتها للمطالبة بالتغيير، أسهمت في خروج المشاركة الشعبية بالتظاهر من عقالها، إذ لم ترتبط بالوضع الاجتماعي ولا بارتفاع مستوى التعليم مثل ما حدث في التظاهرات التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964.

ولم تتقيد بالانفتاح على نظم الحكم البديلة كما حدث في التظاهرات التي قادت إلى ثورة أبريل 1985. فخلال التظاهرات التي قادت إلى ثورة ديسمبر، تجاوز جزء من النضال السياسي الحدود المرسومة ما أصبح يتطلب مدة زمنية أطول لتحقيق أهدافه، ولكن لا أحد كان يتصور أن تستهلك كل هذا الوقت. فخلال ما يقارب الثلاثة أعوام من الفترة الانتقالية، لم تتجسد الديمقراطية في شكل الحكم، وبدا الطريق شائكاً أكثر، فالتوق إلى أن تكتسب الديمقراطية جوهرها النوعي جعل الثوار يركنون إلى التظاهر المستمر من دون الجلوس لقياس النتائج ووضع خطة تتعدى التحرك الشكلي في جماعات للتظاهر ثم تفريقها من قِبل الشرطة حتى أصبحت سلوكاً روتينياً شبه يومي للمتظاهرين بكل فئاتهم وللسلطة بعتادها، وللقوى السياسية المتوارية خلف الطرفين.

إزاء هذا الارتباك كان رد فعل الحكومة الانتقالية في البداية مثيراً للاستغراب، فعوضاً عن اتخاذ خطوة واضحة، انتهجت نوعاً من التراجع إلى الخلف تبعه جمود، فلم تحسم المعركة بين المدنيين والعسكريين لصالح أي من المكونين، وبعد ذلك أظهرت أدواتها السلطوية، وهددت عمل عدد من الأحزاب السياسية، وضيقت على الصحافة وحرية التعبير عن الرأي.

لكن المكوّن العسكري ليس مستعداً للتنازل عن السلطة، والغالبية الصامتة من السودانيين لم تنضم إلى المعارضة الحالية المكونة من "قوى إعلان الحرية والتغيير" ولا إلى جانب العسكر.

وسواء كان هذا الوضع ناتجاً من خوف من عبء العمل السياسي، أو زهد في الانتماءات الضعيفة، فإن أغلب السودانيين ظلوا على هامش هذه المعركة، فالمدنيون الذين حكموا ضمن مجلس السيادة في حكومة عبدالله حمدوك الأولى والثانية، لم يمثلوا إلا أربعة أحزاب سياسية فقط وبعضها منشق عن الحزب الأم.

انهيار عام

أسهم في هذا المناخ كثيرون، إذ كانت "قوى إعلان الحرية والتغيير" تقول إنها الممثل الوحيد للشعب، وكانت ترغب في تجاهل عبء الحفاظ على التوازن بين الشارع والسلطة، كما هناك أيضاً شكوك بأن عناصر من النظام السابق تقوم بتشجيع العسكر على التصدي للثوار والقبض على "لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو" وكشف فسادها.

أثبت السلوك السياسي المتبع أنَّ الحكومة الانتقالية لم تستطع إدارة كل الخيوط السياسية، بل ما ظهر من تخبط يدل على أنَّها لا تمتلك إدارة لتخفيف المخاطر المحتملة، ابتداءً من المواجهات مع الثوار وما يترتب عليها، وانتهاء باحتواء كثير من التجاذبات السياسية والعسكرية في مناطق النزاعات وعكس ذلك داخلياً وخارجياً، كما ليس لديها المقدرة في تجنب الأسوأ.

لكن ترك الأحداث تعيد نفسها هو مناورة خطيرة قد تعيد البلاد إلى ما قبل الثورة، فقبل اندلاعها ساد الفساد في أواصر أجهزة السلطة، وعمت الفرقة والانشقاق الأحزاب السياسية. أما احتمال عودة الديكتاتورية فلم تكن بعيدة بل كان هناك عدم ثقة من القوى السياسية في الديمقراطية التي جربوها لفترات قصيرة متقطعة خلال عهود عسكرية طويلة.

أما الشباب الثوري فقد ظلوا يتمنون تطبيقها على نسق الديمقراطية الغربية وهي النموذج الوحيد أمامهم الذي يرونه من على البعد ولم يعش أغلبهم غير عهد حكم البشير. لذا فهم لا يثقون بتطبيقها عبر دستور وطني، ونتج من ذلك عدم الإيمان بسلطة الحكومة الانتقالية، حيث لا يرون فيها تجسيداً لكيانٍ سياسي قادر على ذلك.

المشهد الكلي الآن أنّه أطيح بنظام البشير، ومن ثم أطيح بالحكومة الانتقالية الأولى، وما تبقى منها هي صور فقط لتمنع التسليم بخسران السلطة لدى الحاكمين، وفشل الثورة لدى الشعب إذ إن انهيار المشروعين يُنظر إليه على أنه انهيار للسلطة السياسية كاملة.

وفي إطار ذلك تأبى الأحزاب السياسية والطائفية خصوصاً، التفريط في هياكلها السياسية الموروثة، ما يشكل انهياراً آخر للقوى السياسية. إذاً يمثل السلوك السياسي المتبع الآن جزءاً من الانهيار العام في الأذرع الرئيسة لمفهوم الديمقراطية والدولة المدنية لدى الأطراف الثلاثة.

المزيد من تحلیل